كفى ارتجافا وواجهوا “داعش”

كفى ارتجافا وواجهوا “داعش”

 

جون مكين ولندسي غراهام*

ترجمة – أنيس الصفار

 

بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات ومقتل ما يقارب 200 ألف إنسان في سوريا، ومع اقتراب العراق من حافة الخطر وبروز أعتى الجيوش إرهاباً وأوغلها شرّاً في العالم، وهو جيش ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، ونجاحه في السيطرة على مناطق واسعة في البلدين المذكورين، يأتي إقرار الرئيس أوباما الأخير مثيراً للذهول والصدمة حين قال: “نحن لا نمتلك ستراتيجية حتى الآن” للتعامل مع هذا التهديد. وهو علاوة على هذا إقرار خطير.

 

من الواضح أن الرئيس يقصد التحرّك بتأنٍ والتشاور مع الحلفاء والكونغرس أثناء تأمله ما ينبغي عمله بشأن “داعش”. لا أحد يجادل في صواب هذا المنحى، بيد أن “داعش” تمثل تهديداً متصاعداً مع مرور الزمن، وهو تهديد لن يكون بالإمكان احتواؤه ولا مفرّ من التصدي له ومواجهته. هذا التصدّي يتطلّب وجود ستراتيجية شاملة متكاملة وقدرة على القيادة من جانب الرئيس وإحساساً أعظم بشدّة إلحاح الظرف، فإذا ما غيّر أوباما مساره وتبنى نهجاً ستراتيجياً لدحر “داعش” استحق التأييد والمساندة.

 

مثل هذه الستراتيجية ستتطلب من قائدنا العام للقوات المسلحة أن يوضح للأميركيين الذين ملّوا الحرب، لماذا لا يجوز لنا تجاهل هذا الخطر، فـ”داعش” اليوم واحدة من أكبر وأغنى المنظمات الإرهابية التي عرفها التاريخ، وهي تجثم فوق ملاذات آمنة تمدّدت مساحتها إلى أن قارب حجمها حجم ولاية إنديانا وبسطت ظلها على بلدين مهمّين في قلب منطقة الشرق الأوسط وضمّت إلى صفوفها ألوف المتطرّفين الذين يحملون جوازات سفر غربية من بينهم أميركيون. وهؤلاء المتطرّفون لن يحتاجوا إلى أكثر من تذكرة طائرة كي ينتقلوا إلى أية مدينة في الولايات المتحدة.

 

هذا هو السبب الذي جعل وزير الأمن الوطني الداخلي يصف سوريا بأنها “شأن متعلق بالأمن الداخلي” وقد ردد النائب العام هذا التحذير وكذلك مدير المخابرات الوطنية، ثم أعاد ترديده مؤخراً وزير الدفاع أيضاً. على الأميركيين أن يعلموا أن “داعش” ليست مجرد مشكلة تتعلق بالعراق وسوريا، بل هي تهديد للولايات المتحدة. لقد كان التواني في اتخاذ إجراء بحق “داعش” هو أصل المشكلة، والتمادي في التواني اليوم لن يكون حلاً بالتأكيد.

 

من الحقائق البديهية القول أن ما من حلّ عسكري لمشكلة “داعش”. وأية ستراتيجية سينبغي بالطبع أن تكون متكاملة الوجوه .. إذ أن من الواجب تشديد الخناق على موارد “داعش” المالية .. ومن الواجب أيضاً أن تتشكّل في بغداد حكومة جامعة تتقاسم السلطة مع السنّة العراقيين بدلاً من دفعهم إلى أحضان “داعش” .. كذلك من الواجب وضع نهاية للصراع الدائر في سوريا وإحداث تغيير سياسي هناك لأن نظام الرئيس بشّار الأسد لن يكون شريكاً معتمداً أبداً في المعركة ضد “داعش”. بل أن هذا النظام في الواقع هو الذي ساعد على قيام “داعش” ووضع التسهيلات أمام إرهاب تنظيم القاعدة في العراق، وهو السلف الذي انحدرت منه “داعش”. كذلك تتطلب ستراتيجية مجابهة “داعش” مسعى إقليمياً لحشد شركاء أميركا في إطار جهد منسّق متعدّد الأطراف.

