أبو الاسود الدؤلي وقصيدته
|
علي حسين يوسف
لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَه عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ
هذا البيت هو البيت التاسع من قصيدة تبلغ ثلاثين بيتاً لم يختلف المؤرخون في نسبة قصيدة مثلما اختلفوا فيها وتعدّ هذه القصيدة كنزاً من كنوز العربية ودرّاً من بحرها الواسع لما تضمنته من الشعر الجزل المسبوك فاحتلت مكانة متميزة في عالم الشعر العربي فدارت على الالسن وتناقلتها الرواة على مدى قرون، وحوت هذه القصيدة كثيراً من المواعظ والتعاليم وجمعت بعضاً من مكارم الاخلاق وحثت على طلب العلم ومصاحبة الكرام ومجانبة السفهاء وصلة الارحام وعمل الخير وغيرها.
ورغم ان القصيدة بأبياتها الثلاثين قد جاءت كلها على نسق واحد من قوت السبك والتراكيب إلا ان البيت الذي ذكرناه قد اشتهر منها واصبح متداولاً اكثر من غيره، فهو يُعدّ محور القصيدة، وقد ذُكر هذا البيت في أمّات الكتب اللغوية والتاريخية والادبية ونسب الى ستة شعراء ولأهمية هذا البيت كونهُ ضمن قصيدة تُعدّ من عيون الشعر العربي فقد آثرنا سبر غور الموضوع والبحث في بطون الكتب المهمة لتسليط الضوء اكثر على صاحب البيت أو بالأحرى القصيدة لكي لا يبخس حق صاحبها في نسبتها إليه، فقد وردت هذه القصيدة بكاملها في شرح شواهد المغني للسيوطي (ج2 ص570-572) وخزانة الادب للبغدادي (ج3 ص617-619) و نسبت الى أبي الاسود الدؤلي ولم ترد هذه القصيدة كاملة إلا في هذين الكتابين اما باقي الكتب فقد ذكرت نتفاً منها ترددّت مابين البيت والعشرة الأبيات مع اختلاف في تسلسلها ولعل المؤرخ أو المؤلف كان ينتقي منها ما يلائم موضوعه من استشهاد واستدلال فينقل منها الابيات بغير تسلسل، واكثر بيت ورد في هذه الكتب هو البيت التاسع الذي ذكرناه في مقدمة البحث والذي سيدور حوله الموضوع فإن صاحب هذا البيت هو صاحب القصيدة.
فقد ورد هذا البيت في طبقات فحول الشعراء لابن سلام (ج2ص683) والامثال لابي عبيد (ص74) والعقد الفريد لابن عبد ربه (ج2 ص311 وج6 ص81) وفي معجم الشعراء للمرزباني (ص410) ومعجم البلدان لياقوت الحموي (ج7 ص384) وقد نسب في هذه الكتب للمتوكل الليثي الكناني، أما في (الكتاب) لسيبويه (ج1 ص424) وشرح المفصل لابن يعيش (ج7 ص24) والاستدراك لابن الخشاب (ص70) فقد نسب الى الأخطل ونسب حيدرة اليمني في كشف المشكل (ج1 ص545) والحاتمي هذا البيت لسابق البربري كما نسبه ابن عساكر في تاريخ الشام للطرماح والنحاس في شرح أبيات سيبويه (ص216) للأعشى والسيرافي في شرحه لابيات سيبويه أيضاً (ج2 ص178) لحسان أما في شرح الشواهد الكبرى للعيني (ج4 ص393) وشرح شواهد المغني للسيوطي (ج2 ص779-780) وشرح ابيات الجمل للخمي، فقد نسب البيت لأبي الاسود الدؤلي، ولتحاشي الوقوع في هذا الاختلاف الكبير فقد آثر الفرّاء في معاني القرآن (ج1 ص34) والماوردي في ادب الدنيا والدين (ص18) والطبري في تفسيره (ج1 ص255 و ج9ص222) وابن خالويه في الحجة (ص112) والطوسي في التبيان (ج1 ص191) عدم نسبة هذا البيت الى اي أحد عند ذكره.
عند تمحيصنا عن نسبة هذا البيت نجد ان المؤرخين قد نسبوه لمن يهوون من الشعراء بعد أن رأوا أن الاختلاف قد بلغ مبلغاً بحيث لا يعارضهم أحد في هذه النسبة الخاطئة فنسبوه الى الاخطل وهو في غاية البعد عن جو هذا البيت فقد توزّع شعره بين المدح والهجاء، فهو شاعر البلاط الاموي يمدح الخلفاء الامويين ويهجو أعداءهم، وأين منه مثل هذه المواعظ؟ ثم ان البيت لم يرد في ديوانه ورغم ان محقق الديوان حاول الاشارة اليه لكنه وقع في شرك الاقوال المختلفة.
