رجال المرور : أكثر معاناتنا مع حمايات المسؤولين وسواق الكيّا

رجال المرور : أكثر معاناتنا مع حمايات المسؤولين وسواق الكيّا

 

قيس عيدان 

 

اذكر حادثة في احدى الدول المتقدمة ، لابد من ذكرها ونحن نكتب اليوم عن معاناة رجال المرور مع السواق أولا ومع مواكب المسؤولين ثانيا ، تلك الحادثة تقول ان ضابطا في المرور في تلك الدولة المتقدمة كان قد خالف نظام المرور أمام شرطي المرور الذي لم يعاقبه على مخالفته لأنه ( ضابط ) فما كان من هذا الضابط المخالف إلا أن يرجع لشرطي المرور ليعاقبه سائلا إيّاه : لماذا لم تحاسبني على مخالفتي ؟

هذه الحادثة تعيدني الى العديد من حوادث اعتداء مواكب المسؤولين وحماياتهم لان شرطي المرور يحاسبهم أحيانا على مخالفاتهم ، لا بل ان بعض رجال المرور عوقبوا من قبل المسؤولين بسبب محاسبتهم على مخالفتهم أنظمة المرور .

 

إذن … رجال المرور يعانون كثيرا خلال عملهم وخاصة كما قلنا من قبل حمايات المسؤولين ، ومع ذلك فان رجال المرور متهمون بانهم يتغاضون كثيرا عن محاسبة سواق المركبات الذين يقدمون لهم ( رشا ) .. فاين الحقيقة في ذلك ؟ لنقرأ معا ونتحدث عن بعض معاناة رجال المرور ، مبتدئين موضوعنا بهذه الحكاية :

ينظر رجل المرور “سلام” -30 عاما- صباح كل يوم إلى صورة معلقة فوق احد الأعمدة التي تتوسط مكان عمله في احد اكثر التقاطعات المزدحمة شرق بغداد. كان “سلام” قد اخبر زوجته قبل ان يخرج الى عمله في السادسة صباحا انه يتمنى ان ينتهي يومه بدون “مشاكل” مع “مسؤول حكومي” او صحاب سيارة “كيا” او بانفجار قريب.

تلك الصورة التي ينظر اليها “سلام” هي لزميله “محمد” الذي قتل العام الماضي اثر انفجار سيارة مفخخة كان قد وضعها إرهابي في احد الأركان وادعى بانها “عاطلة”. وعلى الرغم من الغبار الذي صار يغطي جزءا من وجه زميله “شرطي المرور الشهيد” مازال “سلام” يتذكر تلك اللحظة التي هرع فيها ليحمل جثة صديقه الى حوض سيارة الشرطة التي بدأت بحمل أشلاء الضحايا بعد ان امتلأت سيارات الإسعاف بالشهداء والجرحى.

بعد ساعات من وقوف “سلام” في مكان عمله المعتاد تحت مظلة كونكريتية يتوسطها براد ماء صغير، ازدحم التقاطع بالسيارات وارتفعت أصوات المنبهات، وبدأ مشوار شرطي المرور بالصراخ على أصحاب سيارات “الكيا” الذين يرفضون الانصياع الى أوامر المرور بعدم ركن سياراتهم على جانب طريق مكتظ بالسيارات، او لحمل الركاب من وسط الطريق. 

 

خمسة آلاف دينار بدلاً من فرض غرامة

نذير ، (21عاماً) يتحدث لنا : أثناء توجهنا ، أنا وزملائي الطلبة ، الى الكلية من منطقة البلديات الى منطقة الجادرية وفي منتصف الطريق واجهتنا احدى المفارز المرورية في الكرادة خارج ، طلب منا احد رجال المرور التوقف ,علماً انني لم أرتكب أية مخالفة لقواعد السلامة المرورية, بحجة التأكد من مستمسكات السيارة فتوقفنا على جانب الطريق وتوجه الينا احد رجال المفرزة وهو برتبة عريف ، وبعد السلام طلب مستمسكات السيارة والهويات الشخصية وبعد تأكده من صحتها سأل عن وجهتنا فأجبناه باننا ذاهبون للجامعة . وبعد ذلك قال “سأكتب لك وصل غرامة لعدم ارتداء حزام الأمان وبمبلغ 15000 ألف دينار”. نذير أوضح للعريف بانه يرتدى حزام الأمان وقال له بدهشة : أنا أرتدى الحزام ، فقال العريف وبعصبية : أعطوني مبلغ 10.000 آلاف دينار، فقلنا لماذا فأجاب :إذن أعطوني 5000 آلاف وغادروا قبل ان اسجل مخالفة الحزام فأجبرنا على إعطائه تحت الضغط من حضرة العريف بدلا من اخذ أوراق السيارة وتسجيل غرامة مرورية .