 

بيد أن “داعش” قوّة عسكرية في نهاية المطاف، لهذا ينبغي مواجهتها عسكرياً. وقد بدأ أوباما باتخاذ إجراءات عسكرية ضد “داعش” في العراق، ولكنها لم تتعدَّ الإجراءات التكتيكية والقيام بخطوات متردّدة من قبيل ردّ الفعل. الاستمرار بمواجهة “داعش” في العراق دون سوريا سيكون أشبه بمن يقاتل وإحدى يديه مربوطة وراء ظهره، نحن بحاجة إلى خطة عسكرية لدحر “داعش” أينما تكون، ومثل هذه الخطة تستدعي منا تقوية شركائنا المشتبكين مع “داعش” حالياً، وهم “البيشمركَه” الكردية والعشائر السنية والقوى المعتدلة في سوريا والوحدات الفعّالة في قوّات الأمن العراقية. شركاؤنا هم الحضور الفاعل على الأرض وعلى الولايات المتحدة أن تمدّهم مباشرة بالسلاح والمعلومات الاستخبارية وغير ذلك من أشكال الدعم العسكري. بيد أن هذا لا يعني دعم القوات العسكرية الإيرانية التي لن يؤدي وجودها إلا إلى تفاقم التوتّرات الطائفية، وهذا يصب في صالح “داعش”.

 

لأجل هذا ينبغي علينا أن نزرع المزيد من عناصر القوات الخاصة والمستشارين الأميركيين بين صفوف شركائنا على الأرض، لا بهدف المشاركة في المعارك ولكن لمساعدة اولئك الشركاء في قتال “داعش” ولكي يوجهوا ضرباتنا الجوية التي ننزلها بها، وعلى حلفائنا الإقليميين أن يتحملوا قسطاً أساسياً في هذا الجهد. لا أحد هنا ينصح بعملية غزو من جانب واحد أو القيام باحتلال أو بناء أمة، المقصود هنا يشبه ما حدث في أفغانستان في 2001 عندما ساعد عدد محدود من مستشارينا القوى المحلية، مع إسناد بالضربات الجوية والدعم العسكري، على إلحاق الهزيمة بجيش المتطرّفين.

 

ولكن تبقى هناك حقائق ينبغي مواجهتها، فأية ستراتيجية شاملة متكاملة لدحر “داعش” كالتي نتحدث عنها سوف تتطلّب مزيداً من القوات والأموال والموارد والوقت، وأية مهمة على هذا المستوى ستقتضي إقحام الكونغرس في الأمر. لقد نادينا طويلاً بضرورة مراجعة “التفويض باستخدام القوّة العسكرية” الذي صار يشترط الحصول على تأييد الكونغرس قبل القيام بأية عملية لمكافحة الإرهاب منذ تشرين الثاني 2001، وربما يكون هذا هو الوقت المناسب لمراجعة التفويض على ضوء خطر “داعش” المتنامي، فإذا ما قدّم الرئيس أوباما ستراتيجية متماسكة وأبدى عزماً في القيادة فقد ينجح في كسب دعم الكونغرس.

 

قد يصغي إلينا الرئيس أوباما أو لا يصغي، ولكن من الواجب عليه الإصغاء إلى قادة لهم سجل من النجاحات بوجه جماعات مثل “داعش”، نذكر منهم على وجه الخصوص “جون آر ألن” و”رايان سي كروكر” و”جاك كين” و”ديفد بترايوس”. عليه أن يتشاور مع خبراء عسكريين ودبلوماسيين من أمثال هؤلاء كما فعل الرئيس جورج بوش عندما كان بصدد إعادة النظر وتقليب الأفكار في حرب العراق.

 

أحد أصعب الأمور التي ينبغي على رئيس الدولة أن يفعلها هو التغيير، وحكم التاريخ غالباً ما يكون رفيقاً باولئك الذين يتمكنون من استجماع شجاعتهم والقيام بذلك، فالرئيس “جيمي كارتر” غيّر سياسته تجاه الاتحاد السوفييتي بعد احتلال السوفييت لأفغانستان، كما غيّر “بيل كلنتون” سياسته في البلقان فتمكن من إيقاف عملية تطهير عرقي، وغيّر جورج بوش مساره في العراق فأنقذ أميركا من الهزيمة.

 

لقد وضعت “داعش” أمام الرئيس أوباما تحدياً مشابهاً، وقد أرغمته منذ الآن على البدء بتغيير المسار، ولو على مضض. لذا ينبغي على الرئيس أن يذعن لحكم الضرورة ويقوم بمزيد من التغيير ويتبنى ستراتيجة لدحر هذا التهديد، فإذا ما فعل استحقّ دعم الحزبين معاً، وإن لم يفعل فإن “داعش” ستواصل تحوّلها إلى خطر أشدّ وبالاً علينا وعلى حلفائنا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* جون مكين ولندسي غراهام  سيناتوران جمهوريان في مجلس الشيوخ الأميركي، الأول عن ولاية أريزونا والثانية عن ولاية كارولينا الجنوبية.         

 *عن صحيفة نيويورك تايمز

 

 

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)