تربیة و تعلیم

التغذية الراجعة وأبنائنا

الحديث عن تربية الأبناء حديث عن أهم الركائز الأساسية التي تقوم عليها سعادة الأسرة والمجتمع ويكون ذلك محكوما بدرجة الوعي ونوعيته لدى أوليا الأمور، والمعلوم أن المجتمعات الأكثر تطورا وتحضرا، هي الأكثر اهتماما بالمؤسسات التربوية وتطورها باستمرار وأن التعاون مابين المؤسسة (البيتية والرسمية )، هدفه اعداد أجيال تتحلى بأفضل ما يمكن ان تتميز به من مواصفات ذهنية وفكرية وأخلاقية. لهذا نجد التعليم على مستوى الأسرة والمدرسة شهد  تطوراً وتغيّراً في أساليبه مع مرور الزمن، انتقلت فيه الأساليب التقليديّة مثل الحفظ، والتسميع إلى أساليب حديثة تتضمن تفاعل المتعلمين، حيث كان التعليم التقليديّ بطبيعته يتضمن جلوس المتعلمين  في صمت منتظرين دورهم في القراءة، ومستمعين للطالب الذي يقرأ، وكان يُتوقع منهم الدراسة والحفظ لإجراء اختبار كتابي أو فحص شفوي وهذا ما تؤمن به الأسرة أيضا.

 

هذه الأساليب التربوية والتعليمية استخدمت  بنجاح لسنوات عديدة نقل فيها المعلمون المعرفة والسلوكيات المنضبطة إلى المتعلمين، لكن هذه الأساليب لم تُطوّر لديهم التفكير النقدي، ولم تُمكنّهم من تطوير مهارات حل المشكلات، ولم تُكسبهم مهارات اتخاذ القرار؛ ولم تغير فكرهم اتجاه الأشياء لأنّها تستخدم التكرار، والحفظ في نقل المعلومة، مما استوجب استحداث وسائل حديثة للتعليم تعتمد على النشاط باستخدام تقنيات طرح الأسئلة، والشرح، والتوضيح، والتعاون، مما يدفع المتعلم ليصبح أكثر إنتاجية.

 

أي برنامج تعليمي تربوي وحتى يكون ناجحا لابد ان يأخذ بالاعتبار أفكار المتعلمين واستجاباتهم اتجاه المدخلات التي يتلقونها، ولا يكون ذلك إلا من خلال معرفة ردود أفعالهم اتجاه ما يُقدم لهم من معلومات ومعارف وسلوكيات مختلفة

 

ومن ذلك نجد ان مبدأ المشاركة من المبادئ الأساسية التي وجب ان يتضمنها أي برنامج تعليمي لأنه بمثابة إتاحة الفرصة للمتعلم المشاركة في التعليم، وذلك بواسطة تبادل المعلومات والمهارات او العمل على مهام معينه ضمن البرنامج التعليمي، فأي برنامج تعليمي تربوي وحتى يكون ناجحا لابد ان يأخذ بالاعتبار أفكار المتعلمين واستجاباتهم اتجاه المدخلات التي يتلقونها، ولا يكون ذلك إلا من خلال معرفة ردود أفعالهم اتجاه ما يُقدم لهم من معلومات ومعارف وسلوكيات مختلفة، وطبيعة ونوع التلقي الذي يحدد نجاحها من فشلها، ولعل من ابرز ما يساعد على ذلك هو الأسئلة التي يقدمها لهم المعلم أو الأب أو أي برنامج تعليمي موجه، لأنها تكشف عن مدى الفهم الذي يكونوه بأنفسهم.

 

فسبيل استثمار أسئلة المتعلمين في تغيير فكرة مححده اتجاه أمر معين لديهم وتوظيفه بما يخدم نموهم التعليمي التربوي، هو بمنزلة تعزيز لفظي أو سلوكي وهو ما يسمى بـ “التغذية الراجعة”، لان المعلومات التي تقدم للإفراد المتعلمين عقب استجاباتهم، تزيد من تقدمهم وتحسن تحصيلهم، أما الإفراد الذي زودوا بمعلومات حول استجاباتهم باستخدام كلمة “صح أو خطأ” تأثر مستوى أدائهم تبعا لذلك، وهذا ما يكشف لنا عن ضرورة ومهمة معرفة نتائج أي معرفة ما قمنا بإدخاله من معلومات ومعارف ومقاصد وأفكار للمتعلمين من خلال استثمار أسئلتهم.

