قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

مسؤولية التربية الصالحة والجيل المستقيم
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *باسم عباس
عندما تتواتر المصائب وتتلاحق المآسي على الأمة، فان جوهرها الحقيقي سيظهر لنفسها وللناس جميعاً. وان الأمة التي تصطدم بواقع الضعف والانكسار لايسعها الا استخراج كنوزها الذاتية واستخلاص قواها المكنونة، المتمثلة في الاستقامة.
ولا يخفى؛ ان الاستقامة هي جوهر كل امة، والامة التي لاتتمتع بالاستقامة هي أمة منهزمة في جوهرها وكيانها، عاجزة في قدراتها، ولذا فان الاستقامة هي مقياس جوهر الأمة، وميزان ثباتها وتحديها.
ولاننا اليوم نعيش تحد حضاري على جبهتين؛ جبهة الخارج، حيث نواجه مطامع المستكبرين، وخططهم في استغلالنا ونهب ثرواتنا، ومن ثم السيطرة علينا. وجبهة الداخل، حيث نواجه التخلف والانحطاط، والظلم والاستبداد، فلا مناص لنا من الاستقامة، ولكن ماهو السبيل الذي يجعلنا نحظى بالاستقامة؟
ان الذي يعيننا ويعين ابناء امتنا الاسلامية على الاستقامة، هو ان نتلقّى التربية الاسلامية منذ الطفولة، وفي هذا المجال تلعب المدارس دوراً اساسياً في ترسيخ الاستقامة في نفوس شبابنا، ومعلوم ان الغالبية العظمى من صفات الانسان تبدأ بالظهور منذ الطفولة، ومنذ السنين الأولى من حياته، ونحن عادة ننسى المواقف الجزئية التي اثّرت في حياتنا وصاغت شخصيتنا وكوّنت افكارنا، ولكن هذه العوامل ماتزال تعيش معنا متمثّلة في نتائجها.
وعلينا ان لا ننسى في هذا المجال ان نستوحي تعاليمنا وتوجيهاتنا وارشاداتنا التربوية من القرآن الكريم، ولكننا نلاحظ - للاسف الشديد- ان القرآن مهجور في بلداننا الاسلامية، بل ان البعض يدّعون ان القرآن كتاب انزل قبل اربعة عشر قرناً، وانه موجّه الى اولئك الذين كانوا يعيشون في ذلك العصر، فنراهم يهجرون القرآن، ويؤطّرونه - في افضل الاحوال- بأطر تقليدية محدودة ينبغي ان لايخرج منها، فيقول ان الآيات القرآنية قد نزلت بشأن اناس عاشوا في عصر ما ثم انتهوا، وانّه لا يعيننا من قريب او بعيد.
ان مظاهر الانحراف والبعد عن التعاليم القرآنية قد انتشرت في معظم ارجاء العالم الاسلامي، وعلى سبيل المثال نلاحظ ان المصارف والبنوك تتعامل من الصباح الى المساء بالربا، ومظاهر الفساد منتشرة في كل مكان، والسبب في ذلك اننا قد اعتقلنا القرآن - إن صحّ التعبير- وعلينا ان نطلق سراحه لكي يطلق سراح الأمة، ولكي تسهم آياته في تفجير طاقات الأمة باتجاه البناء.
والقرآن يقول بشأن الاستقامة التي سبقت الاشارة اليها، والتي اعتبرناها العامل الرئيسي في مقاومة التحديات الحضارية: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُواوَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ"، ثم يقول سبحانه وتعالى: "وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ الْسَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ".
وعلـى الآباء والأمهات تقع المسؤولية الكبرى في هذا المجال، وذلك من خلال اتباع الخطوات والاساليب التالية:
1- تربية الأولاد على الحرية التي هي بنت الفطرة والارادة، علماً ان المسؤولية لاتكون إلاّ بعد ان تتحقق للانسان الحرية، والمسؤولية هي اعظم وافضل صفة للانسان، فعلينا ان لا نقهر الطفل منذ نعومة اظفاره، وان لا نقهر نفسيته، فاذا شعر الطفل بالهزيمة النفسيّة في بيته فانه سيصبح طاغوتاً في حدود هذا البيت، وكذلك الحال بالنسبة الى بقية افراد الأسرة عندما يشبّون فانهم سيتحولون ايضاً الى طواغيت ثم تستشري حالة الطغيان في المجتمع كلّه،.
وفضلاً عن ذلك فان الطفل الذي تعوّد الخضوع والسكوت، واعتاد الكبت والهزيمة النفسية في البيت، فانه سوف لايستطيع غداً ان يتحدى المظاهر الفاسدة.
لنحاول ان نمنح اولادنا الشخصية والكرامة، ولنزوّدهم بالاعتداد بالنفس والثقة بالذات بالقدر المطلوب، ولنوحِ لهم بانهم مسؤولون عن تصرفاتهم. فتربية الطفل ليست كتربية الدواجن، فقد خلق الله سبحانه وتعالى الطير -مثلاً- بحيث يعيش باستقلالية بمجرّد ان يخرج من البيضة، ولكنّه خلق الطفل بحيث يحتاج الى ابويه لسنين طويلة، وحكمة ذلك ان يعمل الابوان من اجل تربيته وصياغة شخصيته، ولكي يتحملا مسؤوليتهما في تنشئته ورعايته، بحيث لايصنعان منه انسانــاً جبانــاً، ضعيف الأرادة، مهزومـاً من الناحيةالنفسية، خانعـاً لكل قوة، خاضعـاً لكل سيطرة، إنما بالعكس من ذلك كله.
