قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

صفي الدين الحلي فارس الشعر والوغى
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة حسن هادي محمد حسين
الدولة العباسية تعيش فترة الاحتضار وتدخل في اطوار الخضوع والذل والاستكانة بعد ان حكمت الامصار التابعة لها زهاء قرنين، فأصبحت تمزّقها دويلات تنشأ في رقعتها وحولها تنخر في جسدها المتهالك حتى غلبتها على سلطانها وتوزعت اشلاء الدولة العباسية فحكمت بغداد الدولة البويهية، فيما حكمت مصر والشام وحلب والحجاز الدولة الايوبية، اما بلخ وغزنة ونيسابور وخراسان والهند فكانت تحت سيطرة دولة سبكتكين، وفي تلك الفترة ظهر السلاجقة واستشرى امرهم فأخذوا ينازعون آل سبكتكين ملكهم، واستولوا على طوس ونيسابور وغيرها غير ان الملك محمود بن سبكتكين استطاع ان يلحق بهم هزائم منكرة ومازالت الحوادث بين الفريقين بين مد وجزر حتى استعان خليفة بغداد القائم العباسي بالملك السلجوقي طُغرل بيك على البويهيين فدخل السلاجقة بغداد وصاهر طغرل بيك الخليفة ووقع العراق في قبضتهم ثم ملكوا دمشق وقويت شوكتهم وظلوا يحكمون بغداد اكثر من مئة عام وامتد ملكهم من الصين الى الشام والى اليمن، ولم تلبث ان دبت بينهم روح التفرق والضعف وسال عليهم سيل التتار الجارف من مشارق آسيا فاكتسحوا دولتهم ودخلوا بغداد وقتلوا خليفتها وآلافاً مؤلفة من خواصها وعوامها وأبادوا ذخائرها العلمية والادبية النفيسة.
وفيما كانت بغداد تسقط في ايادي التتار كانت الدولة الايوبية في مصر تتهاوى امام المماليك الذين أوقفوا زحف التتار وصدوا هجماتهم أخرجوهم عن ارض مصر في تلك الحالة السياسية المزرية المليئة بالفتن والنزاعات والحروب الطاحنة التي كانت تعيشها الامصار الاسلامية كانت الحالة الاجتماعية اشد سوءاً، ففي الوقت الذي كانت الاسر الحاكمة تستأثر لنفسها بالقصور وتنعم برغد العيش، والرفاهية ويكثر عندهم الرقيق من الغلمان والجواري للخدمة والتمتع كانت الطبقة العظمى من الشعب تعيش حالة الكفاف وشظف العيش والى جانب هذه الطبقية فقد شاع الفساد الاداري والخلقي وفشت الرشوة حتى صارت تقليداً متبعاً.
لكن رغم هذه الظروف الصعبة فقد انتجت تلك الفترة الكثير من العلماء والادباء منهم نصير الدين الطوسي وقطب الدين الشيرازي وابو عبد الله آجروم ورضي الدين الاستربادي اما من الشعراء فقد ظهر شهاب الدين التلعفري وعلاء الدين المارديني ونظام الدين الاصفهاني و صفي الدين الحلي الذي كان نسيجاً وحده بين شعراء عصره حتى اصبح مالكاً لزمام اللغة والشعر يصرفهما انى شاء، وكيف شاء وحتى عدّ اشهر شعراء العربية على الاطلاق في زمانه، وحقق الشهرة والمجد في كل البلاد التي زارها. ولد صفي الدين – عبد العزيز بن سرايا السنبسي الطائي – في ربيع الاول عام 677 هـ في الحلة ونشأ محبا منذ صغره للادب واللغة فعكف على اسفارهما اطّلاعا ودراسة وحفظا وقال الشعر فطرة وصناعة معا في سن مبكرة فأجاد واعجب حتى اشتهر شعره في البلاد، ونظرة يسيرة الى ديوانه ورسائله ومؤلفاته تفصح لك عن مقدار ما حظي به من الثقافة الادبية ومبلغ ما قرأ من اشعار العرب وايامهم وحكمهم. نشأ صفي الدين في أسرة عريقة تعود لقبيلة سنبس العربية احدى قبائل طي وهي قبيلة أمه وأبيه وكانت هذه القبيلة قد نمت الكثير من السادات والاشراف وهم أعمام وأخوال صفي الدين الحلي فكانوا ذوي مكانة ولهم مقام الرياسة والامارة في الحلة، يقول فيهم صفي الدين الحلي:
فكيف ولم ينسب زعيم لسنبسٍ الى المجد إلا كان خالي أو عمّي
