قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

حسن الظن وأهميته في حياة الفرد والمجتمع الإسلامي
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة إبراهيم الموسوي
أحد العوامل التي تساعد على الاستقرار الفكري هو النظرة المتفائلة وحسن الظن بالآخرين. ولعل الثقة وحسن الظن بالآخرين يعد ضمانا للطمأنينة لكل شخص يزرع هذه الخصلة الحميدة في قلبه والتي بها وبجميع الخصال الحميدة الأخرى يستطيع الإنسان أن يجد لذة إسعاده حينما يتحلى بالأخلاق وتنسجم نشاطاته الفكرية والأخلاقية بعضها بالبعض، ولا تنحصر فوائد وآثار حسن الظن والتفاؤل في الناحية الفردية فقط، بل إنها تتجاوز ذلك إلى الناحية الاجتماعية ولهذا فإن لهذه الخصلة تأثيراًَ كبيراًَ على مدى نجاح وتقدم الفرد والمجتمع على حد سواء.
إن حسن الظن والثقة بالآخرين هو أفضل سبيل لاكتساب ثقتهم وهذا من أهم العوامل التي تساعد للوصول بالمجتمع إلى حالة من الاستقرار والثبات الفكري والتعاملي، ولأجل الحصول على الثقة بين الأفراد في المجتمع الواحد، يجب أن يغرس كل فرد حسن الظن والتفاؤل في قلبه وهذه حقيقة لها الأثر المباشر في سعادة الفرد والمجتمع.
إن وجود الثقة بين الأفراد من عوامل ازدهار المجتمع وتطوره وعلى العكس تماماً فإن انعدام الثقة بين الأفراد من عوامل التخلف والانحطاط في المجتمع. ومن أولى الثمار الاجتماعية التي ينتجها حسن الظن هو تقوية أواصر العلاقات الاجتماعية بين الافراد وتمتين روابطهم وهذا بالتالي يؤدي إلى إيجاد روح التعاون والثقة والألفة والمحبة وكذلك التعايش السلمي بين أفراد المجتمع. وبما أن الإسلام لا يريد للفرد والمجتمع إلا الخير كله، فإنه قد أوصى المسلمين بحسن الظن والاجتناب عن النظرة المتشائمة وسوء الظن بالآخرين وذلك لكي يحفظ المجتمع انسجامه ويتبادل أفراده حسن الظن والثقة بعضهم بالبعض.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم).
إنما يريد الإسلام من خلال الاجتناب من سوء الظن، منع انتشار روح التردد والتشكيك وانعدام الثقة وعدم التعاون بين أفراد المجتمع.
إن الإسلام بملئه قلب المؤمنين بالإيمان قد غرس في قلبه أيضاً أصل التفاؤل وحسن الظن وهكذا قاد المؤمنين إلى حيث الطمأنينة والاستقرار، وقد أمر المسلمين أن لا يتسرعوا في الحكم على مؤمن قبل أن يتأكدوا من جميع الجوانب وأن يأخذوا عمل المؤمن وسلوكه على أفضل الاحتمالات وأكثرها تفاؤلاً، فلا يجوز لأحد أن يحمل عمل أي مسلم على الفساد من دون أن يكون له شاهد على ذلك. وقد قال أمير المؤمنين (ع): (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيه ما بقلبك منه ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً أنت تجد لها في الخير محتملاًَ).
