عندما غرّد النمر المقاوم خارج سرب آل سعود

عندما غرّد النمر المقاوم خارج سرب آل سعود

بدايات.. الشهيد آية الله الفقيه الشيخ نمر باقر النمر، ولد في مدينة العواميّة شمال محافظة القطيف شرق الجزيرة العربية في العام 1959. ينحدر الشهيد النمر من أسرة عريقة ينتمي إليها العديد من رجال الدين والخطباء أمثال آية الله الشيخ محمد بن ناصر آل نمر.
أنجز الشهيد الشيخ النمر دراسته الثانويّة في القطيف ثم توجّه إلى الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1980 لدراسة العلوم الدينية الشرعيّة لا سيما الفقه والأصول وما سواها فالتحق بحوزة الإمام القائم (عج) في مدينة طهران حيث لبث هناك 10 سنوات ثم توجّه إلى سوريا ليباشر تعليم العلوم الدينية في الحوزة نفسها (الإمام القائم عج) .
سمات وملامح..
آية الله النمر الشهيد النمر لمن لا يعرفه جيداً هو حامل لواء الحق في شتّى الميادين، هو نموذجٌ العِمّة الثائرة ضد فراعنة العصر المنحدرون من سلالة بن سعود الذين اغتصبوا مناطق شبه الجزيرة العربية واحتلوا أرض رسول الله وحكموا البلاد والعباد بالنار والحديد.
يُجمع كل من عايش الفقيه الشيخ النمر على نظرته الثاقبة في مختلف الملفات المعاصرة وبصيرته النافذة التي ينبثق منها رؤى تحليلية عميقة للواقع واستشراف دقيق للمستقبل عدا عن عمق إيمانه وتوكّله على الله وتسليمه الكامل له في كلّ جولاته وصولاته ضد النظام السعودي وهذا ما جعل منه قائداً ورمزاً احتضنه شعبه واعتبره ملاذه وأمله في الخلاص من حياة الذل والهوان تحت الحكم السعودي. مسيرة النضال..
الفقيه الشهيد النمر هو ذاك الشيخ الذي لم يوفّر لحظةً واحدة إلا وحثّ بها شعب الجزيرة العربية وبالخصوص في القطيف والأحساء والبحرين على انتزاع حقوقهم المدنية والإدارية والسياسية والاقتصادية من أيدي السلطات الجائرة، ودرء الفساد بكل أشكاله، كما عمل على نقد منهجي رصين لسائر المفاهيم الوهابية التي كرّسها آل سعود حول الشيعة والتي كانت سبباً أساسياً لتأجيج الصراعات المذهبيّة في العالم العربي والإسلامي، أضف إلى ذلك الضغط على السلطة لإعادة إعمار “البقيع الغرقد” الذي دمره السعوديون الوهابيّون في العام 1925 لا لشيء إنما بغضاً للنبي وآله.
رغم أنّ السلطات السعودية عملت كل ما في وسعها لتشويه سمعة الفقيه الشهيد النمر وتحويل المعركة معه الى طابع طائفي (سني- شيعي) الا أن سماحته كان أكبر من هذي المكائد فاعتاد في خطاباته التوجّه الى فئات الشعب كافة والفضح الدائم لجرائم آل سعود ضد المواطنين لا سيما السنّة منهم المعارضين للنظام وذلك في الاعتقالات غير المبرّرة أو المحاكمات الظالمة التي تنتهج سياسة تتريّة بإمتياز حيال المعارضين على اختلافهم، ورغم أن ذلك عرّضه مراراً وتكراراً إلى الملاحقة والإعتقال لكن وإرهاب آل سعود لكن ذلك لم يدفعه للتراجع أو النكوص عن مواصله درب الكفاح ضد مفاسد الحكم السعودي وانتهاكاته. درب المعاناة..
تاريخ الشهيد الشيخ النمر حافلٌ بالنضالات السياسية السلمية ضد طغيان آل سعود منذ عشرات السنوات, فهو لم يطفو فجأة على السطح كأبطال الساعة المعدّون سابقاً، إنه مقاومٌ على النحوّ الرساليّ والعمليّ للتبليغ والنّهضة وهذا ما عرّضه الى اعتقالات متعددة ومتتالية على أثر أنشطته المتواصلة والمتصاعدة ومنها: اقامة صلاة الجماعة في العوامية, والمداومة على إلقاء خطب الجمعة, وإعداد المهرجانات لإعادة إعمار البقيع، وقد حرص الشهيد النمر في خطاباته على تصويب المطالب وتجذيرها وهي انهاء حركة الاحتكار الديني والسياسي في البلاد، محاربة الفساد الإجتماعي والسياسي، وإنهاء الاستحواذ الاقتصادي واستنزاف ثروات البلاد.