وكانت هذه القبيلة – سنبس – مثار حسد قبيلة (آل فضل) إحدى لداتها من القبائل فجعلت تنافسها في الجاه والسلطان وسرعان ما تحوّل هذا الحسد الى حقد وضغينة فاشتعلت بذلك نار البغضاء والعداوة بين القبيلتين وكانت امارة الحلة قد آلت الى (جلال الدين ابن محاسن) اكبر اخوال صفي الدين عندما انتشرت الفوضى في بلاد العراق على اثر الخلاف الناشب بين آل هولاكو على ممالكهم في عهد الملك غازان واضطرب الامن في الحلة ووقع النزاع فاستغل آل الفضل هذه الفوضى وغدروا بصفي الدين بن محاسن أخي جلال الدين وقتلوه غيلة وهو في مسجده فثارت لمقتله ثائرة قومه ونزع بهم عرق الوراثة الى الانتقام والاخذ بالثأر أما شاعرنا فلم يكتف برثائه الحار لخاله المغدور:
سفهاً إذا شُقّت عليك جيوبُ ان لم تُشقّ مرائرٌ وقلوبُ
وتملّقاً سكبُ الدموع على الثرى ان لم يمازجها الدمُ المسكوبُ
بل عزم على الثأر وصمم على البكاء عليه بالسيوف والرماح بدلاً من الدموع فإن ذلك أشفى للغليل وابلغ لبرد الصدور بفناء (آل ابي الفضل):
فلأبكينكَ بالصوارم والقنا حتى يحطّم ذابلٌ وقضيبُ
لا يأملن بنو ابي الفضل البقا ان الفناء اليهم لقريبُ
فكان صفي الدين في طليعة مقاتلي قومه يشعل فيهم نار الحماس ويستحث بهم روح الانتقام ويحرض خاله جلال الدين على الاخذ بثأر أخيه:
لجأتُ الى ركنٍ شديد لحربكم أشدُّ به أزري واعلي به نجمي
وظلتُ كأني املك الدهر عزة فلا تنزل الايام إلا على حكمي
ملاذي جلال الدين نجل محاسن حليف العفاف الطلق والنائل الجمِّ
اطعتك جهدي فاحتفظ بي كأنني لنصرك لا ينفل حدي ولا عزمي
وامتلأ شعره في هذه الحقبة بالفخر والحماسة ووصف الوقائع فكان صدى صادقاً لما يجري من حوله من الاحداث:
ولما أبت إلا نزالاً كماتهم درأت بمهري في صدور المقانبِ
فعلّمتُ شم الارض شم انوفهم وعوّدتُ ثغر الترب لثم الترائبِ
بطرف علا في قبضة الريح سابحٍ له أربع تحكي أنامل حاسبِ
ومسرودة من نسج داوود نثرةً كلمع غدير ماؤه غير ذائبِ
واسمر مهزوز المعاطف ذابل وابيض مسنون الغرارين قاضبِ
ولبثت الحروب سجالاً حتى استطاع صفي الدين وقومه ان يثخنوا فيهم وقد سجل هذا النصر في قصيدته النونية التي اصبحت نشيد الفروسية على مدى الدهر:
سلي الرماح العوالي عن معالينا واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا
إنّا لقوم ابت اخلاقنا شرفاً ان نبتدي بالاذى من ليس يؤذينا
بيض صنائعنا سودٌ وقائعنا خضر مرابعنا حمر مواضينا
غير ان الايام تقلّبت به وبقومه وتحولت عنه واستطال عليه اعداؤه وعلوا على قومه وحاولوا قتله فاضطر الى مغادرة الحلة، فغادرها الى ماردين وفيه الدولة الارتقية من بقايا الدولة السلجوقية التي كانت تحكم فضلاً عن ماردين ديار بكر بن وائل فاتصل فيها بالملك المنصور الذي اكرمه ورفع مكانته وقربه اليه وعاش صفي الدين زمناً طويلا في كنف هذه الدولة وقد وجد ملوكها فيه رجلاً ذا مكانة ورأي واضح في توجيه سياستهم وإدارة امورهم وقد حظي بنفس المنزلة عند الملك العادل والملك الصالح ولدى الملك المنصور ثم ذهب الى الحج وزيارة قبر النبي (ص)، فعرج على مصر فلقي بها حفاوة بالغة وترحيبا عظيماً فاتصل بالملك محمد بن قلاوون، وكانت فترة هذا الملك من ازهى فترات المماليك فقد امتلأت بالعلماء والادباء والشعراء وقد اشار ابن الاثير على صفي الدين بعد ان التقاه في مصر بجمع ديوانه ثم رحل صفي الدين الى حماة واتصل بملكها المؤيد اسماعيل ويظهر من ديوانه ومن مناسبات قصائده انه كان ينتقل كثيرا في البلاد وكان يتوجّس خيفة من الرجوع الى بلدته الحلة رغم شوقه الشديد اليها لكثرة اعدائه المتربصين به.
