الزيارة في أحاديث المعصومين وعناصر بناء الوعي وتحقيق اليقظة

الزيارة في أحاديث المعصومين وعناصر بناء الوعي وتحقيق اليقظة

الشيخ ماجد الطرفي

تُعد زيارة المشاهد المشرفة والمراقد المقدسة، من أهم مشروعات أهل البيت، عليهم السلام، لتواصل الأمة مع العقيدة ورموزها وابطالها، وترسم الطريق المضيء نحو أشد مصادر الالهام الروحي والمعنوي.

هذه القيمة المقدسة، تشكل إرثاً إنسانياً لا تقتصر على شخص دون آخر أو فئة دون أخرى، أو حتى شعب دون آخر، إنما تعني جميع سكان العالم، لما لها من الطابع الإنساني والمشروعية المستندة إلى الفطرة والعقل والضمير الواعي والعاطفة الجياشة التي تخرج من الحب و الولاء لأهل بيت العصمة، عليهم أفضل الصلاة والسلام، وهذا ما فسر من قبل العلماء، سر بقاء هذه الظاهرة الاجتماعية والقيمة المقدسة حتى اليوم، بل أنها اضحت اليوم عابرة للحدود، بعد اختراقها قلوب المؤمنين بحرارة الإيمان والولاء الحسيني، وهذا تجسيد الحديث النبوي: «إن للحسين حرارةً في قلوب المؤمنين لا تنطفأ أبداً». وكلمة «أبداً» إحدى الأسرار الإلهية التي ميز بها الله -تعالى- سيد الشهداء، عليه السلام.

عن معاوية بن وهب قال: استأذنت على أبي عبدالله (الصادق، عليه السلام) فقيل لي: ادخل، فدخلت فوجدتهُ في مصلاه، فجلست حتى قضى صلاته فسمعته وهو يناجي ربه وهو يقول:

«يَا مَنْ خَصّنَا بِالكَرَامَةِ، وَخَصّنَا بِالوَصِيّةِ، وَوَعَدَنَا الشفَاعَة، وَأَعْطَانَا عِلْمَ مَا مَضَى وَمَا بَقِي، وَجَعَلَ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِليْنَا، اغْفر لِي وَلِإخْوَانِي وَلِزُوَارِ قَبرِ أبِي الحُسَيْنِ صَلَوَاتِ اللهِ عَلَيْه، الذِينَ أَنْفَقُوا أَمْوَالَهُم، وَأَشْخَصُوا أَبْدَانَهُم رَغْبَة فِي بِرنَا وَرَجَاءً لِما عِنْدَكَ فِي صِلَتِنَا، وَسُرُوُرَاً أَدْخَلُوُهُ عَلى نَبِيَكَ صَلَوَاتِكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَإجَابَةً مِنْهُم لأَمْرِنَا، وَغَيْظاً أدْخَلُوُهُ عَلى عَدُونَا، أرَادُوا بِذَلِكَ رِضَاكَ، فَكَافِهِم عَنَا بِالرِضْوَانِ، وَاكْلاهُم بِاللَّيْلِ وَالنَهَارِ، وَاخْلِف عَلى أهَالِيهِم وَأوْلادِهِم الذّينَ خَلَّفُوا بِأحْسَنِ الخَلَف، وَاصْبَحَهَم وَأكْفِهِم شَرَ كُلِ جَبَارٍ عَنِيد، وَكُلَ ضَعِيفٍ مِنْ خَلْقِكَ أو شَدِيد، وَشَرِ شَيَاطِينِ الجِنِ وَالانْسِ، وَأعْطِهِم أَفْضِل مَا أَمَّلُوا مِنْكَ فِي غُربَتِهِم عَن أوطَانِهِم، وَمَا آثَرُوُنَا بَهِ عَلى أبْنَائِهِم وَأهَالِيِهِم وَقَرَابَاتِهِم، اللُّهُم إنَّ أعْدَاءَنَا عَابُوا عَلَيْهِم خُرُوجِهِم، فَلَم يَنهَهُم ذَلِكَ عَن الشُّخُوصِ إلينَا، وَخِلافَاً مِنْهُم عَلى مَن خَالَفَنَا، فَارحَم تِلكَ الوُجُوه التِّي قَد غَيَّرَتهَا الشَّمس، وَارحَم تِلكَ الخُدُود التِّي تَقَلبَت عَلى حُفرَة أبِي عَبدِالله، وَارحَم تِلكَ الاعْيُنِ التي جَرَتِ دُمُوعُها رَحمَةً لَنَا، وَارحَم تِلكَ القُلوبِ التِي جَزَعَت وَاحتَرَقَت لَنا، وَارحَم الصَّرخَةِ التِي كَانَت لَنَا، اللهُم إنِي أستَوُدِعُكَ تِلكَ الانفُس، وَتِلكَ الابدَان حَتَى تُوَافِيهِم عَلى الحَوضِ يَوم العَطَشِ»

فما زال وهو ساجد يدعو بهذا الدعاء، فلما انصرف قلت: جعلت فداك، لو أن هذا الذي سمعت منك كان لمن لا يعرف الله، لظننت أن النار لا تطعم منه شيئاً، والله لقد تمنيت أني كنت زرته ولم أحج، فقال لي: ما أقربك منه، فما الذي يمنعك من زيارته؟ ثم قال: يا معاوية لم تدع ذلك؟ قلت:

لم أدر أن الامر يبلغ هذا كله، قال: يا معاوية! من يدعو لزواره في السماء أكثر ممن يدعو لهم في الارض، يا معاوية لا تدعه، فمن تركه رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان عنده، أما تحب أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله وعلي وفاطمة والأئمة؟ أما تحب أن تكون غداً ممن ينقلب بالمغفرة لما مضى ويغفر له ذنوب سبعين سنة؟ أما تحب أن تكون غداً ممن تصافحه الملائكة؟ أما تحب أن تكون غدا فيمن يخرج وليس له ذنب فيتبع به؟ أما تحب أن تكون غدا ممن يصافح رسول الله؟.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)