ونعرض على سبيل المثال لا الحصر بعض الاعتقالات التي تعرّض لها الفقيه الشهيد النمر على أيدي جلاوزة آل سعود: في عام 2003: اعتُقل الشهيد النمر بعد إقامة صلاة الجمعة في (ساحة كربلاء)، وقد طلبت منه القوى الأمنية بالإضافة الى ترك إقامة صلاة الجمعة والبرامج المختلفة، إزالة البناء الذي تقام فيه الصلاة في ساحة كربلاء ليطلق سراحه. في عام 2005: استدعي من أجل إلغاء مهرجان: (البقيع الخطوة الأولى لبنائه). في عام 2006: اعتُقل سماحته عند عودته من البحرين بعد مشاركته في (مؤتمر القرآن الكريم)، وقد استمرّ اعتقال الشيخ قرابة الأسبوع، فخرجت مظاهرة غاضبة في مدينة العوامية عجّلت بخروجه. في عام 2008: اعتُقل الشيخ النمر بسبب إلقائه الخطب والدروس الدينية وخصوصاً خطب الجمعة. في عام 2009: استدعت السلطات السعودية الشيخ النمر بتهمة مطالبته بحق تقرير المصير للشيعة في القطيف والأحساء وتلويحه بالانفصال عن “السعودية” وذلك بمساعدة دول خارجية والحقيقة هي أن الشيخ صرّح في عام 2009 بدعم حق المواطنين بطلب “المساعدة الخارجية” دفاعاً عن النفس خلال الصراع مع الحكومة لكن ليس على مستوى “الدول”.
لقاء الشهادة.. في عام 2012 تعرّض الفقيه النمر للاعتقال بتهمة إثارة النعرات الطائفية والتحريض على الاحتجاجات والدعوة إلى العنف, وقد تم اعتقاله بطريقة وحشيّة من قبل قوات المهمات الخاصة السعودية إذ فتحت الأخيرة عليه النار مباشرة عن قرب أُصيب إثرها بأربع رصاصات في فخذه الأيمن -استقرت في جسده لفترة طويلة-، وجرى اختطافه من موقع الجريمة الى المستشفى العسكري في الظهران، ثم نقل لاحقاً إلى مستشفى قوى الأمن بالرياض ثم إلى سجن الحائر سيء الصيت.
وأمعنت السلطات السعودية في تعذيب الشيخ النمر فحرمته من العلاج اللازم رغم إصابته البالغة التي كانت تسبب له آلاماً مبرحة ما أفقده القدرة على السير بإتّزان نتيجة الاهمال الطّبي وطول الفترة التي استقرت بها الرصاصات في جسده المبارك، ما أحوجه للاستعانة بالكرسي المتحرك أثناء نقله من السجن إلى قاعات المحاكم السعودية. بعد اعتقاله جرت محاكمته شكلياً عبر 13 جلسة, افتقدت إلى أركان المحاكمات العادلة والقانونية.
فغالباً كانت تعقد جلسات المحاكمة دون إعلام الشيخ النمر أو محامي الدفاع عنه, كما لم توفر السلطات السعودية وبعلم القضاة الأقلام والأوراق اللازمة لتمكين الشهيد النمر من كتابة ردروده ودفوعاته، وحين تم توفيره كان ذلك لوقت ضيق ومحدود غير كافي لتجهيز مذكرة الدفاع التي تولى الشخ كتابتها بنفسه. وظلّت هذه المماطلات مستمرة حتى تمكن الفقيه الشيخ النمر من تقديم رده في الدفاع عن نفسه والتأكيد على مبادئه من خلال كتابة بيان تجاوز المئة صفحة .
وسرعان ما لجأ القضاء السعودي غير المستقل والخاضع لتوجيهات الأمراء السعوديين النافذين ولا سيما وزير الداخلية السابق محمد بن نايف إلى إدانة الفيه الشيخ النمر من دون تقديم أية أدلة. وفي الجلسة 13 بتاريخ 15-10-2014 التي عقدت بالمحكمة الجزائية المتخصّصة بالرياض أصدر القضاء السعودي حكم الإعدام بحق الفقيه الشيخ النمر . بعد مرور سنة وبضعة أشهر من صدور حكم الإعدام، بحق الشيخ النمر في 2 يناير كانون الثاني 2016 أقدمت السلطات السعودية على إعدام آية الله الفقيه الشيخ نمر باقر النمر و3 من رفاقه الشباب المشاركين في الحراك الثوري بالقطيف بعد أن لفق لهم النظام السعودي “تهمة الإرهاب” وزجّ بهم مع 43 آخرين أغلبهم من المنتمين لتنظيم القاعدة.