كان صفي الدين صلب العقيدة متمسكا بدينه وحبه للنبي (ص) وأهل بيته (ع) ويظهر ذلك من خلال قصائده التي مدحهم بها يقول في احدى مدائحه النبوية والتي بلغت تسعين بيتاً:
ترضُّ الحصى شوقاً لمن سبّح الحصى لديه وحيا بالسلام بعيرُها
الى خير مبعوث الى خير امة الى خير معبود دعاها بشيرُها
ومن اخمدت مع وضعه نار فارس وزلزل منها عرشها وسريرها
ومن نطقت توراة موسى بفضله وجاء به انجيلها وزبورُها
ومن بشر الله الانام بأنه مبشرها عن دينه ونذيرُها
محمد خير المرسلين بأسرها واولها في الفضل وهو اخيرُها
وعندما قال ابن المعتز قصيدته البائية التي مطلعها:
ألا من لعين وتسكابها تشكي القذى وبكاها بها
والتي يفضل فيها العباسيين على العلويين ثارت ثائرة شاعرنا لهذا التفضيل الباطل الذي عارض القرآن والاحاديث النبوية والحقائق التاريخية فقال:
ألا قل لشر عبيد الاله وطاغي قريشٍ وكذّابها
وباغي العباد وباغي العناد وهاجي الكرام ومغتابها
أأنت تفاخر آل النبي وتجحدها فضل احسابها
ولشاعرنا قصيدة دالية مشهورة في مدح سيد الوصيين يقول في مطلعها:
جمعت في صفاتك الاضدادُ فلهذا عزت لك الاندادُ
ومما يدل على تمسكه بولائه لأهل البيت (ع) ما رواه مجد الدين الفيروز آبادي صاحب القاموس المحيط حيث قال: (اجتمعت سنة 747 بالاديب الشاعر صفي الدين الحلي بمدينة بغداد فرأيته شيخا كبيرا وله قدرة على النظم والنثر وخبرة بعلوم العربية والشعر وكان شيعيا قحّاً ومن رأى صورته لا يظن انه ينظم ذلك الشعر الذي هو كالدر في الاصداف) وقال عنه صلاح الدين الصفدي: (نظم الشعر وله سبع سنين فلما بلغ الحلم اشتغل بالعربية والادب ثم بلغ الرياسة ورحل الى البلاد ودخل الى القاهرة وكتب عنه ابو محمد الحلبي وابو الفتح سيد الناس وابو العباس وتقدم في علم الادب والشعر وله ديوان كبير وكان شيعيا) وقال ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة: (ان صفي الدين تعاطى صناعة الادب فمهر في فنون الشعر كلها وتعلم المعاني والبيان وصنف فيها)، وفضلاً عن ديوانه الكبير فقد ألف صفي الدين العديد من المؤلفات القيمة ذكره جرجي زيدان في كتابه (تاريخ آداب اللغة العربية) ويروي كلمان في معجمه فضلاً عن رسائله.
عاش صفي الدين حياته متنقلاً من بلد الى آخر بسبب الحروب ويصف ذلك قائلاً: (صم جرت بالعراق حروب ومحن وطالت خطوب وفتن اوجبت بعدي عن عريني وهجر اهلي وقريني بعد ان اكتمل لي من الاشعار ما سبقني الى الامصار وحدت به الركبان في الاسفار) وأخيرا استقر به المقام في بغداد فمات بها أوائل عام 750 هـ.