حقوق الأسرة في الإسلام(4 ـ 4 )
حقوق الأبناء
|
احمد القزويني
هناك جملة من الواجبات التي تقع على عاتق الآباء تجاه أبنائهم والتي ذكرها الإسلام ولم يترك في هذا المجال صغيرة ولا كبيرة ولا شاردة ولا واردة إلا وأشار إليها؛ مما يؤكد على أهمية تربية الأولاد وتنشئتهم نشأة صحيحة وسليمة يكونون معها عونا لمجتمعهم لا عالة عليه ونعمة لا نقمة، وقد يطول بنا المقام ونحن نذكر جميع واجبات الآباء وحقوق الأبناء إلا أننا نوجزها في التالي:
الاسم الحسن:
للبعض أسماء جميلة، تحمل معاني سامية، وتولد مشاعر جميلة، تبعث على الإنجذاب والإرتياح والأنس إلى الشخص المسمى بها، بينما للبعض الآخر أسماء قبيحة، لا معنى لها ولا مضمون، وتشعر الإنسان بالضيق والاشمئزاز، وما يدلل على التأثير النفسي والاجتماعي للاسم الذي علينا أن نختاره ونطلقه على أطفالنا.
ولطاما جلب الأسم القبيح للأولاد – بل وللكبار أيضاً- الارق والإنزعاج والخجل والإضطراب، نتيجة الاستهزاء والازدراء الذي يلاقيه من مجتمعه، فيتملكه إحساس بالمرارة والتعاسة من اسمه الذي أصبح كالوشم الذي يصعب إزالته من على الجلد. إلا أن هنالك من الناس من امتلك الشجاعة الكافية والجرأة على أن لا يسمح لأسمه أن ينغص عليه حياته، فقام بتغييره واستبداله بما هو أحسن منه وأجمل فعاش بقية حياته مرتاح البال.
ولم يهمل الإسلام كدين يقود عملية تغيير حضارية كبرى مسألة الاسم بل أهتم بها كثيراً بالرغم من إن بعض السذج لا يرون إن المسألة تستحق كل هذا الإهتمام، وكان النبي (ص) يقوم بتغيير الأسماء القبيحة، أو الأسماء التي تتنافى مع عقيدة التوحيد أو الذوق السليم والطبيعي للبشر، وعدّ من حق الولد على والده أن يختار له الاسم المقبول، فقال رسول الله (ص): (إن أول ما ينحل أحدكم ولده الاسم الحسن فليحسن أحدكم اسم ولده). وقد بين (ص) في حديث آخر الأبعاد الأخروية المترتبة على الاسم، فقال (ص): (استحسنوا أسماءكم، فإنكم تدعون بها يوم القيامة: قم يا فلان ابن فلان إلى نورك، وقم يا فلان ابن فلان لا نور لك).
والطريف في الأمر إن علم النفس قد اكتشف مؤخراً العلاقة الوثيقة بين الإنسان واسمه ولقبه، وقد اكتشف بأن المدعو (صعب) على سبيل المثال يحمل طباعاً أخلاقية وسلوكية تتسم بالحدة والصعوبة، وعلى العكس بالنسبة لمن يحملون أسماء جميلة وهادئة. ولهذا نجد الرسول (ص) يبدل أسماء الكثير من الناس بأسماء أخرى فبدل أسم (حرب) مثلاً باسم (سمح) وغيرها.
