في ذكرى هدم قبور البقيع
دلالة تاريخية على التخلّف المزمن للوهابية
|
*حسام عبد الامير
سياسة هدم القباب لم تكن وليدة اليوم، بل لها جذور تاريخية تأسست مع ظهور الفكر الوهابي المنحرف عن تعاليم الإسلام. وبما أن هذا الفكر مبني على هدم المبادئ الإسلامية فهو لا يفرق بين هدم تلك القيم وهدم القباب التي تضم تحت مظلتها أقدس الخلق بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ، وكتب التاريخ تحدثنا عن كثير من الجرائم التي تقشعر منها الأبدان والتي ارتكبت بكل بساطة واصفةً الدماء التي أريقت أنها في سبيل الله!
وإذا كانت الجرائم الماضية وقعت في عصور لم يكن الحصول فيها على المعلومة سهلاً ويسيراً فإن ما يجري الآن على أرض الواقع والذي يشاهده العالم أجمع قد فضح جميع أكذوبات هذا الفكر المتطرف والذي طالما ظهر لنا أحد أنصاره من خلال وسائل الإعلام مدعياً حب أهل البيت -عليهم السلام- كذباً وزوراً. فأي حب هذا الذي يدعيه أعداء الإنسانية بعد كل هذه الدماء البريئة التي تراق يومياً باسم الجهاد؟
بدأت جرائم آل سعود ضد معالم التشيع إبان استيلاء سعود بن عبدالعزيز ابن محمد بن سعود زمام الحكم خلفاً لأبيه عبدالعزيز وذلك مطلع القرن الثالث عشر الهجري. حيث جهز جيشاً عظيماً من أعراب نجد وغزا به العراق وحاصر كربلاء ثم دخلها عنوةً وأعمل في أهلها السيف، وهدم قبر الإمام الحسين -عليه السلام- واقتلع الشباك الموضوع على القبر الشريف ونهب جميع ما في المشهد من الذخائر.
جدير بالذكر بأن عهد حكم سعود المذكور يعد من أكثر العصور الوهابية دموية حيث جاب الأرض شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً قتلاً ونهباً، حتى أن قرية البطالية لم تسلم من سطوته، وجاء في العديد من المصادر التاريخية بأن سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود قد غزا قرية البطالية -في السعودية حالياً- عام 1208هـ، وقتل كثيراً من أهلها وذلك عندما توجه على رأس حملة إلى الأحساء حيث نزل قرية الشقيق وحاصرها يومين فهرب منها أهلها ودخلها عنوة، وأخذ مافيها.
وفي الثامن من محرم الحرام عام 1218هـ استولى سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود على مكة بدون حرب، وفي صباح اليوم التالي بادر الوهابيون ومعهم كثير من الناس بالمساحي فهدموا القبب الموجودة في (المعلّى) ثم هدموا قبة مولد النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله- ومولد أبي بكر وعلي وقبة السيدة خديجة وقبة زمزم وجميع القباب التي حول الكعبة والأبنية التي تعلو الكعبة وتتبعوا جميع المواضع التي فيها آثار الصالحين فهدموها.
وفي عام 1221هـ هجمت القوات الوهابية على مدينة الرسول الأكرم - صلى الله عليه وآله-، ويقول الجبرتي في تاريخه: (لما استولى الوهابيون على المدينة المنورة هدموا القباب التي فيها ومنها قبة أئمة البقيع لكنهم لم يهدموا قبة النبي - صلى الله عليه وآله-، بينما نهبوا جميع ذخائر الحجرة النبوية وجواهرها حتى أنهم ملأوا أربعة صناديق من الجواهر المحلاة بالماس والياقوت العظيمة القدر، ومن ذلك أربعة شمعدانات من الزمرد محتوية على أحجار ماسية تضيء في الظلام، ونحو مائة سيف مرصع بالذهب الخالص والماس والياقوت ونصابها من الزمرد واليشم)، وقد أدت تلك الفتن إلى انقطاع الحج لأكثر من موسم نظراً لانعدام الأمن من جراء تلك الممارسات الوحشية من قبل هذه الطغمة الحاقدة.
ويقول العلامة السيد جواد العاملي في حوادث سنة 1222هـ أنه تعطل الحج ثلاث سنين لحجاج العراق. ويقول الجبرتي في حوادث تلك السنة أن حجاج مصر والشام لم يتمكنوا من أداء حج تلك السنة. ويقول العلامة السيد محسن الأمين في (كشف الارتياب): إن الحج انقطع من العراق أربع سنين ومن الشام ثلاث سنين ومن مصر سنتين.
واشتدت سطوة الوهابيين في القرن الرابع عشر الهجري، حيث تمكنوا من طرد الشريف الحسين من مقر ملكه (جدة) إلى العقبة ثم تم نفيه من قبل الإنجليز إلى جزيرة قبرص، واستمروا في أعمال الإرهاب وهدم القباب والضرائح ومحوهم آثار سادات الإسلام كما كانوا في القرن الثالث عشر.
ففي عام 1345هـ هاجم الوهابيون أطراف العراق بقيادة فيصل الدويش. كما دخلوا الطائف وهدموا قبة ابن عباس، ولما دخلوا مكة المكرمة هدموا قباب عبدالمطلب جد النبي - صلى الله عليه وآله- وأبي طالب عمه وخديجة أم المؤمنين وخربوا مكان مولد النبي ومولد فاطمة الزهراء -عليها السلام-، ولما حاصروا المدينة المنورة هدموا مسجد الحمزة ومزاره.
وقد هدموا ما بالمدينة ونواحيها من القباب والأضرحة والمزارات فهدموا قبة أئمة أهل البيت بالبقيع ومعهم العباس عم النبي وجدرانها وأزالوا الصندوق والقفص الموضوعين على قبورهم ولم يتركوا غير أحجار موضوعة على تلك القبور كالعلامة، وهدموا قباب عبدالله وآمنه أبوي النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وأزواجه وعثمان بن عفان وإسماعيل بن جعفر الصادق ومالك إمام دار الهجرة.
وبعدما استولى آل سعود على مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة وضواحيهما عام 1344 هـ، بدأوا يفكّرون بوسيلة ودليل لهدم المراقد المقدّسة في البقيع ومحو آثار أهل البيت -عليهم السلام- والصحابة .. وخوفاً من غضب المسلمين في الحجاز وفي عامّة البلاد الإسلامية وتبريراً لعملهم الإجرامي المُضمر في بواطنهم الفاسدة استفتوا علماء المدينة المنوّرة حول حُرمة البناء على القبور ..
فكتبوا استفتاءً ذهب به قاضي قضاة الوهابيين سليمان بن بليهد مستفتياً علماء المدينة فاجتمع مع العلماء أوّلاً وتباحث معهم وتحت التهديد والترهيب وقّع العلماء على جواب نُوّه عنه في الاستفتاء بحُرمة البناء على القبور تأييداً لرأي الجماعة التي كتبت الاستفتاء ..
واستناداً لهذا الجواب عدّت الحكومة السعودية ذلك مبرّراً مشروعاً لهدم قبور الصحابة والتابعين ـ وهي في الحقيقة إهانة لهم ولآل الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ فتسارعت قوى الشرك والوهابيّة إلى هدم قبور آل الرسول - صلى الله عليه وآله- في الثامن من شوّال من نفس السنة ـ أي عام 1344 هـ ـ فهدّموا قبور الأئمة الأطهار والصحابة في البقيع وسوّوها بالأرض.
|
|