تربیة و تعلیم

الحاضنة التربوية الإسلامية للأطفال

إشاعة الأجواء الدينية والإيمانية يساهم بشكل كبير في جعل الطفل المراهق الشاب الكهل، أي في مراحله المتعاقبة ذا شخصية متوازنة ثابتة الجنان، صحيحة السلوك، لأن الحاضنة التربوية الدينية تحمي الطفل في مرحلته العمرية الطفولية وفي المراحل اللاحقة

للحاضنة التربوية الأولى أهمية بالغة في طريقة تنشئة الطفل، صعودا إلى المراحل العمرية التالية، فالمراهق نظرا لطبيعة مرحلة المراهقة يكون بحاجة كبيرة جدا للتربية السليمة، لأنه يميل إلى العزلة ويحب الابتعاد والخلوّ بنفسه، وتأخذه الخيالات بعيدا عن الواقع، لذلك يحتاج الإنسان في هذه المرحلة من العمر إلى مساعدة تربوية دينية أخلاقية دائمة، حتى يعبر هذه المرحلة الحساسة بأقل الخسائر النفسية والسلوكية.

ولو جئنا إلى الأطفال سوف نجد أنهم لا يقلّون خطورة عن مرحلة المراهقين في حال تمّ إهمالهم، ولم يجدوا الحاضنة التربوية السليمة، فكما يُقال في المقولة المأثورة (التعلّم في الصِغَر كالنقش على الحجر)، فما يتم نقشه في ذاكرة وعقل الطفل وهو في مرحلة الطفولة سوف يبقى معه طويلا، وسوف تكتسب شخصيته الصفات والأخلاقيات التي تمنحها له الحاضنة التربوية الإسلامية، حيث يعيش في أجواء إيمانية وعقائدية تساعده على الاستقامة في حياته، وتمنحه طوق الأمان الذي يحميه من الانزلاق في المنحدرات الأخلاقية والفكرية الخطيرة.

يحتاج الطفل إلى حاضنة اجتماعية إسلامية تحصّنه من حالات الزلل التي قد يقع فيها، ومرحلة الطفولة يتم التأكيد عليها لأنها مرحلة التأسيس لبناء شخصية الإنسان منذ الولادة مرورا بالسنوات الأولى التي يكون فيها ضمن إطار الخلية الاجتماعية الأصغر وهي العائلة، لذلك لابد أن يتنبّه الأبوان إلى حساسية هذه المرحلة، وأهميتها في البناء الأخلاقي والسلوكي للابن من كلا الجنسين، حيث كل إشارة وحركة ولفظ وتصرّف يصدر من الأب والأم ينتقل بشكل مباشر إلى الطفل الذي لن ينسى هذا التصرف أو الكلام الذي يتفوه به أبوه أو أمه.

لذلك من المهم جدا أن يفكّر الآباء والأمهات وحتى الأخوة الكبار في السن، مسبقا بما يتفوهون به مسبقا أمام الطفل، ويضبطوا سلوكياتهم بما يتلاءم مع الدين والأخلاق والأعراف، حتى لا يشط الابن أو البنت بعيدا عن الطريق القويم، وعادة ما يتربى الأبناء على سلوكيات وألفاظ وحركات أولياء أمورهم الذين يعيشون معهم في بيت واحد أو حاضنة واحدة، ولابد أن يفهم الأبوان بأن الألفاظ التي يسمعها أطفالهم والحركات التي يرونها سوف تنطبع في الذاكرة وفي السلوك الطفولي وسوف تبقى معهم إلى أمد بعيد.

كذلك من الأهمية بمكان أن يغرس الأبوان المعرفة في الأبناء (بنينا وبنات)، وأن يحافظوا عليهم من آفة الجهل، والكذب والتكبّر على الآخرين، فقد ورد في وصية الإمام علي بن أبي طالب لابنه الحسن، عليهما السلام: “إن الجاهل من عد نفسه بما جهل من معرفة العلم عالما، وبرأيه مكتفيا، فما يزال للعلماء مباعدا وعليهم زاريا، ولمن خالفه مخطئا، ولما لم يعرف من الأمور مضللا، فإذا ورد عليه من الأمور ما لم يعرفه أنكره وكذب به وقال بجهالته: ما أعرف هذا، وما أراه كان، وما أظن أن يكون، وأنى كان؟ وذلك لثقته برأيه وقلة معرفته بجهالته!. فما ينفك بما يرى مما يلتبس عليه رأيه مما لا يعرف للجهل مستفيدا، وللحق منكرا، وفي الجهالة متحيرا، وعن طلب العلم مستكبرا”. (تحف العقول صفحة ٧٣).