التأديب والتعليم:
لا شك أن السنوات الأولى من عمر الطفل هي أهم مراحل حياته، ومن هنا يؤكد الإسلام وعلماء التربية أيضاً على ضرورة الاهتمام بالطفل، وأهمية تأديبه بالآداب الحسنة. فقال الإمام علي (ع) مبينا أهمية الأدب وأرجحيته على غيره: (خير ما ورث الآباء الأبناء الأدب). بينما كشف الإمام الصادق (ع) عن العلة الكامنة وراء تفضيل الأدب على المال، بقوله (ع): (إن خير ما ورث الآباء لأبنائهم الأدب لا المال، فإن المال يذهب والأدب يبقى). وينبغي الإشارة إلى أن مسألة الأدب قد احتلت مساحة واسعة في أحاديث أهل البيت (ع)، فنجد تأكيدا على المبادرة إلى تأديب الأحداث قبل أن تقسو قلوبهم، ويصلب عودهم، لأن الطفل كورقة بيضاء تقبل كل الخطوط والرسوم التي تنقش عليها. فيقول الإمام علي(ع) لولده الإمام الحسن (ع): (إنما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما ألقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك، ويشتغل لبك).
ويمكن تلخيص النقاط المتعلقة بتربية وتأديب الأطفال التي أشارت إليها تعاليم أهل البيت (ع) في التالي:
الأول: لا تقتصر تربية الأولاد على الأبوين فحسب، بل هي مسؤولية اجتماعية تقع أيضا على عاتق جميع أفراد المجتمع، وحول هذه النقطة بالذات يقول الإمام الصادق (ع): (أيما ناشئ نشأ في قوم ثم لم يؤدب على معصية، فإن الله عز وجل أول ما يعاقبهم فيه أن ينقص من أرزاقهم). فرؤية أهل البيت (ع) تنطوي على ضرورة تأديب أفراد المجتمع - وخصوصا الأحداث منهم - على الطاعة، وتميل إلى أن المسؤولية في ذلك لا تناط بالوالدين فحسب، وإن كان دورهم أساسيا، وإنما تتسع دائرتها لتشمل الجميع، فالسنة الاجتماعية بطبيعتها تنطبق على الجميع بدون استثناء.
الثاني: من الضروري مراعاة عمر الطفل، فلكل عمر منهج تربوي خاص، وتعاليم أهل البيت (ع) سبقت المناهج التربوية المعاصرة بالأخذ بمبدأ (التدرج) والذي أخذت به هذه بعد أن أثبتت التجارب العملية فائدته وجدواه. وهنا يبدو من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الأئمة عليهم السلام يتبنون بصورة عامة تقسيما ثلاثيا لحياة الطفل، ففي كل مرحلة من المراحل الثلاث، يحتاج الطفل لرعاية خاصة، وأدب وتعليم خاص من قبل الأبوين.
يقول الإمام الصادق (ع) في هذا المجال: (دع ابنك يلعب سبع سنين، ويؤدب سبع سنين، وألزمه نفسك سبع سنين، فأن أفلح، وإلا فإنه لا خير فيه).
الثالث: ينبغي عدم الإسراف في تدليل الطفل، واتباع أسلوب تربوي يعتمد على مبدأ الثواب والعقاب، كما يحذر أئمة أهل البيت (ع) من الأدب عند الغضب؛ حيث يقول الإمام علي (ع): (لا أدب مع غضب). وذلك لأن الغضب حالة تحرك العاطفة ولا ترشد العقل، ولا تعطي العملية التربوية ثمارها المطلوبة، بل تحتاج هذه العملية إلى الصبر، والأناة، وبراعة المعالجة. فالطفل يحتاج إلى اشارات عقلية متواصلة لكي يدرك عواقب أفعاله، وهي لا تتحقق - عادة - عند الغضب الذي هو حصيلة غليان العاطفة وتأججها، وبدون الإشارات العقلية لا تحقق العملية أهدافها المرجوة.