 

فسبيل استثمار أسئلة المتعلمين في تغيير فكرة مححده اتجاه أمر معين لديهم وتوظيفه بما يخدم نموهم التعليمي التربوي، هو بمنزلة تعزيز لفظي أو سلوكي وهو ما يسمى بـ “التغذية الراجعة”، لان المعلومات التي تقدم للإفراد المتعلمين عقب استجاباتهم، تزيد من تقدمهم وتحسن تحصيلهم

 

 

ومن ذلك تنطلق أهمية التغذية الراجعة التي قد تكون غائبة وظيفيا عند الكثير ممن يعملون في المؤسسات التعليمية والتربوية وكذلك عند أوليا الأمور. ولو بحثنا عن أصل مفهوم التغذية الراجعة نجده يرجع الى الكلمة اليونانية “السيبيرنتيك” Cybernetics والتي تعني نظام التحكم الذاتي. ومما جاء في تعريفها:

– بأنها تشير الى مجموعة الإجراءات التي تستخدم لتزويد المتعلم بمعلومات حول استجابته، اذا كانت صحيحة ام خاطئة، بحيث تزيد من احتمالية ظهور الاستجابة الصحيحة في المرات اللاحقة وتعديل وتصحيح الاستجابة الخاطئة.

– تشير الى معرفة المتعلم بنتائجه، وذلك من خلال تزويده بمعلومات حول استجابته إذا كانت جيده أو ضعيفة، وبذلك فهي تعرف المتعلم بنتائجه وتقدم له التعزيز فتعمل على تحفيزه وتساعده على تحسين مستوى أدائه.

– تشير الى المعلومات التي نزود بها المتعلم حول استجاباته وقد تستخدم كتعزيز تزيد من احتمال ظهور الاستجابة أو تستخدم كعقاب لتقلل من حدوث الاستجابة.

– بأنها عملية تزويد المتعلمين بمعلومات حول استجاباتهم بشكل منظم ومستمر وذلك لمساعدة المتعلم على تعديل استجابته أذا كانت خاطئة وتثبيت الاستجابات الصحيحة.

إن كل ما سُطّر من تعريفات يشير الى ضرورة تزويد المتعلم بمعلومات حول استجاباته بهدف تثبيت الاستجابات الصحيحة وتعديل الاستجابات الخاطئة، وهذا يكشف لنا عن ان مفهوم التغذية الراجعة من المفاهيم التي لها اثر كبير على دعم التعلّم وتقويمه، ومما يجعل هذا المفهوم أكثر خطورة هو الخطأ في توظيفه واستخدامه، حتى أن الكثير لا يميز ما يفعله بصفته تغذية راجعة ممكن استثمارها وبذلك يسد على المتعلم منافذ التعلم الأخرى، ومن هنا نجد تغذية راجعة تدعم التعلم والتي من خصائصها:

  • يطيل الملقي تبادل الحديث مع متعلم واحد.
  • عندما يشجع الملقي المتعلمين على التطرق الى إجابات بعضهم البعض وبالتالي يخلق تحاورا فيما بينهم.
  • عندما يربط الملقي بين أجوبة المتعلم والأفكار التي طرحت في بيئة التعلم ومقولات متعلمين آخرين.
  • عندما يخلق الملقي تحديات ذهنية من خلال طلب توضيح والتوسيع والتعليل، أو تقديم شرح أضافي للجواب الذي قدمه المتعلم.
  • عندما يدمج الملقي أجوبة المتعلمين في النقاش من خلال طرح التعميمات وأعادتها للنقاش داخل الصف.
  • عندما يتعاطى مع أخطاء المتعلمين.

أما التغذية الراجعة التي لا تدعم التعلم ما يميزها :

  • تحمل طابع التقييم ليس إلا.
  • لا تطرح تحديات فكرية وتتطلب من المتعلم تقديم الشرح والتفصيل والتثبيت ما الى ذلك.
  • تتجاهل الأخطاء، أو أنها لا تتعامل معها.
  • تتناول جانبا هامشيا في المهمة.
  • ينتقل الملقي من متعلم الى آخر على وجه السرعة ابتغاء زيادة عدد المشاركين، أو الانتقال من سؤال الى آخر لغرض الحفاظ على إيقاع الملقى.

ومن ذلك نفهم أن التغذية الراجعة مفهوم مهم للمعلم وأولياء الأمور لما يعود بالمنفعة على المتعلمين، من خلال استثمار أسئلتهم أو استجاباتهم نحو المعلومات والمعارف التي يتلقونها، ويجعلها في خدمة تفكيرهم على عكس ما يفعله البعض من انه لا يعير لأسئلة الطفل المتعلم أي أهمية، وبذلك يقتل تفكيره ويجعله محدودا بحدود ما يلقى اليه، وبذلك نصنع شخصية غير مفكرة ومكتفية بما هو حاضرا وجاهز، ومن ذلك يمكن ان نضع في بالاعتبار مفهوم التغذية الراجعة وجعله في خدمة المشروع التربوي لأبنائنا جميعا.

 

  • المصادر
  • اسعد، فرح، المعلم الناجح في التربية والتدريس، دار ابن النفيس، ط1، عمان 2018.
  • الحباشنة، ميسر خليل، التغذية الراجعة واثرها في التحصيل الدراسي، دار جليس الزمان، ط1، عمان 2014.
  • مايا بوجو- شفارتز، التغذية الراجعة في الحديث الصفي، ترجمة جلال حسن. مراجعة علمية خنساء اذياب.

عن المؤلف

م.م حسين رشك خضير/ كلية التربية الأساسية/ جامعة ميسان

اترك تعليقا