 

متاعب أصحاب الكيا

المفوض ابو أحمد يقف منذ فترة طويلة في تقاطع منطقة الصليخ سابقاً . وقد كرم من قبل مدير المرور العام وعضو مجلس النواب وغيرهم ، بيّن لنا حين سألناه عن اكثر السائقين الذين يرتكبون المخالفات المرورية فأجاب مبتسماً : لا تقاس بسائقي السيارات انما بالثقافة المرورية عندهم ,ونحن نواجه صعوبة ومتاعب من أصحاب سيارات (الكيا) وهم لا يحترمون الشارع والحل الوحيد لردع تجاهلهم وكسرهم الإشارة المرورية والتكلم بالهاتف وعدم ارتداء حزام الأمان هو كتابة المخالفات لهم وبسعر 30,000 ألف دينار وبالتالي يرجعون الينا ويرتدون الحزام ويبدأون بالاعتذار .

 

منتسبو الأجهزة الأمنية

ابو احمد يضيف : عند ممارسة مهنتي يصادفني العديد من الشخصيات التي تعترض على أداء واجبي وهم جمعيهم من منتسبي الأجهزة الأمنية ، وعند محاسبتهم تبدأ المشاكل مثل إبراز الهوية أو الكشف عن منصبه ورتبته . وأقولها بصراحة بأنهم ( لايحترمون رجال المرور في الشارع ). ابو أحمد يوضح ايضاً : اننا نجد من الأطباء أو غيرهم ومن شخصيات اخرى ومنهم الفنانون والمثقفون والرياضيون وهم معروفون فى المجتمع، يلتزمون بالقواعد والسلامة المرورية .

 

فقدنا الكثير من الشهداء

الملازم أول مهند أوضح لنا أنه بالرغم من الحالات الشاذة التي تصدر من قبل بعض الأشخاص أو من أصحاب النفوذ أو المقربين منهم من اعتداءات أثناء الواجب والتي تصل أحياناً الى ( الإهانة والضرب ) بحق رجل المرور نتيجة لتأدية واجبه وهناك العشرات من القضايا التي تنظر فيها محاكم التحقيق نرى الصورة الاخرى والتي نثبت فيها أننا لا نختلف بأي شكل من الأشكال عن الأجهزة الأمنية ، فقد فقدنا الكثير من الزملاء اما بالاعتداءات الإرهابية او من خلال الاغتيالات المنظمة التي طالت منتسبي المرور ايضاَ . مهند أشار الى أن احترام أي قانون في مجتمعات العالم يعني ثقافة المجتمع في حين نرى أن رجل المرور في بلدان العالم يمثل قانون بلد يقدره ويحترمه الجميع باستثناء مجتمعنا .

 

الغرامات المرورية ملزمة للجميع 

ابو ديار ، صاحب سيارة أجرة يبين لنا أن الغرامات المرورية ملزمة على جميع المخالفين ولا باس ان تطبق في البلاد وفق شروط وضوابط يلتزم بها رجل المرور أولاً وينفذها على المخالف من دون مجاملات وأياً كان نوع المركبة التي يقودها أهلية او حكومية يجب ان لا يتغاضى عن احد اذا كان مخالفاً فالقانون فوق الكل وفوق كل الاعتبارات، ولكن يجب على رجل المرور ان يكون واضحاً في المخالفات التي يسجلها على أصحاب السيارات المخالفة وان لا تكون الغرامة خفية، لكي يعلم المخالف ان وقعت عليه مخالفة ويجب ان يدفعها الى مديرية المرور العامة قبل ان تتضاعف وتصبح ضعف المبلغ، وأضاف انه “يتمنى ان يلغى قانون مضاعفة المخالفة اذا كان السائق لا يعلم بنوع المخالفة التي وقعت عليه، وان يستمر العمل بقانون المضاعفة فقط على المخالفات العلنية .”