ومع انتشار خبر اعدام آية الله النمر اجتاحت العالم الاسلامي والغربي موجة غذب عارمة ضد جريمة النظام السعودي, وصدرت بيانات الإدانة والاستنكار بشكل واسع من كبرى الفعاليات والمرجعيات الدينية والسياسية حول العالم. وعمدت السلطات السعودية إلى تغييب جثمان الفقيه الشهيد النمر ورفاقه الثلاثة عبر دفنهم في مكان مجهول, ولا تزال ترفض تسليم الجثامين الطاهرة إلى ذويهم أو الكشف عن مكان دفنهم.
اغتيال الصوت الحر لقد اعتُقل آية الله نمر النمر وأُدين بالإرهاب ثم زُجّ في سجون الطغيان السعودي متكبّداً العذاب النفسي والجسدي ثم أعدم وأُسرت جثّته رغم أنه لم يحدث مرة واحدة أن ساد الشغب في المظاهرات الشعبية التي شارك فيها الشيخ النمر أو التي دعا أيدها ودعمها، ولم يتطرق يوماً الى شخصنة القضية أو تطويقها بإطار طائفي معين خلال خطاباته الدينية-السياسية وهذا ما كان يؤكد عليه دائماً، حيث يقول: “إنّ زئير الكلمة أقوى في مواجهة أزيز الرصاص”.
وقد عمل جاهداً على نكران كل ما تحاول السلطات السعودية اتهامه به ليس لأجل نفسه إنما إعلاءً لكلمة الحق التي صدعت بها جماهير القطيف والأحساء وإزهاقاً لباطل وافتراءات النظام السعودي، مؤكداً ان السلطة السعودية تريد استخدام السنّة كدروع بشريّة لمجابهة الشيعة بشكل مباشر حتى يحرفون وعي الشعب واهتماماته عن القضايا العليا والمصيرية.
وفي اطار دعواته السلميّة قال سماحته: “عندما نرى شخصاً يحمل السلاح سنقول له عُد إلى المنزل نحن لسنا بحاجة إليك”، وهذا يقيناً منه أن العنف ليس سبيلاً لتحقيق المطالب.
ومن يطلّع جيداً على آلية المحاكمات الثلاثة عشر التي مرّ بها آية الله الشيخ النمر يدرك جيداً أن الأمر أقرب إلى الهراء القضائي منه إلى محاكمة حقيقية، حتى أن كل الاتهامات التي وُجّهت ضد سماحته من قبل الادعاء العام ووزارة الداخلية أو القضاء السعودي لم تحمل أي منها دليلاً واحداً يثبت صحّتها، وقد أوضح الفقيه الشهيد النمر ذلك بعد مرور حوالي سنة ونصف على اعتقاله في المحاكمة السابعة بعد ما تسنّت له الفرصة للمرة الأولى للدفاع عن نفسه حيث مُنح بضع ساعات فقط لتدوين ما لديه واستفاض فيها بالحجج والبراهين, وقد جرى حزمها حديثاً على شاكلة كتاب حمل اسم “مرافعة الكرامة” وتمّت ترجمته الى العديد من اللغات في العالم.
لو نظرنا إلى الأمر بعمق، سنجد أن مشكلة النظام السعودي ليست مع آية الله الشيخ النمر وليست مع أمثاله الذين لقوا مصرعهم على أيدي سلطات الجور السعودية طوال تاريخها أو الذين سيقعون يوماً ما في شباك آل سعود اثر مظاهرة سلمية، أو مقال صحفي، أو قصيدة شعرية، أو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، أو عقب أي طريقة أخرى لممارسة حق طبيعي لأي مواطن في العالم وهو “حق التعبير عن الرأي” والاعتراض السلمي على سياسات النظام وهو حق مُصان دولياً, لكن ممارسة ذلك في مملكة الارهاب السعودية كفيل بإلقاء الانسان في غياهب السجون ومواجهة المصير المجهول! انما المشكلة الحقّة تكمن مع “الآخر” الذي يعارض “فساد” مملكة الرمال، انها تحكم بالترهيب والترغيب ولا تريد مواطناً واعياً حراً كريماً يعارض سياساتها، وعليه فإن كل من يقف في وجه مملكة الارهاب السعودي الغارقة بدماء الشعوب العربيّة والاسلامية منذ نشوئها العام 1913.
