الرفق في التعامل و طريق النجاح

الرفق في التعامل و طريق النجاح

كتبه: سعد مغيمش الشمري

من النصائح التي يوجهها لنا الإمام الصادق، عليه السلام، لما يفيدنا في حياتنا الاجتماعية: «من كان رفيقاً في أمره نال ما يريد من الناس».

يُعد الرفق من المطالب الحياتية والاجتماعية التي لا تستقيم الحياة إلا بها حيث تتآلف بها القلوب وتنقاد له النفوس ويملك المودة والمحبة، ولا غنى للمرء أبداً، من التحلّي به في معاملة أهله وجيرانه واصحابه واخوانه المسلمين. وهو أيضاً؛ يُعد من العوامل الاساسية في تحقيق النجاح في التعامل اليومي مع الناس، بل ويسهم في عملية التأثير على النفوس والقلوب، اذا ما كانت الحاجة الى النصيحة والتوجيه لإصلاح أمر ما، او سلوك معين يُراد تغييره، فلابد من الرفق واللين والتسامح وغضّ النظر عن بعض الزلّات والهفوات، وحسن الظن، لأن الانسان يعيش مع بشر لهم ما له من مشاعر وأحاسيس، فضلاً عن عقول و إرادات ومكانة يُعتد بها.

ومما يدل على أهمية الرفق، أنه من صفات الله عز وجل، فيجب على كل انسان أن يتحلّى بصفة الرفق واللين في الكلام والمعاشرة حتى لا يخرج عن العقلانية. كما يُعد الرفق، مطلباً حضارياً هاماً يعكس فضائل الفرد ونفسيته العذبة وأخلاقه الإنسانية كما يعكس حضارية المجتمع ومدى رقيّه ومستوى ثقافته، فهو مفتاح النجاح في كل الأمور.

* فرصة لحل مشكلة «سوء الفهم»

هـــــــذه الخــــــصلة النفســــــية والصفة الاخلاقية الرفيعة، لها دور مباشر لا يُنكر في إنجاح عملية التحاور بين الأفراد وضمان سلامة التعبير عن الرأي والرأي الآخر، وهو ما يمثل جزءاً من الممارسات اليومية الملحّة، سواءً على صعيد العائلة او الاصدقاء او حتى الشارع العام. فعن طريق الحوار نتفاعل مع قضايانا، ونناقش همومنا، ونتعاطى مع الآخرين من حولنا، حتى وإن كانت ثمة اختلافات في الرؤى والقناعات.

فان منهج «الرفق» كفيل بأن يحيل وتتحاور الأفكار وتتدافع وتتقارب.. وتتباعد.. وربما تتصارع.

هذا التدافع الفكري والتنافس الثقافي بواسطة الحوار البناء والسلس، يُعد من الفعاليات التي تُسهم في البناء المعنوي للأمة، بشرط أن يكون الحوار ضمن الاطار المنضبط مع توفر شروطه المطلوبة ومتطلباته اللازمة، وأهمها احترام الرأي الآخر، والاعتراف بوجود الاختلاف والتنوع، التي هي بالحقيقة تمثل سنّة إلهية في الكون والحياة.

وما أجدرنا بالتأسّي بالرسول الأكرم، صلى الله عليه واله، ونجعله المثل الاعلى في هذا المجال، حيث جسّد الفوائد العظمى للرفق مع الآخرين مع تعامله مع افراد المجتمع، وهو ما أكده القرآن الكريم: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، (سورة آل عمران، 159)، بمعنى أنه، صلى الله عليه وآله، الذي جاء بأفضل شيء في الوجود على الإطلاق، وهو الدين الإسلامي الحنيف، إنما بشّر به بالحكمة والموعظة والكلمة الحسنة، ولم يأت به من خلال الشدّ والجذب والتوتر واستفزاز الآخرين أو مصادرة آراء و أفكار الآخرين.

من هنا ندرك أهمية منهج الرفق في الحديث والتعامل مع الآخرين لتحقيق «حُسن الفهم» في مقابل «سوء الفهم» السائد بين معظم اوساطنا الاجتماعية، وكلما سادت الحالة الثانية (سوء الفهم)، كلما سادت بيننا الانفعالات و ردود الأفعال العاطفية، ثم الحرب الكلامية والتراشق بالاتهامات وغيرها…. وتحول الحوار بين الافراد الى ما يشبه جلسات المحاكمة، بحيث يحرص الطرفان على تبرئة نفسه وإتهام الآخر، في حين ربما تكون الفكرة او القضية مثار النقاش، من المسلّمات من حيث المبدأ، لكن نلاحظ صعوبة التقاء الطرفين على نقطة مشتركة بسبب غياب هذه الخصلة الاخلاقية الحميدة (الرفق).

هذه القاعدة تصدق على حياة الانسان في مجتمعه الصغير (الأسرة)، وتحديداً مع الزوجة والاولاد، وكذا بين الاقارب و ذوي الرحم، كما تصدق ايضاً على جميع افراد المجتمع الكبير في جميع مرافقه، ولعل أروع تعبير لمصداقية «الرفق» ما جاء في الآية الكريمة: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (سورة الروم، 21).