 

مطالب أهل الكيّات 

وسام ثامر، منتسب فى دائرة المرور يشير لنا  “في بعض الأحيان يتعرض رجل المرور الى الاعتداء من قبل بعض السواق كالسب والشتم خصوصاً أصحاب الكيا بسبب تسجيل مخالفة علنية من قبل رجل المرور او من خلال سحب مستمسكات سيارة ، ما يعرضه للصدام بالأيدي في بعض الحالات مع المخالف، او يتعرض للتهديد العشائري كما حدث مع الكثير من منتسبي رجال المرور ، ومنها ماحصل فى تقاطع أكاديمية الفنون حينما قام بتسجيل غرامة لسائق سيارة نوع (كيا) بسبب مخالفة وقعت عليه وطالب السائق بإلغاء المخالفة، رفض رجل المرور ذلك ما ولد شجاراً بينهما قام المخالف بتهديد المرور عشائريا وفعلا عندما عاد رجل المرور الى بيته وجد هنالك -بما يعرف بالمصطلح العشائري (اكوامة) تطالبه بالمجيء الى بيت السائق لدفع تعويضات تترتب علية وفق قانون العشائر. لذلك يلجأ رجل المرور الى الغرامات الخفية لتجنب الوقوع في مثل هكذا أمور قد تحدث له أثناء العمل.”

 

الغرامة تفرض بعد مشاهدة الضابط 

اللواء نجم عبد الجبار ، مدير العلاقات والإعلام في وكالة الشرطة يشير لنا  “نحن نشخص أماكن الخلل وحالات الابتزاز التي يتعرض لها أي مواطن سواء من بعض ضعاف النفوس ، وعليه تم عقد مؤتمر من قبل مدير مرور بغداد الرصافة مع ضباط لقواطع المديرية بحضور ضباط إدارة القواطع حيث تم توجيههم بخصوص عدم فرض أي غرامة مرورية على المركبة الا بعد أن تتم مشاهدتها من قبل الضباط شخصياً وبعكسه سوف تتم محاسبة المقصر تلافيا للحالات التي بقوم بها ضعاف النفوس .”

نجم أوضح ان بعض حالات الاعتداء التي تحصل على رجل المرور من قبل بعض منتسبي الأجهزة الأمنية هى حالات نادرة جداً وبالعكس فهناك ضباط مرور يصرون على سحب السنوية او باج التعريف عند محاسبة رجل المرور لهم واتخاذ الاجراءات القانونية بحقة وإخبار الجهة الذى ينتسب اليها بنوع المخالفة وتاريخها .

 

عقوبة تصل إلى الحبس لخمس سنوات 

وعن قيام بعض أصحاب الكيّات بالاعتداء على رجل المرور وبمطالبته ب،( الكوامة ) ، اكد نجم “اننا نتعامل مع منتسبينا وحمايتهم من أي اعتداء ومن أي شخص وفق القوانين والعقوبات المفروضة ” ، اذ أوضح ان قانون المرور بالرقم 86 لسنة 2004 كفيل بحماية المنتسب ومعاقبة المعتدى وتصل احياناً بالحبس لمدة سنتين ونحن نعمل وفق القانون وليس بقانون العشائر . اذ نص قانون المرور بعقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنتين لكل من عارض او أهان رجل المرور أثناء تأدية الواجب او بسبب ذلك . و يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات كل من هدد واعتدى على رجل المرور أثناء تأدية واجبه او بسبب ذلك . و تكون العقوبة الحبس لمدة لا تزيد على خمس سنوات لكل من هاجم ضابط مرور أثناء قيامه بالواجب واذا حصل نتيجة الاعتداء جرح او أذى ولا يخل ذلك بفرض أية عقوبة اشد يقررها أي قانون اخر للجرح او الإيذاء .

