الهدى – قم المقدسة ..
يواصل سماحة آية الله السيد هادي المدرسي تقديم محاضرته القيمة في حسينية الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، ضمن سلسلة تفسير سورة الإنسان في البرنامج الرمضاني.
ويتناول سمحاته في تفسير الآيات الأولى من سورة الإنسان، مع تركيز خاص على البسملة “بسم الله الرحمن الرحيم” والآيات 1 و2 من السورة، وقد شهدت المحاضرة حضورًا متميزاً من العلماء والفضلاء .
وبدأ السيد المدرسي محاضرته بإكمال حديث الليلة الماضية عن البسملة “بسم الله الرحمن الرحيم”، مؤكدًا أنها ليست مجرد مقدمة للسور القرآنية، بل هي بابٌ للدخول إلى محراب الكتاب الإلهي. وأشار إلى أن البسملة تحمل أسرارًا عظيمة مستشهداً بحديث شريف يقول: “من قرأ البسملة موقنًا بها دخل الجنة”.
كما تطرق إلى فضائل البسملة، حيث ذكر أن من يقرأها بخشوع يُكتب له بكل حرف منها ألف حسنة، ويُمحى عنه ألف سيئة، ويرفع له ألف درجة. وأكد على أن البسملة هي مفتاح كل خير ووسيلة لطلب الرحمة الإلهية وسعة الرزق، مستشهدًا بقصص واقعية لأشخاص استجاب الله لدعائهم بعد تلاوة البسملة بإخلاص.
وانتقل السيد المدرسي بعد ذلك إلى تفسير الآيات الأولى من سورة الإنسان، حيث قال تعالى: “هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا؟ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا”.
وفي محاضرته، تناول آية الله السيد هادي المدرسي تفسير الآية الكريمة: “هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا”، حيث أشار إلى أن هذه الآية تحمل معنيين رئيسيين، كلاهما صحيح ومتكامل، ويعكسان جوانب مختلفة من حقيقة وجود الإنسان وعلاقته بالزمن والخلق الإلهي.
وأوضح السيد المدرسي أن المعنى الأول للآية يشير إلى مرحلة من مراحل وجود الإنسان قبل خلقه في هذا العالم المادي، فقبل أن يُخلق الإنسان في صورته الحالية، لم يكن شيئًا مذكورًا، أي لم يكن موجودًا في هذا العالم، واستشهد السيد المدرسي بفكرة أن الإنسان مر بعدة عوالم قبل ولادته، مثل عالم الأرواح وعالم الذر.
وأشار إلى أن هذه الآية تذكر الإنسان بأصله المتواضع وبدايته الضعيفة، حيث كان مجرد “نطفة أمشاج” قبل أن يخلقه الله في أحسن تقويم. وهذا المعنى يعزز لدى الإنسان الشعور بالتواضع والامتنان لنعم الله عليه، حيث نقله من العدم إلى الوجود، ومن الضعف إلى القوة، ومن الغفلة إلى الذكر.
وأضاف السيد المدرسي أن أجزاء أجسامنا كانت موجودة في أماكن مختلفة، ربما في صحراء، ربما في حائط، ربما في سقف، ربما في وادي. هذا البدن كان منقسمًا ومتفرقًا، لكن الله تعالى بقدرته التي لا تحد جمع هذه الأجزاء وشكل منها هذا الجسم الجميل الذي نراه اليوم. كما أن أرواحنا كانت موجودة في عالم الأرواح، لكنها لم تكن مذكورة في هذا العالم المادي.
وتابع سماحته “أما المعنى الثاني، فيركز على مفهوم “الدهر” كزمن يغلب الإنسان ويُذكره بضعفه وفنائه. فالإنسان، رغم وجوده وقوته، يبقى تحت سيطرة الزمن، الذي يغلب كل شيء ويجعله عتيقًا مع مرور الأيام. حيث يمر بمراحل مختلفة من الحياة، من الطفولة إلى الشيخوخة، ومن القوة إلى الضعف.
وأوضح أن الدهر هنا ليس مجرد وقت عادي، بل هو رمز لقوة الله تعالى التي تتحكم في كل شيء، بما في ذلك حياة الإنسان ومصيره. فالإنسان، رغم ما يملك من قوة وعلم، فإنه لا يستطيع أن يوقف الزمن أو يهرب من الموت، وهذا يذكره بضعفه وحاجته إلى الله تعالى في كل لحظة من لحظات حياته.
وأضاف السيد المدرسي أن هذا المعنى يمكن أن يكون تساؤلاً: هل جاء يوم من الأيام ورب العالمين لم يذكرك؟ لكن الحقيقة أن الله يذكرك في كل لحظة، في كل ساعة، في كل يوم، في كل أسبوع، في كل شهر، وفي كل عمرك. الله دائمًا يذكرك برحمته، أنت الغافل عن رب العالمين، أما هو فيذكر عباده دائمًا.
وفي محاضرته، تطرق آية الله السيد هادي المدرسي أيضاً إلى موضوع الهدف من خلق الإنسان، مؤكدًا أن الله تعالى خلق الإنسان ليمتحنه وليبتليه في هذه الحياة الدنيا، مستشهدا بالآية الكريمة: “إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا”، ليؤكد أن الابتلاء هو جزء أساسي من حكمة الخلق الإلهي.
ولفت السيد المدرسي الى أن الإنسان خُلق من “نطفة أمشاج”، أي من ماء مختلط من الرجل والمرأة، مما يظهر ضعفه وبدايته المتواضعة. ومع ذلك، فإن الله تعالى منحه القدرات العقلية والحسية، كالسمع والبصر، ليتمكن من مواجهة التحديات والاختبارات التي وضعها الله له في هذه الحياة.
وأشار إلى أن الابتلاء ليس مقصورًا على الشدائد والمصائب فقط، بل يشمل أيضًا النعم والرخاء. فالله يبتلي الإنسان بالخير والشر، بالصحة والمرض، بالغنى والفقر، ليرى كيف يتصرف في كل حالة. هل يشكر الله على النعم؟ هل يصبر على البلاء؟ وهل يلتزم بتعاليم الدين في كل الأحوال؟
واستشهد السيد المدرسي بقصة يزيد بن معاوية، الذي فشل في امتحان الله رغم ما أُعطي من نعم وسلطة، مقارنةً بمن نجحوا في الامتحان وحافظوا على إيمانهم وتقواهم، مؤكدا على أن الابتلاء هو وسيلة لتمييز الصادقين من المنافقين، والصابرين من الجاحدين.
كما أشار إلى أن الابتلاء ليس عقوبة، بل هو فرصة للإنسان ليرتقي روحانيًا وأخلاقيًا. فمن خلال الصبر على الشدائد والشكر على النعم، يمكن للإنسان أن يصل إلى مراتب عالية في الجنة، كما وعد الله تعالى الصابرين والشاكرين.
واختتم المربي الكبير السيد المدرسي حديثه بالتأكيد على أن الابتلاء هو جزء من عدل الله وحكمته، حيث يعطي كل إنسان الفرصة ليثبت جدارته ويختار طريقه بنفسه. فالإنسان مُخيَّر بين الخير والشر، وبين طريق الجنة وطريق النار، والابتلاء هو الوسيلة التي تكشف حقيقة اختياراته وأفعاله.



