الهدى – متابعات ..
تشكل برامج الرعاية الاجتماعية في العراق أداة مهمة لدعم الفئات الأكثر احتياجًا، لكنها تكشف عن عمق الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها البلد وتظهر فشل الحكومات في تحقيق تنمية مستدامة، حيث يستمر الاقتصاد في الاعتماد على الإيرادات النفطية دون وجود أبدال إنتاجية حقيقية.
ورغم أهمية هذه البرامج في التخفيف من حدة الفقر والبطالة، إلا أنها أصبحت ساحة لاستغلال القوى السياسية، ووسيلة لتحقيق مكاسب انتخابية على حساب المستحقين الحقيقيين. ثم أن الفساد وسوء الإدارة أسهما في إفراغ هذه المنظومة من أهدافها الأساسية.
ويؤكد الناشط السياسي علي العنبكي أن “الارتفاع المستمر في أعداد المستفيدين من رواتب الرعاية الاجتماعية يعكس وجود ازمة اقتصادية في العراق”.
واشار الى “فشل الحكومات المتعاقبة في وضع خطط تنموية حقيقية للحد من البطالة والفقر، فبدلًا من أن يكون توسع شبكة الحماية الاجتماعية مؤشرًا على تحسن الأوضاع المعيشية، فإنه يكشف عن تفاقم المشكلات الاقتصادية واعتماد أعداد متزايدة من المواطنين على المساعدات الحكومية”.
وعدّ العنبكي، “الزيادة مؤشرا سلبياً، في ظل اعتماد العراق شبه الكامل على واردات النفط لتغطية الرواتب، دون وجود دعم حقيقي للمشاريع الإنتاجية في القطاعين العام والخاص”.
وبين ان “النمط الاقتصادي في العراق، القائم على الاستهلاك بدلًا من الإنتاج، حيث يفتقر العراق إلى صناعة قوية وزراعة مستدامة تضمن خلق فرص عمل جديدة وتحقيق التنمية الاقتصادية”.
ولفت العنبكي، إلى أن “بعض القوى السياسية تستغل برامج الرعاية الاجتماعية كأداة انتخابية، حيث يستخدم المرشحون تسجيل المواطنين في هذه البرامج كوسيلة لاستقطاب أصوات الناخبين، وذلك بواسطة التواطؤ مع موظفين فاسدين مرتبطين بأحزابهم. هذه الممارسات لا تؤدي فقط إلى إهدار الموارد المالية، بل تسهم أيضًا في ترسيخ الفساد”.
من جهته، يتساءل المحلل السياسي، محمد زنكنة، عن إمكانية تطبيقه في ظل الفساد المالي والإداري المستشري في مؤسسات الدولة.
ويؤكد زنكنة، أن “جميع دول العالم تعتمد أنظمة للضمان الاجتماعي والصحي لحماية المواطنين من مختلف الطبقات، لكنه يشير إلى أن تطبيق هذا النظام في العراق يواجه عقبات عديدة، أبرزها الوضع الاقتصادي الهش، والتفاوت الطبقي الكبير، والرواتب الوهمية التي تستهلك ما بين 30 إلى 40 في المائة، من الميزانية العامة”.
كما يكشف، عن ظاهرة الرواتب الوهمية التي تصرف لأسماء غير موجودة أو لأشخاص متوفين، فضلًا عن التلاعب في الهويات وسرقة المال العام، خصوصًا في المنظومة الدفاعية والعسكرية، مما يجعل من الصعب تنفيذ نظام ضمان اجتماعي عادل.
ويرى زنكنة أن “الحديث عن الضمان الاجتماعي ليس سوى شعار انتخابي يُستخدم لكسب التأييد الشعبي، مثل العديد من المشروعات الكبرى التي لم تنفذ، ومنها قطار بغداد المعلق، وميناء الفاو، وطريق التنمية”.
ويبين، أن هذه “القضايا تبقى مجرد وعود إعلامية لا تجد طريقها إلى التنفيذ، في ظل غياب الإرادة السياسية الحقيقية للإصلاح الاقتصادي والإداري في العراق”.
وأعلنت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في العراق في نيسان 2024 أن عدد المشمولين برواتب الرعاية الاجتماعية بلغ سبعة ملايين و600 ألف شخص، وهو ما يمثل حوالي 20 في المئة من سكان العراق.
ويهدف برنامج الرعاية الاجتماعية، حسب وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، إلى دعم الفئات الأكثر احتياجاً وفقاً لقانون الرعاية الاجتماعية رقم 11 لسنة 2024، ويشترط القانون أن يكون المستفيد عراقي الجنسية ومقيماً بشكل دائم، وألا يقل عمره عن 18 عاماً.
كما يشترط أن يكون عاطلاً من العمل ولا يمتلك مصدر دخل ثابتاً، أو وظيفة حكومية، أو معاشاً، أو أصولاً عقارية، أو مشاريع، أو سيارات موديلها أحدث من 2014. وتشمل الفئات المستفيدة الأرامل، المطلقات، زوجات المفقودين، العازبات فوق 35 عاماً، المهجورات من أزواجهن، الأيتام، والعاجزين البالغين 60 عاماً فما فوق.
وتواجه الحكومة العراقية تحديًا في تنظيم الإعانات الاجتماعية، التي تعد ضرورة لدعم الشرائح العاجزة عن العمل والإنتاج، وفقًا للباحث الاقتصادي زياد الهاشمي، ورغم أهمية هذه الإعانات، إلا أن المشكلة تكمن في غياب التنظيم والرقابة في توزيعها، مما يؤدي إلى استفادة غير المستحقين منها.
ويوضح الهاشمي، أن “جزءًا من العاطلين عن العمل يستحقون الدعم، لكن لا ينبغي أن يكون هذا الدعم مفتوحًا بلا قيود زمنية”، ويقترح تحديد مدّة تمتد بين ستة إلى تسعة أشهر، يتمكن خلالها المستفيد من العثور على عمل، بدلًا من تحويل الإعانة إلى مورد دائم.
ودعا الهاشمي، وزارة المالية الى، تبني سياسات أكثر صرامة في إدارة ملف الإعانات الاجتماعية، بهدف تحقيق التوازن بين دعم المستحقين وتحفيز الشباب القادرين على المساهمة في تنمية الاقتصاد الوطني.