مشكلة آل سعود اليوم انهم يتشبثون بحكم مهتزّ القوام يتزلز أمام كلمة الحق التي يخشاها ذوي العروش المبنية على دماء وجماجم الشعوب.. عروش بنيت فوق أراض مغتصبة من سكّانها الأصليين في الحجاز وشبه الجزيرة العربية بقوّة السيف. شأنه شأن الأمبراطوريّات التي تفكّكت واندثرت مع الزمن لأنها بُنيت ضد إرادة الشعوب وعلى خلاف مصالهم.
مستقبل القطيف بعد استشهاد الفقيه النمر لم يعهَد التاريخ انتفاضةً شعبيةً محقّةً جرى إخمادها بالقوّة فأُخمدت وتناثرت بالكامل مع رياح الزمن، إن وقود أصغر معارضة في العالم هو القمع والتعسّف مع المواطنين إذ تأتي النتائج بعكس هوى الحاكم الجشع.
إن استمرار آل سعود أسرة ونظاماُ في السلطة والحكم فوق مناطق الحجاز وشبه الجزيرة العربية ما هو إلا عودة في الزمن إلى القرنين 12 و 13 حيث اشتدّت أذرعة المغول وعاثوا فساداً في الشرق الأوسط لا سيما العالم الإسلامي على وجه الخصوص.
انه الحكم المغوليّ التتاريّ الذي يترقب الثورة في كل لحظة لأنه مولود غير شرعي لزواج صهيونيٍّ قبيح بين اليهود والمتطرفين، الذي يسوده الحكم الديكتاتوري المستبد ويستمدّ هراءه من أفكار ابن تيمية والوهابيّة القائمين على تكفير الآخر مهما كان.
هكذا يتصوّر (آل سعود) أنهم شعب الله المختار وأن الأرض خلقت لأجلهم، لذا فإن شعب الحجاز والجزيرة العربية “الحرّ” و”الواعي” بغض النظر عن طوائفه هو غير موالٍ للسلطة ورافضٌ لكل أشكال الإرهاب السعودي سواء في الخارج أو في الداخل، فهو يرفض اعتماد سياسات القمع وكمّ الأفواه بإتجاه المواطنين، الإعدام السياسي المرفوض شرعاً وقانوناً، هدم المنازل والتضييق على المواطنين المعارضين للسلطة، التمييز الواضح في توزيع الثروة والتفاوت الإقتصادي والإجتماعي بين الطوائف والمناطق، والأهم من كل ذلك هو الإستئثار بإدارة شؤون الحرمين الشريفين وإثارة الدمار والتخريب في الحرم المقدس وتغيير معالم الآفار النبوية.
كذلك فإن سعي السلطات السعودية إلى حشد المراوغين من خلال إستقطاب وشراء ذمم إعلاميين وقضاة وعلماء البلاط الذين يسيرون ضد تيار الحقيقة (شفاهم الله وهداهم) وغيرها من التصرفات الغوغائيّة, التي لا تعبّر إلا عن فقدان الشرعيّة في حكم الرعيّة, وعليه فإن آل سعود اليوم يواجهون طوفاناً شعبياً متعاظماً إثر توعية دينية سياسيّة كرّسها الشهيد آية الله الشيخ النمر في أذهان المضّطهدين والمحرومين، وأولئك المقاومين والثوار والنشطاء الذين زجّ بهم زبانية آل سعود في غياهب الزنازين وأقبية السجون..
لقد عمل الشهيد آية الله النمر على صناعة الوعي الراسخ والجذري عبر تربيةٍ رسالية شعبيةٍ استدامت لعقودٍ متواصلةٍ من الزمن، فإذا كان آل سعودي قد اغتالوا الفقيه المجاهد النمر جسدياً فإن أفكاره ومبادئه ومنهجه وتأثيره وآثاره غير قابلة للاغتيال أو المصادرة، إنما هي عالقةٌ وثابتة في نفوس الأحرار والمناضلين.. راسخة بكلمة الحق في وجه السلطان الجائر فهي خير من الصمت وواجب ديني وإنساني إلى يوم القيامة.
الطريق طويل، ومثقل بالتضحيات حتى الإطاحة بعائلة حاكمة مستبدة بدأت نهايتها تتبلور بعد نحو مئة عام في سدّة الحكم و ما بات مفروغٌ منه هو أنّ “ال سعود الى زوال”!

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)