قرية “الأحزان” في الديوانية تذرف الدموع على فراق أبنائها المفقودين بـ”سبايكر” وترفض التعويضات

قرية “الأحزان” في الديوانية تذرف الدموع على فراق أبنائها المفقودين بـ”سبايكر” وترفض التعويضات

 

قرية نكبت بفاجعة، فصار الحزن لها عنوانا، زغاريد عرس في أحد منازلها تحولت إلى بكاء وصراخ وعويل، في بيت العروس هيفاء (16 سنة)، التي سرقت فرحتها بشريكها بعد ثالث أيام العرس، والطفل كرار (عشر سنوات)، يطالب الحكومة بأخيه حيا كان أم ميتا، ويدعوها إلى إعدام “الخونة”، وأم علي (64 سنة)، صارت تخشى الجلوس مع النسوة لكي لا تسمع نبأ موت من كان لها عونا وسندا وحيدا، فآثرت الصمت حتى يعود لها ثانية، وأم حسن (57 سنة)، التي غابت عن وعيها حين دق الباب عليها أحد الجيران مع ضيف كان يحمل كاميرته، لظنها انه يحمل معه نبأ يفجعها، قرية طالب، غربي الديوانية، تحول اسمها الى قرية الاحزان لكثرة من فقد منها في قاعدة (سبايكر).

 

وتقول هيفاء، في حديثها، إن “عريسي علاء شاكر عبد الله، من مواليد 1994، التحق بعد ثالث يوم من زواجنا الى وحدته العسكرية في تكريت، واتصل بي في الساعة العاشرة من الليل وأخبرني أنهم سيتحركون من مقرهم الى قاعدة سبايكر، واعتقد أن الضباط باعونا، لأن اشياء مريبة تحدث لا نعرف لها تفسيراً، خاصة بعد ان نزل أغلب الضباط ولم يبق معنا إلا الآمر ومساعده”.

وتوضح العروس أن “زوجي اتصل بي ثانية وأخبرني بأن الآمر منحهم اجازة لمدة خمسة عشر يوماً، والعشائر اعطتنا الامان، وأنا وأصدقائي الجنود سننتظر السيارات التي توصلنا الى بغداد وسأصل اليكم عصر اليوم”، مشيرة الى أن ” محاولات عدة قمت بها للاتصال به بعد آخر مكالمة له من دون جدوى، كان هاتفه مغلقاً، وحين شاهدنا ما عرض في الفضائيات يومها، عرفنا ما حل بهم، لكننا على أمل ان يعود اليوم سالماً”. 

وتؤكد هيفاء أن “قريتنا نكبت بأحد عشر جندياً، وصار البكاء والنحيب والعويل وصراخ الاطفال سمة القرية واسمها”، داعية الحكومة إلى “القيام بما عليها، وتسلمنا أبناءنا قبل نفاد صبرنا، الذي لن يسبب إلا مزيداً من الدمار فلم يعد لدينا شيء نخسره”.

 

وليس بعيداً عن بيت العريس، يجلس الطفل كرار تحت ظل شجرة كما تعود كل يوم، يراقب الطريق أملاً في أن يشاهد أخاه ينزل من إحدى السيارات، ليركض الى أمه التي جنّ جنونها ويثلج صدرها بفرحة عودته.

ويقول كرار، في حديثه لنا، إن “أخي حيدر وعدداً من أصدقائه لجأوا الى القرى، بحسب آخر رسالة وردت من هاتفه، قبل أن يغلق ويتعذر علينا الاتصال به رغم المحاولات المتكررة”، لافتاً إلى أن “كنوز الدنيا لن تعوضني عن سندي وحزام ظهري وأخي الكبير”.

وطالب كرار الحكومة بـ”الكشف عن مصير أخي والعمل على إعادته حياً كان أم ميتاً، ونريد أن نشاهد على شاشات التلفاز إعدام الخونة، لا ترقيتهم وتكريمهم على جريمتهم بحق أخوتنا”.