هنا تكمن حساسية وأهمية الحاضنة الأولى، فهي أما تعطي الطفل دروسا كبيرة وصالحة في الأخلاق واللفظ والسلوكيات وحتى الأفكار، وأما تجني عليه عندما تتشكل شخصيته منذ الطفولة على ألفاظ وأفكار وسلوكيات مشوّهة تطبع جذورها في عقليته وشخصيته، وفي هذه الحالة تكون العائلة وهي الحاضنة الأولى أو من يجني على الأبناء، فيذهبون في مهب الانحراف الفكري والديني ومن اللفظي والسلوكي.

كذلك للمرحلة العمرية اللاحقة أهمية في التوجيه والوعظ، فليس الطفولة وحدها تستوجب الاهتمام من الأبوين وإنما الشباب أيضا وغيرهم من مراحل العمر الأكبر، حيث جاء في وصية الإمام علي، عليه السلام أيضا: “أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْـمَوْعِظَةِ، وَأَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ، وَقَوِّهِ بِالْيَقِينِ، وَنَوِّرْهُ بِالْـحِكْمَةِ، وَذَلِّـلْهُ بِذِكْرِ الْـمَوْتِ، وَقَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ، وَبَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا، وَحَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَفُحْشَ تَقَلُّبِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ، وَأعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْـمَاضِينَ، وَذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الأَوَّلِينَ، وَسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ، فَانْظُرْ مَا فَعَلُوا وَعَمَّا انْتَقَلُوا، وَأَيْنَ حَلُّوا وَنَزَلُوا! فَإِنَّكَ تَجِدُهُمُ انْتَقَلُوا عَنِ الأَحِبَّةِ، وَحَلُّوا دَارَ الْغُرْبَةِ، وَكَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ”.

أهمية الحاضنة الأولى، فهي أما تعطي الطفل دروسا كبيرة وصالحة في الأخلاق واللفظ والسلوكيات وحتى الأفكار، وأما تجني عليه عندما تتشكل شخصيته منذ الطفولة على ألفاظ وأفكار وسلوكيات مشوّهة تطبع جذورها في عقليته وشخصيته

فهل فكّر الآباء والأمها بأهمية الحاضنة الاجتماعية الأولى، وهل عرفوا بأن إشاعة الأجواء الدينية والإيمانية يساهم بشكل كبير في جعل الطفل المراهق الشاب الكهل، أي في مراحله المتعاقبة ذا شخصية متوازنة ثابتة الجنان، صحيحة السلوك، لأن الحاضنة التربوية الدينية تحمي الطفل في مرحلته العمرية الطفولية وفي المراحل اللاحقة، من أي انسلاخ طارئ ومنحرف، ويبقى على ما تربّى عليه في حاضنته الأسرية التي منحته منظومة متلازمة تربوية أخلاقية دينية سلوكية لفظية تنتمي للخير والصلاح.

فيكون هذا الطفل الذي سيكبر لاحقا شخصية صالحة واثقة متوازنة مستقرة، قادرة على مواجهة المصاعب التي قد يتعرض لها في مسيرة حياته، فيمكنه أن يحمي نفسه ويرعى مصالحه، وفي نفس الوقت سيرعى حقوق الآخرين سواء من أقرانه أو غيرهم من أفراد المجتمع، وسوف لا يتجاوز على حدودهم كونه كان قد تلقّى التربية الدينية الأخلاقية الاجتماعية السليمة من حاضنته الأسرية الجيدة، وبذلك صار يدرك ما له وما عليه، حيث يفهم ويعرف حقوقه جيدا، ويحافظ على حقوق الآخرين ويحب لهم ما يحب لنفسه، لأنه تعلّم طفلا هذه الأمور التربوية في حاضنته الأسرية الأولى.

هكذا هي أهمية التأسيس التربوي للطفل، فهذه المرحلة يمكن أن تصنع إنسانا قويا ذكيا صبورا ملتزما، فينجح في حياته نجاحا واضحا، وأما يحدث العكس – لا سمح الله- فيصبح فاشلا ضعيفا متجاوزا على الآخرين من دون وجه حق، وهذا ما تتحمل مسؤوليته الأولى هي العائلة التي تشكل الحاضنة التربوية الأساسية للطفل، فأما أن تجعل منه متميزا وأما أن تجعله عالةً على المجتمع، لذلك على الأبوين التركيز الشديد في قضايا التربية والتأكيد على خلق حاضنة تربوية دينية تحمي الأطفال من الخلل السلوكي والتربوي والديني.

عن المؤلف

حسين علي حسين/ ماجستير إدارة أعمال

اترك تعليقا