فلنعطِ - اذن- الكرامة لاطفالنا، ولننمِّ فيهم روح الاستقامة، ولنعلمهم على ان يحيوا حياة الابطال دون ان نفرط في (تدليلهم)، ونبالغ في رعايتهم والعناية بهم الى درجة بحيث نجعلهم مرتبطين بنا، معتمدين علينا. وفي هذا المجال يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (شر الآباء من دعاه البرّ الى الافراط).
فعلينا ان لا نفرط في حق ابنائنا، وان نستخدم الحب كطريق و وسيلة لتربيتهم، اما ان نبالغ في رعايتهم، فان هذه الرعاية سوف تضرّ بهم في المستقبل، لاسيما وأن الأمة بحاجة الى جيل يقف بقوة وحزم أمام التحديات الخطيرة على مختلف الأصعدة وفي الداخل والخارج.
وعلى هذا لابد من ان نخشوشن، وان نربّي اطفالنا على الصعوبات، لكن على النظام الذي يختارونه بأنفسهم، وهذا الاسلوب هو الذي من شأنه ان يخلق الاستقامة في نفوس الأطفال.
3- علينا ان نربّي اطفالنا على حب الناس، وان نجعلهم يشعرون بلذّة الاحسان الى الضعفاء والبؤساء، وان نحذر كل الحذر من ان نربّي فيهم روح الانانية والذاتية. فاذا ما قام احد اطفالنا بالاحسان الى صديقه، فعلينا ان لا نؤنّبه، بل علينا ان نمدحه ونثني عليه ونشجّعه على سلوكه هذا مستهدفين بذلك تنمية روح التعاون والايثار في نفسه.
وللاسف فانّ هناك ظاهرة مؤسفة منتشرة بين الآباء والأمهات في مجتمعاتنا، وهي انهم يحاولون دائماً - من حيث يشعرون او لايشعرون- الى تنمية روح الانانية والفردية في نفوس اولادهم، وهذه الظاهرة تتجلى في مجال الدراسة اكثر من أي مجال آخر فتراهم يزقّون اولادهم بافكار وتوجيهات لا تؤدّي إلاّ الى تخريج جيل انانيّ لا يفكّر إلاّ في نفسه ومصالحه. فتراهم يؤكدوا على اولادهم ان يركّزوا اهتمامهم على الدراسة من أجل ان يحصلوا على الشهادات العليا، ويشغلوا المراكز والمناصب الرفيعة التي من شأنها ان تحقّق مصالحهم، وتجعلهم يصلون الى ما يصبون اليه من الشهرة والمجد والثروة لانفسهم، و ان لايهتفوا بتقديم العون والمساعدة الى الآخرين، وان لايشغلوا أنفسهم بهموم الآخرين مهما كانت، حتى كانت تلك الهموم بحجم أن تستدعي مساعدتهم.
وبالطبع فاننا لا نقصد ان على الآباء والأمهات ان لا يحثّوا ابناءهم على الجدّية في الدراسة، والتفكير في بناء مستقبلهم ولكنّ اسلوبهم في هذا الحثّ والتشجيع مغلوط، لأنه يؤدي الى اشاعة روح الانانية والفردية بين اوساطهم، فعليهم بدلاً من تلك التوجيهات والايحاءات المغلوطة، ان يشجّعوا ابناءهم على الدراسة ولكن من خلال تلقينهم بأنّهم اذا جدّوا في هذه الدراسة واهتمّوا بها، فانّهم سيصبحون في المستقبل افراداً فاعلين ومفيدين في المجتمع، ويكونون الكوادر التي يحتاج اليها والتي منشأنها ان تجعله في غنىً عن البلدان الاجنبية التي تسعى من أجل ربطنا في جميع مناحي حياتنا بعجلتها، ومن ثم فانّ علينا ان نخلق في انفسهم الروح الجماعية، وحالة التحدّي، وعدم الاستعداد بأيّ شكل من الأشكال للخضوع للباطل.
4- وقبل كل هذه الخطوات المتقدمة، لابد ان نغرس في قلوب ابنائنا حب الله جل وعلا، وبذلك يمكننا ان نربّي ابناءنا تربية صالحة، عبر التحدّث عن نعم الله عز وجل لهم، وعن آياته في الطبيعة، وحرصه على ان تكون عاقبته سعيدة في الدنيا والآخرة.
وهكذا فان التربية الفاضلة هي التي تصنع جيلاً يستطيع ان يتحدّى المشاكل والصعوبات، حتى يبني حضارة مجيدة سامية، ومثل هذه القمة الرفيعة لايستطيع ان يتسنّمها إلاّ الذين ربّوا في انفسهم روح التحدي والصبر والاستقامة، ووطّنوا انفسهم على الصمود ازاء التحدّيات الحضارية.