وفي تقصّينا للشعراء الآخرين الذين نسب البيت اليهم نجد أن انفراد النحاس في نسبته للأعشى والسيرافي لحسان وابن عساكر للطرماح والحاتمي لسابق البربري يجعل هذه النسبة ضعيفة جدا وبخاصة انهم ذكروا البيت منفرداً ونسبوه الى شاعرهم ولو كانت هذا النسبة صحيحة لعززوه بباقي أبيات القصيدة او ببعضها كما فعل السيوطي والبغدادي عندما نسباها إلى أبي الاسود الدؤلي، ونحن نرى وللأمانة التاريخية والادبية ان نسبة هذه القصيدة مع البيت الى ابي الاسود الدؤلي هي الصحيحة وكفته هي الراجحة في ميزان البحث الموضوعي ومما يوكد ذلك ما رواه البغدادي في خزانته عن الخلاف في نسبة البيت التاسع حيث يقول (نسبه الامام ابو عبد الله القاسم بن سلام في أمثاله الى المتوكل الليثي ونسبه اليه الآمدي في المؤتلف والمختلف ونسبه اليه أبو الفرج الاصفهاني في الاغاني ونسبه سيبويه للأخطل ونسبه الحاتمي لسابق البربري ونقل السيوطي عن تاريخ ابن عساكر انه للطرماح والمشهور انه من قصيدة لأبي الاسود الدؤلي قال اللخمي في شرح ابيات الجمل: الصحيح انه لابي الاسود فان صح ما ذكر عن المتوكل فإنما اخذ البيت من شعر ابي الاسود والشعراء كثيراً ما تفعل ذلك) هذا نص حديث البغدادي الذي يؤكد على أن البيت لابي الاسود كما اكد ذلك العيني في شرح الشواهد الكبرى (ج4 ص393) بقوله (اقول: قائله- اي البيت التاسع- هو ابو الاسود الدؤلي ويقال الاخطل وليس بصحيح وحكى ابو عبيد القاسم ابن سلام انه للمتوكل الليثي وكذلك حكى الاصفهاني ايضاً وقال ابن يسعون: هذا البيت اعنى قوله- لاتنه عن خلق وتأتي مثله- نسبه ابو علي الحاتمي لسابق البربري والصحيح عندي كونه للمتوكل او لابي الاسود وهما كنانيان وقد رأيته في شعر كل واحد منهما إلا انه لم يثبت في شعر أبي الاسود المشهور عند الرواة.
وقال ابن هشام اللخمي في شرح ابيات الجمل: (والصحيح أنه لأبي الاسود من قصيدته التي اولها –وذكر احد عشر بيتاً غير متسلسلة من القصيدة- ثم قال: فإن صح ما ذكر عن المتوكل فإنه أخذ البيت من شعر أبي الاسود والشعراء كثيراًً ما تفعل ذلك)، ومثل ذلك قال السيوطي في شرح شواهد المغني. اذن فلا مجال للشك بأن البيت والقصيدة لأبي الاسود الدؤلي ونرجو ان نكون قد وفقنا في اعادة (البيت) الى صاحبه ليأخذ مكانه الطبيعي في قصيدته الرائعة ونود ان نعرضها على القارئ لكي يحكم بنفسه كيف ان البيت انسجم تماماً مع القصيدة في وحدة مترابطة شكل قمة من قمم الشعر العربي:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم اعداءٌ له وخصومُ
كضرائرِ الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغياً : انه لذميمُ
والوجهُ يشرق في الظلام كأنه بدرٌ منيرٌ والنساءُ نجومُ
وترى اللبيبَ محسّداً لم يجترمْ شتم الرجال وعرضُه مشتومُ
وكذاك من عظمت عليه نعمةٌ حسّادُه سيف عليه صَرومُ
فاترك محاورة السفيه فإنها ندمٌ وغبٌ بعد ذلك وخيمُ
واذا جريت مع السفيه كما جرى فكلاكما في جريه مذمومُ
واذا عتبت على السفيه ولمته في كل ما تأتي فأنت ظلومُ
(لا تنه عن خُلُقٍ وتأتي مثله عارٌ عليك اذا فعلت عظيمُ)
ابدأ بنفسك وانهها عن غيّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
فهناك يقبل ما وعظت ويُقتدى بالعلم منك وينفع التعليمُ
ويل الخلي من الشجي فإنه نصب الفؤاد بشجوه مغمومُ
وترى الخليّ قرير عينٍ لاهياً وعلى الشجي كآبة وهمومُ
وتقول مالك لا تقول مقالتي ولسانُ ذا طَلْق وذا مكظومُ
لا تكلمَنْ عرض ابن عمك ظالماً فإذا فعلت فعرضك المكلومُ
وحريمه ايضاً حريمك فاحمه كي لا يباع لديك منه حَريمُ
واذا اقتصصت من ابن عمك كلمةً فكلومه لك ان عقلت كلومُ
واذا طلبت الى كريم حاجةً فلقاؤه يكفيك والتسليمُ
فإذا رآك مسلّماً ذكر الذي كلّمته فكأنه ملزومُ
ورأى عواقب حمد ذاك وذمّه للمرء تبقى والعظامُ رميمُ
فارجُ الكريم وان رأيت جفاءه فالعتبُ منه والكرامِ كريمُ
ان كنت مضطراً وإلّا فاتخذ نفقاً كأنك خائفٌ مهزومُ
واتركه واحذر ان تمر ببابه دهراً وعرضُك ان فعلت سليمُ
واذا طلبت الى لئيم حاجةً فألحّ في رفقٍ وانت مديمُ
واسكن قبالة بيته وفنائه بأشد مالزم الغريمَ غريمُ
وعجبتُ للدنيا ورغبةِ اهلها والرزق فيما بينهم مقسومُ
والاحمق المرزوق اعجب من أرى من اهلها والعاقل المحروم
ثم انقضى عجبي لعلمي انه رزق موافٍ وقته معلومُ
|
|