وهناك حق آخر للطفل مكمل لحقه في اكتساب الأدب، ألا وهو حق التعليم، فالعلم مهم كالأدب، وقد حث أهل البيت (ع) الآباء على توريثه لأبنائهم، فالعلم كنز ثمين لا ينفذ، أما المال فقد يتلف أو يسرق، وبالتالي فهو عرضة للضياع، ومن هنا يقول الإمام علي (ع): (لا كنز أنفع من العلم). ولما كان العلم في الصغر كالنقش على الحجر، يتوجب الإستفادة من فترة الطفولة بشكل جيد، ووفق برامج علمية تتبع مبدأ الأولوية، أو تقديم الأهم على المهم، خاصة في ظل الثورة العلمية والمعرفية المعاصرة. ولقد أعطى أهل البيت (ع) تعلم القرآن أولوية خاصة، وكذلك تعلم أحكام الدين، وهو العلم الذي يدفعه إلى تأدية فرائض الله المطلوبة منه.
ومن وصايا أمير المؤمنين لابنه الحسن عليهما السلام: (ابتدأتك بتعليم كتاب الله عز وجل وتأويله، وشرائع الإسلام وأحكامه، وحلاله وحرامه، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره).
وبالطبع هناك تأكيد على أهمية تعلم الطفل لعلوم حياتية معينة، كالكتابة، والسباحة، والرمي؛ يقول النبي (ص): (حق الولد على والده أن يعلمه الكتابة، والسباحة، والرماية، وأن لا يرزقه إلا طيبا). وقد أكد الأئمة (ع) كذلك على ضرورة تحصين عقول الناشئة من الاتجاهات والتيارات الفكرية المنحرفة من خلال تعليمهم علوم أهل البيت (ع) واطلاعهم على أحاديثهم، وما تتضمنه من بحر زاخر بالعلوم والمعارف؛ فيقول الإمام علي (ع): (علموا صبيانكم من علمنا ما ينفعهم الله به لا تغلب عليهم المرجئة برأيها).
العدل والمساواة:
إن النظرة التمييزية للأطفال - وخصوصا بين الذكر والأنثى - تزرع بذور الشقاق في العلاقة الأخوية، فنفسية الطفل حساسة، ومشاعره مرهفة، وعندما يشعر باهتمام والديه بأخيه فإنه سوف يحقد عليه.
وقد يحدث أن الوالدين أو أحدهما يحب أحد الأولاد دون غيره، وهذا أمر طبيعي وغريزي، ولكن إظهار ذلك أمام الأخوة، وإيثار الوالدين للمحبوب بالاهتمام والهدايا أكثر من أخوته، سوف يؤدي إلى تعميق مشاعر الحزن والغيرة لدى الآخرين، وقد يؤدي إلى عواقب وخيمة، ولهذا فالتزام العدالة والمساواة يحول دون حصول أدنى شرخ في العلاقة بين أفراد الأسرة، يقول النبي (ص) في هذا الخصوص: (إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك)، ويقول أيضاً: (اعدلوا بين أولادكم في النحل - أي: العطاء - كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف)، وهكذا نلاحظ النظرة الواسعة للحق، فكما أن للأب حق البر، عليه بالمقابل حق العدالة، فالحقوق يجب أن تكون متبادلة، وعلى الجميع أن يلتزم بواجباته.
وعمق الرؤية النبوية تذهب أبعد من ذلك فيقول (ص): (إن الله تعالى يحب أن تعدلوا بين أولادكم حتى في القبل).
صحيح أن القاعدة العامة في الإسلام تجاه الأبوين هي قاعدة الإحسان لا قاعدة العدل، فليس من حق الأبن أن يقول مثلاً "إن أبي لا يعطيني فأنا لا أعطيه" أو "إنه لا يحبني أولا يحترمني فلا أحبه ولا احترمه" ذلك لأن الأب هو السبب الرئيس في منحه الحياة، بل هو أصله؛ ولكن الصحيح أيضا هو أن يتبع الآباء مبدأ العدل والمساواة في تعاملهم مع أبنائهم، ليس فقط في الأمور المعنوية من إعطاء الحنان والعطف والتقبيل، بل أيضا في الأمور المادية في العطية، فقد أوصى النبي الأكرم (ص) الآباء بقوله: (ساووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء).
|
|