وقد بين أمير المؤمنين الإمام علي (ع) في أحاديث متعددة فوائد وآثار حسن الظن والتفاؤل منها؛ أن حسن الظن بالآخرين يقوي العلاقات معهم ويشيع المحبة بين أوساط المجتمع حيث قال (ع): (من حسن ظنه بالناس حاز منهم المحبة). كما أن النظرة المتفائلة بالآخرين تؤثر حتى في أفكار أولئك الذين قد تلوثوا بالآثام فقد قال الإمام علي (ع): (حسن الظن ينجي) فحسن الظن أيضاً يضمن لصاحبه الاستقرار وراحة البال وهدوءه فقد قال (ع): (حسن الظن راحة القلب وسلامة الدين)، وكذلك فإنه يهون على الإنسان المصائب والحوادث المرة في الحياة، فقد قال (ع) أيضاً: (حسن الظن يخفف الهم). إن النظرة المتفائلة في الحياة كالنور في الظلمات تتسع في ظلالها آفاق التفكير وينمو في الإنسان حب الإحسان وبهذا يحصل للإنسان تطور في نظرته الى الحياة ورؤيته لها وتقوى علاقاته مع بقية الناس، فكلما كانت العلاقات بين الأفراد أعمق وأكثر تقدم المجتمع أكثر وأسرع. ولذا يجب أن يكون سلوك المسلمين مع بعضهم البعض لما لا يدع مجالاً لسوء الظن للتغلغل في أوساط مجتمعهم الإسلامي ولهذا يعد الإمام الصادق (ع) حسن الظن من حقوق المسلم على أخيه المسلم: (من حق المؤمن على المؤمن.. وأن لا يكذبه).
وبقدر ما يوصي الإسلام بحسن الظن فإنه يوصي أيضاً بالتنكب عن مواضيع التهمة وأن لا يضع المؤمن نفسه موضعاً مثيراً للشكوك حوله لكي لا يسيء الظن إليه أحد. فقد قال رسول الله (ص): (اتقوا مواقع التهم). وقال الإمام علي (ع): (من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن).
إن أقوى ما يولد عند الإنسان من حسن الظن هو الإيمان، فلو كان الناس أمة واحدة في الإيمان بالله والرسول واليوم الآخر لكان من الطبيعي أن يثق بعضهم ببعض لهذا فإن فقدان الإيمان هو الداء العضال الذي يسلب الإنسان حسن ظنه بالآخرين ويستبدل به سوء ظنه بهم، فقد قال الرسول (ص): (من جلس مجالس السوء أتهم). أن سوء الظن هو من صفات أهل السوء نظراً لأن قلبهم قد خلا من الإيمان.
إن المؤمن الذي يطمئن قلبه بالإيمان والثقة بالله عز وجل، حينما يحس بضعفه وعجزه فإنه يتوكل على الله ويستعين به عند الشدائد وهذا ما يؤثر في تهذيب روحه وأخلاقه تأثيراً عظيماً وينمي مسيرة تكامل عقله وأخلاقه، وقد جعل الإمام علي (ع) ظن الإنسان ميزاناً لعقله حيث قال (ع): (ظن الإنسان ميزان عقله وفعله أصدق شاهد على أصله). فمن كان ظنه سيئاً بالناس، كان عقله كذلك؛ ولذلك فقد جعل (ع) تكذيب الظن السيئ بالمسلم علامة على مدى تكامل عقله وإيمانه: (من كذب سوء الظن بأخيه كان ذا عقل صحيح وقلب مستريح).
إن استبدال حسن الظن والثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع الإسلامي بسوء الظن والتشكيك بين بعضهم البعض، لا يهدد مصالح المسلمين فحسب، بل ويضعفهم ويحد من قدراتهم وبالتالي يزيد من قوة الأعداء وقدرتهم على تحقيق أهدافهم اللامشروعة ولهذا فإن تضعيف ثقة المسلمين بعضهم بالبعض كان ولا يزال على رأس قائمة الوسائل والطرق التي يستخدمها أعداء الإسلام لتضعيف قدرات المسلمين والتفريق بينهم.
وقد تسبب زعزعة الثقة بين المسلمين وتخليهم عن نظرتهم المتفائلة إلى بعضهم البعض بتضعيف التعاون فيما بينهم وتشويه صورتهم على أنهم يعادون بعضهم البعض ولذا وجب على المسلمين أن يستعيدوا ثقتهم المفقودة بعضهم بالبعض بدلاً من أن يثقوا ويعتمدوا على أعدائهم.