 

وفي شارع آخر لا يبعد سوى بضعة أمتار عن بيت المفقود حيدر، خيّم شبح الحزن والصمت على بيت أم علي.

وتقول ابنة اختها أم محمد، في حديثها، إن “خالتي شت عقلها وجنّت على ولدها علي، وأصبحت تزحف لعدم قدرتها على المشي، منذ الساعة التي ضاعت أخبار فلذة كبدها ومعينها ومعيلها، الذي كان يهتم بها في كل شيء”، وتلفت إلى أن “العجوز قررت الصمت وعدم الجلوس مع واحدة من نساء القرية، خشية سماع خبر مفجع عن ولدها”.

وتوضح أن “زوجة علي وطفليه، تركوا العجوز لوحدها من شدة الحزن والألم الذي يقاسونه مما تصنعه في بيتها، والذي يفتت قلوب الكافرين ولو كانت من صخور الجبال”.

وتحمّل أم محمد “الحكومة مسؤولية مجزرة سبايكر، وما حل بجنودها وأبناء القرية التي تنام وتصحو على الحزن والألم”، وتؤكد أن “لانريد تعويضاً مادياً أو قطع أراض”، متسائلة “لو كان ابن أحد المسؤولين حل به ما حل بأبنائنا هل صمتوا لغاية اليوم، وشلت أيديهم عن تحريك ساكن لكشف مصير أبنائنا”.

 

وعلى بعد شارعين دق أحد الجيران باب أم حسن، وما ان فتحته وشاهدت كاميرا صحافي ومعه عدد من أبناء القرية، حتى خرت على الارض فاقدة وعيها، متوقعة سماع نبأ يفجعها بـ”حسن” الغائب المفقود.

وحين عادت ام حسن لوعيها، قالت في حديثها، إن “باب البيت أصبح كابوسي، أركض مسرعة ولا أسمح لأحد غيري بفتحه، عساني اجد في احد المرات ولدي يقف خلفه لأضمه بقوة الى صدري، ولن أتركه يخرج من حضني ثانية حتى أموت وعطر جسده يملأ أنفاسي”.

وتصف الأم أن “ولدي صغير وجميل جداً، سمحت له بالتطوع للدفاع عن أرض العراق وشعبه، وكنت لأفرح لو مات شهيداً، يرتدي بدلته وبندقيته في يده وهو يقاتل الاعداء، لكن أن يؤسّر غدراً، غير مسلح، بملابس مدنية، هذا ما لن أصدقه، ولن أسامح من سلمه لقمة سائغة الى الارهاب”.

وتتساءل أم حسن “هل من دورة تدريب جندي سبعة أيام فقط، أيعقل هذا بين المجانين؟، أكان المفرجي وقنبر وغيرهما من الخونة، قتلة أبنائنا على علم كيف يُدرب الجنود وكيف يبيعهم القادة والضباط، وهل شاهدوا كيف سيق أبناؤنا كما تساق الغنم الى مذبحها، وهل ينامون ليلهم ويهنأون بطعام وشراب، وهل يعلم هؤلاء كم طلبت من حسن عدم الذهاب لكنه رفض وعصاني من اجل الدفاع عن العراق، أهكذا يكافؤون”.

وتصر الأم باكية “أريد ابني ولا شيء في الدنيا سواه، لن اسجل على تعويض ولن أسمح لأحد ان يطرق باب بيتي على ذلك، اريد أبني سواء كان حياً كان ام ميتاً، اريد جثته لأدفنها بيدي، وأجلس بجوار قبره حتى يأخذني الموت اليه”.

 

اما سعيد شقيق الجندي المفقود حسن، يؤكد في حديثه، على أننا “نطالب بدم أبنائنا واخوتنا وابائنا، ولن تضحك علينا الحكومة بقطعة ارض ومبلغ من المال عوضاً عن ذلك، فقدت أخي ولن يعوض خسارته ملك قارون، ولا نريد سوى الاقتصاص من الضباط الذين باعوهم بثمن بخس، والقيادة العامة للقوات المسلحة والحكومة والبرلمان يعلمون ذلك جيداً”.