 

المخالفة المرورية أصبحت شائعة 

العميد عمار وليد طعمة من مديرية المرور العامة بين لنا  ان المخالفات المرورية في البلد أصبحت شائعة جدا، وهناك البعض من منتسبي الأجهزة الأمنية والجهات المختلفة تقوم بالعديد من مخالفات السير كالسير عكس الاتجاه او عدم الامتثال للوائح المرورية ما يشجع المواطن العادي على المخالفة متذرعاً بان هناك سيارات حكومية تقوم بنفس المخالفة فلماذا نحاسب نحن فقط. وقد قمنا بمفاتحة الدوائر والمؤسسات الحكومية التابعة لها بغية محاسبة السواق على تلك الحالات وإعلامهم بأنواع المخالفات باليوم والتاريخ .

العميد عمار أوضح “أننا وللأسف الشديد نفتقر الى ثقافة القانون وهذا مايؤثر على جميع المشاهد اليومية في أي مجمتع سواء من تطبيق أنظمة المرور او الوقوف بخط نظامي عند مراجعة أية دائرة لكن تبقى أنظمة المرور هي الضرورة القصوى لما فيها خصوصية في حياة المواطن .

 

رجل المرور يخلق الحجج 

ابو مصطفي ، طبيب في دائرة مدينة الطب يشير لنا  أن رجل المرور يخلق الحجج والذرائع من اجل تسجيل أية مخالفة، سواء كانت عن قصد او عن غير قصد، اذ أصبح رجل المرور متسلطاً على رقاب الناس، واعتقد ان عمل المرور في الوقت الحالي ليس تنظيمياً ، ونرى هناك العديد من المنتسبين الجدد لايمتلكون أية معرفة بقانون المرور وتعليماتها وهذه مشكلة يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار عند المسؤولين في المرور العامة ، كذلك إرشاد المواطن للإبلاغ عن أماكن الخلل . 

 

المهندس محمد عباس من شركة الفاو التابعة لوزارة الإسكان والإعمار يبين لنا  ان قطع الطرق والانتشار الهائل للحواجز الكونكريتية جعلت أهالي العاصمة بغداد في دوامة مع رجال المرور وهم ( ليس لهم شان وقرار ) من هذه التقاطعات اذ نعاني من هذا الوضع الذي يعرقل عملنا لأن مهمتنا تقديم خدمات للناس وعرقلة عملنا ناتجة من كثرة الحواجز الكونكريتية والأسلاك التي توضع في الشوارع وتقطع بعضها والتي تضعها بعض السيطرات كما قيام بعض الوزارات والدوائر بوضع الحواجز والكتل الكونكريتية وأغلقت عددا من الشوارع القريبة منها تحت ذريعة حماية المنشآت أدى الى خلق أزمات مرورية خانقة.

لذا نناشد الحكومة ومجلس الوزراء بالإيعاز الى الوزارات والدوائر لرفع الحواجز وفتح الشوارع وتفعيل دور أمانة بغداد والوحدات البلدية لتسهيل عملها وفك الاختناقات المرورية في اطار واجباتها وبالقدر الذي يتعلق بصلاحياتها.

 

الرومان أول من ابتكر إشارة المرور 

إشارات المرور ابتكرها الرومان ، وكانت عبارة عن أعمدة حجرية توضح اتجاه الطريق إلى روما ثم تطورت لتصبح علامات شائعة تعطي معلومات عن الاتجاهات من وإلى المدن الشهيرة مع تطور الصناعة وخاصة صناعة السيارات.كما أصبحت إشارات المرور ذات أهمية وأول إشارة مرور في العصر الحديث تم ابتكارها بواسطة نادي السياحة الإيطالية عام 1895 حيث تم توحيد علامات المرور أوروبيا عام 1909 بواسطة اتفاق تسع دول أوربية ..

 

انتهت لقاءاتنا ، لكن بالتأكيد لم تنته لا معاناة رجال المرور مع حمايات المسؤولين او مع سواق الكيّات كما لم تنته معاناة المواطنين مع بعض ضعاف النفوس من رجال المرور الذين يطالبون أحيانا علنا بالرشوة والا فرض غرامة اعتباطية ، والحل يكمن برأينا في زيادة وعي المواطنين بالأنظمة المرورية وزيادة وعي رجال المرور بنفسية المواطنين الذين يعانون من زحام الشوارع ومن الظروف النفسية التي يعانون منها بسبب الوضع الأمني المتدهور والحالة الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها وبذلك ربما ستنتهي معاناة المواطنين ورجال المرور معا .

 

 

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)