إن أساس الخلل؛ أننا لا نفهم – أحياناً- ما يُقال ويناقش من أجله و يُكتب بشكل جيد، فتجدنا ننطلق في ساحة الحوار؛ نحلل ونستنتج ونصدر الاحكام الكبيرة والصغيرة على هذا وذاك، وهنا تكمن الخطورة في أننا نجعل سوء فهمنا مرجعية لنقد وتقييم أفكار و آراء الآخرين.

* اضمن بيتك باللسان الطيّب…!

هنالك فوائد عديدة من وراء التزام حالة «الرفق» مع الآخرين، منها معنوية، كما ذكرناها آنفاً، ومنها مادية ملموسة يمكن ان تتجسد في حياتنا اليومية، وهذا يصدق في المعاملات التجارية أو لانجاز مهام رسمية وغير ذلك، حيث تكون طلاقة الوجه وعذوبة الحديث وحسن الخلق والابتسامة، خير وسيلة لجذب قلوب الآخرين ويترك انطباعاً جيداً لديهم. ربما يتمكن الإنسان من الوصول الى غايته بلغة القوة، لكن ذلك لا يدوم له. وهنالك الكثير من القصص الجميلة والمعبرة في هذا المجال، وما استوقفتني؛ حكاية ينقلها آية الله السيد هادي المدرسي، حفظه الله، في كتابه «كيف تنجح في صناعة العلاقات»، بان رجلاً كان يستأجر شقة في بناية، وكان جيرانه يسعون لثني صاحب البناية عن قراره بزيادة بدل الإيجار، ولكنهم جميعاً أخفقوا في ذلك نظراً الى ان صاحب البناية كان شديد البخل.

يقول: في البداية كتبت له رسالة واخبرته بانني سأخلي المسكن بمجرد ان ينتهي عقد الايجار، في حال عدم تلبية الطلب، ولكن المحاولة كانت عبارة عن تجربة سابقة من آخرين، وباءت بالفشل، فقررت أن استخدم اللين، بدل العنف، والمديح بدل الشتائم ، وبينما كنت أفكر في الامر دخل علي صاحب الشقة ومعه سكرتيره، وبيده رسالتي التي تتضمن التهديد المبطن. رحبت به باحترام، ولم أتحدث عن ايجار المسكن، بل بدأت اتحدث عن جمال شقته، وامتيازاتها، ونقاط الجودة فيها، وأبديت له التقدير والشكر.

ثم أردفت قائلا: «إن ما أحصل عليه من الراتب لا يكفيني لكي استمر في استئجار هذه الشقة. وفوجئ المالك بهذا الموقف الرقيق، لأنه كما يبدو كان يتوقع الهجوم والتجريح، ولكنه ماذا يفعل وقد واجهته برفق ولين…؟

فماذا كانت النتيجة؟

إنه ومن دون أن أطلب منه خفض قيمة الإيجار، بدأ يتحدث لي عن الأخلاق غير الحسنة لبقية المستأجرين، وقال: إنني تلقيت أربعة عشر خطاباً في شهر واحد، بعضها جارح ومهين، ولن اخضع لها اطلاقاً…!

ثم أردف قائلاً: فيا لها من سعادة هانئة، أن أجد مستأجراً مثالياً وراضياً مثلك!

وحينما أراد ان يخرج من باب الشقة، التفت إلي وسألني في حنان، عما اذا كنت ارغب في إضافة زينة معينة على بناء الشقة…؟ كما انه لم يتردد في تلبية طلبي والإبقاء على بدل الإيجار لفترة قادمة.

إن الاسلام يوصينا بالرفق في أكثر من موقع، ويصفه بصفات لا أجمل منها ولا أنقى. ويعتبره سببا لكثير من الأمور الهامة، وخير وصية نأخذها من الامام علي بن ابي طالب، عليه السلام حيث قال: «من لانت كلمته وجبت محبته». بينما العنف في التعامل يولد في الطرف الآخر الشعور بالحقد والبغضاء.

ويمكن ملاحظة أن معظم الموظفين الذي يتحلّون بالإيجابية في مكان العمل، لديهم الكم الأكبر من الأصدقاء، وأنهم يملكون شبكات اجتماعية كبيرة وواسعة، وهم الأفراد الأكثر نجاحاً في محيط العمل، والسبب في ذلك طريقة تفكيرهم الإيجابي، والرفق واللين في تعاملهم مع الآخرين.

ونحن نعيش اليوم في عالمٍ سريع التحول والتغيير، ميّال الى المواجهات والحروب الكلامية والساخنة الدموية في جميع أنحاء العالم، فهنالك صنف باتوا يعيشون في حالةً من الذعر خوفاً من غدٍ أسوأ، أما الصنف الآخر، فقد أصبحوا لا يبالون، فانقطعوا عما يجري حولهم وصبوا طاقاتهم لكسب لقمة عيشهم والعيش في يومهم الذي هم فيه. ولكن، هناك فئةٌ أخرى من الناس تؤمن بغدٍ أفضل ويؤمنون أنهم سيبنون مستقبلاً مشرقاً لأنفسهم وللجميع على أسس وقواعــــــد اخلاقيـــــة وسلوكية صحيحة، تجعـــــلهم يعيشون حياة الهناء والطمأنينة مع الجميع.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)