ويتابع سعيد أن “النوم غادر جفوننا، ولا نفس لنا تشتهي الطعام، ونعيش بأزمة نفسية في كل منزل، بسبب الصمت والخجل الحكومي في اتخاذ موقف واضح تجاه مجزرة “سبايكر”، تركنا كل شيء خلفنا ولا نريد اليوم سوى الجثث ان كانوا مقتولين لندفنها، بعد ذلك سيكون لنا حديث آخر، وسيدفع الثمن غالياً كل من تسبب في قتل أبنائنا”.

وبالكاد من شدة بكائها تقول الطفلة رقية علاء عبد، في حديثها لنا، إن “عمي اشترى لي ولأخوتي ملابس قبل العيد، لكننا لم ولن نلبسها، وسنحتفظ بها حتى يعود أبي ليأخذنا الى مدينة الالعاب”.

 

وطالب أباء وأمهات مفجوعون في محافظة الديوانية، (يبعد مركزها 180 كم جنوب بغداد)، طالبوا في (التاسع من آب الجاري)، الحكومات المحلية والمركزية ووزارتي الدفاع والداخلية بالكشف عن مصير أبنائهم، الذين فقدوا في قاعدة “سبايكر”.

وكان محافظ الديوانية، عمار المدني، أكد، على أن “حكومة الديوانية فتحت تنسيقاً على أعلى المستويات في القيادة العامة للقوات المسلحة ووزارة الدفاع، لمعرفة مصير أبناء الديوانية من الجنود والمراتب والضباط المفقودين بعد سيطرة مسلحي داعش على محافظة صلاح الدين وقاعدة سبايكر، كما شكلنا غرفة عمليات ولجنة خاصة في المحافظة تعمل على تأمين البيانات والمعلومات من ذوي المفقودين ليتم حصرهم ومعرفة اعدادهم الحقيقية في الديوانية”.

 

وكان نواب عن محافظة الديوانية، اتهموا الخميس (7 اب الجاري)، قادة قاعدة سبايكر الجوية بـ”الخيانة”، والتسبب بإعدام 1700 طالب، وطالبوا مجلس النواب “بتشكيل لجنة تحقيقية وتعويض ذوي الضحايا”، وفيما عدّوا الجريمة “بالمجزرة”، أكدوا ان هناك أشخاصاً لا يزالون محتجزين من قبل تنظيم (داعش)، والمجاميع “التكفيرية”.

وكان النائب عباس الخزاعي، طالب خلال مؤتمر صحافي عقده مع نواب من محافظة الديوانية في مبنى البرلمان  في (الـ7 اب الجاري)، “بتشكيل لجنة تحقيق نيابية خاصة في قضية إعدام طلبة قاعدة سبايكر الجوية والبالغ عددهم 1700 شخص بينهم 400 من أهالي الديوانية، وتعويض ذوي الضحايا بشكل عادل”، لافتاً إلى أن “هناك مجموعة منهم لا يزالون أحياء ومحتجزين في القصور الرئاسية”.

 

واعدم تنظيم (داعش)، يوم الأحد (15 حزيران2014)، العشرات من طلبة كلية القوة الجوية في قاعدة (سبايكر)، شمالي تكريت، بعد أيام على تسليم انفسهم، وفيما أكد أنه افرج عن 800 من الطلبة بـ”أمر من ابي بكر البغدادي”، نشر صوراً لعملية الإعدام.

 

يذكر أن تنظيم (داعش)، فرض في (11 حزيران 2014)، سيطرته بشكل كامل على مدينة تكريت،( 170 كم شمال بغداد)، وقضاء الدور، شرقي المدينة، مسقط رأس نائب الرئيس العراقي السابق عزة الدوري، وقضاء الشرقاط، (120 كم شمال تكريت)، من دون قتال، فيما تمكنت قوات الشرطة والعشائر من طردهم من قضاء الضلوعية،( 100 كم جنوب تكريت).

 

 

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)