البقيع في التاريخ واللغة
|
لا وجود لأمة تحترم تاريخها وتعتز بمجدها الحضاري تقدم على محو آثار عظمائها، فتحول مشاهدها إلى أكوام من تراب وأحجار.. فأي تاريخ يبقى لها وأي مجد ستفتخر به أمام الأمم.. فلا وجود في الدنيا لأمة تمعن في طمس معالم قادتها الذين نوروا التاريخ، وتعبث بمعالمها التاريخية التي تذكرها بالماضي.. فإذا كان الشرك هو ان تحتفل الأمم بعظمائها وتخلد ذكرى أبنائها أو أئمتها ف(إنا لله وأنا إليه راجعون).
البداية
كتب السمهودي: كان البقيع غَرْقَداً، فلمّا تُوفي عثمان بن مظعون دُفن بالبقيع، وقُطِع الغَرقَد، و(الغَرقَد): اسمُ شجر، لذلك كان يُعرف بـ (بقيع الغرقد)، ثم دُفن العبّاس بن عبدالمطّلب عند قبر فاطمة بنت أسد بن هاشم في أوّل مقابر بني هاشم التي في دار عقيل. والنصوص تشهد بأنّ البقيع في بداية الأمر كان أرضاً مَواتاً فيه شجر الغرقد، فلمّا دَفَن رسولُ الله -صلّى الله عليه وآله- ابنَه إبراهيم، رغب المسلمون في دفن موتاهم هناك.
وأضاف: رغب الناس في البقيع، وقطعوا الشجر، فاختارت كلُّ قبيلةٍ ناحية.
وكتب السيّد محسن الأمين العامليّ: ذكر المؤرّخون وعلماء الأثر وكلّ مَن كتب في التراجم، أنّ الأئمّة: زين العابدين والباقر والصادق عليهم السّلام دُفنوا في قبّة الحسن عليه السّلام والعبّاس بالبقيع، وكان استشهاد الامام زين العابدين-عليه السلام- سنة 95 للهجرة، من هذا يظهر أنّ القبّة على قبر الإمام الحسن -عليه السّلام- كانت قبل سنة 95 هجريّة.
الآثار
كانت هنالك قبّةٌ تعلو قبور أئمّة أهل البيت النبويّ كالقبّة الموجودة على قبر رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، لكنّها هُدِمت سنة 1343 هجرية، وكان السلطان عبدالمجيد العثماني قد أمر سنة 1270 هجرية بتجديد عمارة المسجد النبويّ والقبّة النبويّة الشريفة، واستمرّ البناء نحو أربع سنين.. وكذلك أمر ببناء قبّة أئمّة البقيع بعينِ البناء الذي بنى به قبر جدّهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ.
وقد بُذلت محاولات من المحبّين والموالين لآل النبيّ -صلوات الله عليه وعليهم- لتجليل بناء مقبرة البقيع، لكنّ المتعصّبين لأوهامهم حالوا دون ذلك.. كتب السيّد محسن الأمين العاملي في (أعيان الشيعة): لمّا عُمِل في زماننا شبّاك لضريحهم الشريف -أي لضريح أئمّة البقيع عليهم السّلام- بإصفهان من الفولاذ الدقيق الصنع وفي أعلاه الأسماء الحسنى لله تعالى بالخطّ الجميل المذهَّب، واستأذنت الدولة الإيرانية من الدولة العثمانيّة في وضع الشبّاك على ضريحهم المقدّس، فأذِنتْ لها.. ولمّا جاء به السيّد علي القطب ـ رحمه الله ـ إلى جَدّة عارَضَ أهلُ المدينة -أي المتعنّتون منهم- في وضعه على القبور المقدّسة، فبقي الشباك في جدّة ثلاثة أعوام حتّى بذل الإيرانيون مبلغاً عظيماً من المال لأهل المدينة، فرضُوا بنقله ووضعه. ولمّا حُمل إلى المدينة المنوّرة وأرادوا إزالة الصندوق الخشب الموضوع على القبور الشريفة ووضع الشبّاك الجديد مكانه، منع أهل المدينة من ذلك بحجّة أنّ الصندوق الخشبي وقفٌ لا يجوز تغييره! فاضطُرّوا إلى وضع الشبّاك (جانباً) خارج الصندوق، فنقصت ألواحه الفولاذية بسبب ذلك، فاضطُرّوا إلى إكماله بقطعة من الخشب بعد دهنها بما يقرب من لونه والكتابة عليها. وقد رأيتُ القطعة الخشبية ظاهرة فيه مقصّرة عنه في الرونق عند تشرّفي بزيارة المدينة المنوّرة بعد الحجّ عام 1321 هجري، وبعد ذلك عند تشرّفي بزيارتها من دمشق عام 1330 هجري. وبقي هذا الشبّاك حتّى أزاله الوهابيّون عام 1343هجري حين استيلائهم على المدينة المنوّرة وهدمهم لقبّة أئمّة البقيع عليهم السّلام وقبورهم المقدّسة.
أجل.. هدم الوهابيون هذه القبور الشريفة في الثامن من شوّال / سنة 1343 هجريّة مع جميع القباب عدا قبّة النبيّ -صلّى الله عليه وآله- بلا دليل، باعتقادهم أنّ بناء القبّة على القبر محرَّم شرعاً، ولم يبيّنوا علّة تركهم لقبّة رسول الله -صلّى الله عليه وآله- وما هو المخصِّص لها دون قبور الأنبياء والأولياء؟ وقد تركوا البقيع خَرِبة يُذاد عنها المؤمنون والمسلمون الذين يحبّون التعرّف على الآثار الشريفة والذكريات الإسلاميّة الجليلة.
المساحة
تبلغ مساحة البقيع الحالية مائة وثمانين ألف متر مربع، ويُعد البقيع من أقرب الأماكن التاريخية إلى مبنى المسجد النبوي حالياً.
في اللغة
البقيع في اللغة: هي موضع من الأرض فيه أروم شجر من ضروب شتى وبه سمي (بقيع الغرقد) بالمدينة المنورة لأن هذا النوع من الشجر كان كثيراً فيه ثم قطع.
وفي كتاب (العين) الغرقد: ضرب من الشجر، وأيضا: الغرقد: شجر له شوك كان ينبت هناك فذهب وبقي الاسم لازماً للموضع، وفي (مجمع البحرين): البقيع من الأرض: المكان المتسع، قيل: ولا يسمى بقيعاً إلا وفيه شجر أو أصولها ومنه بقيع الغرقد.
وفي (لسان العرب): شجر عظام وهو من العضاه، واحدته غرقدة وبها سمي الرجل.
وقال بعض الرواة: الغرقد من نبات القُف.
والغرقد: كبار العوسج، وبه سمي بقيع الغرقد لأنه كان فيه غرقد.
والغرقد: ضرب من شجر العضاه وشجر الشوك و(الغرقدة) واحدته، ومنه قيل لمقبرة أهل المدينة بقيع الغرقد لأنه كان فيه غرقد وقطع.
وقيل: إذا عظمت العوسجة فهي الغرقدة.
|
|