الحرص مرض يقتل صاحبه
|
*يونس الموسوي
(مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القز كلما ازدادت من القز على نفسها لفاً كان أبعد لها الخروج حتى تموت غماً). هذا الكلام هو للإمام الباقر عليه السلام وهو أروع تشبيه لحالة الإنسان الحريص الذي يلف على نفسه أنواع شتى من المطامع ظناً منه أنه سيستفيد منها ويلتذ بها لكنه سرعان ما سيدرك أنه يجمع هذه الأمور حتى يتركها لغيره.
وأهم صفة ملازمة لهذا الحريص، هي التعب لأن الانسان يجهد نفسه في طلب الأشياء، ويرهق جسده وفكره ونفسه في طلب تلك الأمور وكلما بعدت عليه المطالب ازداد لها شوقاً وطلباً، وحتى عندما يصل إلى مبتغاه فإنه سيلاحظ أن قطار العمر قد فاته، ولم يبق في البدن من قوة للإستفادة والتلذذ بما حصل عليه.
والأسوأ أن الحرص يجر الإنسان إلى سلوكيات بعيدة عن الأخلاق والآداب الاجتماعية، فهو ينجرّ من حيث يشعر أو لا يشعر الى انتهاك حقوق الاخرين وتجاهلهم، وهذا ما نلاحظه في التنافس المحموم على العمل والكسب سواء في ميدان العمل التجاري أو الحكومي، و ربما يعد صاحب هذه السلوكية، عمله نوعاً من الاقدام وسرعة المبادرة أو ما يسمى عندنا بـ (الشطارة) أو حتى (الجسارة)، ومن الاخطاء الشائعة على أذهان البعض القول: (فاز باللذات من كان جسوراً)!! لكننا هنا نتساءل ما هي مشكلة الحريص؟ وما هي العوامل التي أوصلته إلى هذه الحالة؟
مشكلة الحريص انه ضعيف الإيمان ويسيء الظن بالله، فهو يرى بأنه إذا لم يقدم على فعل هذه الأمور فإنه سيموت جوعاً، أو أنه سيصيبه الهلاك، أو سيهجم عليه الفقر، أو سيفقد ثروته، لكن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أوضح لهذا الإنسان ولكل البشرية قانون الحياة، وأن الركض وراء المطامع لايؤخر ولايقدم شيئاً، هذه هي القاعدة التي يقولها رسول الله صلى الله عليه وآله: (لايسبق بطيء بحظّه ولايدرك حريصٌ مالايقدّر له) فكل إنسان يحصل على ما قدر له إن سعى إليه جاهداً أو لم يسع إليه وقال الإمام الحسين عليه السلام (ليس العفة بما نعة رزقاً، ولا الحرص بجالب فضلاً، وإن الرزق مقسوم والأجل مخترم، واستعمال الحرص طلب المآثم.)
وتكمن في داخل الحريص قوة تذله وتكسر هيبته هي (قوة الشره) فهو يطمع بأن يحصل على كل شيء فإذا وجد فرصة للحصول على شيء فإنه سيسيل لعابه من أجل الحصول عليه وهذه القوة هي قوة الشره التي في داخله وتجبره على فعل أشياء قد لايستسيغها عقله.
إن الشعور بالضِعة أمام الآخرين يجب أن يشكل دافعاً لهذا الإنسان حتى يغير من اسلوب حياته، حتى لايصبح مبغوضاً وممقوتاً من أقرب المقربين إليه، وقد كشف الإمام علي عليه السلام إسلوباً لردع الحرص عند الإنسان فهو سلام الله عليه يقول: (ردع الحرص بحسم الشره والمطامع)، بأن يتمالك المرء نفسه عندما تعرض (الوظائف المحترمة)! او يطرق الاسماع ان بضاعة معينة تحظى بمرغوبية او هناك اختلال في العرض والطلب و ما أشبه ذلك. وقد يحرم المرء من الحصول على بعض المكاسب إذا لم يستعجل الموقف، لكن في النهاية سيحفظ كرامته وعزته، ولن يشعر بالإذلال أمام الآخرين.
الحصول على معاني الكرامة والعزة هو أعلى مرتبة من الحصول على بعض الأشياء الدنيوية الزائلة، ففي الحالة الأولى يمتلك المرء الثقة بنفسه ويستطيع أن يحقق اشياء كبرى نتيجة إيمانه بنفسه، أما الإنسان الذي يشعر بالذلة أمام الآخرين هو في معظم الأحيان يكون تابعاً وذيلياً ولايقدر على شيء.
وقد ورد لدينا في الأحاديث الشريفة أن الطمع يقود إلى إرتكاب الذنوب. قال ذلك الإمام علي عليه السلام: (الحرص لموقع في كبير الذنوب) فنتيجة للحرص قد يتخذ المرء قرارات صعبة تغير مصيره من كونه من أهل الجنة إلى أن يصبح من أهل النار. ونحن نلمس عن قرب في واقعنا اليومي، كيف أن الإنسان إذا إنقاد إلى طمعه يستطيع بسهولة أن يغير إتجاهه حتى يحصل على الكثير من أموال الباطل، يعني ربما الأمر لايتطلب منك سوى القول نعم للباطل حتى تنهال عليك الأموال.
والحريص فقير حتى وإن حصل على الشيء الكثير، لأنه يطلب المزيد والمزيد ولايقنع بما لديه، لذا فهو فقير حتى وإن ملك الدنيا وقد سأل الإمام علي عليه السلام ابنه الحسن: ما الفقر؟ قال: الحرص والشره. ونتيجة لذلك فهو لايشعر بالراحة أبداً، لأنه حرم القناعة، فهو يطلب المزيد ويخشى القلة وهو بين هذا وذاك في حالة من عدم الرضا مما لديه.
|
|