الشهيد الشيخ نمر باقر النمر.. أيقونة الثورة السلمية

الشهيد الشيخ نمر باقر النمر.. أيقونة الثورة السلمية

بقلم: سناء ابراهيم صاحب
عمامة بيضاء من نصاعتها تلمع خيوط الحرية والكرامة والثورة. عمامة أضاءت في “القطيف والأحساء”، رفضاً للظلم والاضطهاد وسلب الحقوق المشروعة، مقاوماً استبداد السلطة الدكتاتورية، ومكافحاً ضد خضوع ضعفاء النفوس أمام إغراءات السلطة والجاه والمنصب، ومناضلاً ومجاهداً ضد الشعور بالعجز والاستسلام لليأس من القدرة على إصلاح الواقع الفاسد وإنهاء سيطرة الطغاة والظالمين.
كان الشيخ الشهيد نمر باقر النمر، أيقونة الحق بوجه الباطل. رسم بكلماته وأنفاسه الخالدة معالم ثورة لا تنضب حيويتها، ثورة تحدّت الظلم والجور والطغيان المفروض على الشيعة من قبل سلطات آل سعود الجاثمة على ربوع الجزيرة العربية، وقاد النهج المقاوم على المنبر وفي الشارع، فكانت عمّته البيضاء تلمع بين صفوف المتظاهرين على امتداد أحياء وشوارع “القطيف والأحساء”.
لم يكن يوم 2 يناير 2016، يوماً عادياً يمرّ على الأمة بأسرها. يوم بدأ الغليان يفور ضد حكم آل سعود، لتنفيذها أبشع أنواع الجرائم بقطع رأس العلاّمة المجاهد ورح الثورة وعرينها، شيخ الشهداء نمر باقر النمر.
سار الشيخ الشهيد على نهج إمامه الحسين(ع)، حفيد رسول الله (ص)، ليحقق الإصلاح ومطالباً بتطبيقه، لم يركن ولم يهن، بل أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، في أمة طغى حكّامها واستمدّوا من سيوفهم قوة مسلطة على رقاب الرافضين للذل والخنوع.
وأكد في مسيرته أن الاستشهاد في سبيل الله لا يبث الخوف، فالكرامة والقيم أغلى وأثمن من الحياة، قائلاً: “لن نهدأ، لن نسكت، لن نتوانى، لن نتوقف حتى تحقيق الكرامة والعدالة الشاملة، والحرية السياسية والفكرية، الكرامة لا تستجدى، ولا تُتسول، الكرامة لا تعطى للمتسوّلين..” رافعاً شعار الإمام الحسين (ع)، “هيهات منّا الذّلّة”.،
غدا الشيخ الشهيد، مطالباً بالحقوق في كافة ميادين الحياة. استرخص حياته وكل ما يملك من أجل إعلاء كلمة الحق، متخذاً أقوال أئمة أهل البيت”ع” قدوة في كل خطوة، مستحضراً إيثار الإمام الحسين الشهيد”ع”، فأكد أنه “لا يبالي بالموت أوقع على الموت أم وقع الموت عليه”، فشكّل شوكة في حلق السلطات السعودية، التي جهدت في إخماد صوته إلا أنها فشلت حتى بعد إغتياله بحدِّ السيف في جريمة عكست وجه السلطة الهمجي في التعامل مع كلمة الحق وصوته. “دماؤنا رخيصة من أجل الكرامة والقيم“.
أبى شيخ الشهداء الإستسلام والخنوع، وحمل على عاتقه بذور الرسالة الحسينية وجهد في تطبيقها، بخطابات سلسة ولينة دخلت القلوب والنفوس، فاجتمع الأهالي حوله قائداً ومرشداً، ليسير بهم في طريق الرفض لكل أشكال الظلم والإضطهاد. من الرسالة الدينية وتطبيقها، إلى الحقوق المدنية والسياسية والإجتماعية، عرّج الصوت الرسالي في القطيف والأحساء والبحرين، وارتفع صداه مذ عاد الشيخ النمر عام 1994 إلى المنطقة، وشكّل انطلاقة الحلم لتغيير الواقع الظالم، ودأب على صنع جيل جديد يحمل وعياً يؤهله لتحمل المسؤولية القادمة، حيث أسس حوزة الإمام “القائم” (عج) الرسالية في بلدة العوامية عام 1422 هـ. بعد غياب عن البلدة، قرر سماحته إعادة إقامة صلاة الجماعة،
ونادى بضرورة التركيز على إقامتها في جميع الفرائض وفي جميع المساجد وعلى وجه الخصوص صلاة الصبح، بعد أن تراجع إقبال الناس عليها، وخلَت بعض المساجد منها تماماً، وقد ساهم تحريكه ذلك في إقبال شريحة واسعة من المجتمع على صلاة الجماعة، وبالذات من فئة الشباب، وكان يدفع هذا الأمر بقوة من خلال تحركه وكلماته، الأمر الذي شكّل الشرارة الأولى للصدام بينه وبين السلطة الحاكمة في العام 2003، واستدعاه النظام وعمد إلى الاعتداء على المصلّى؛ كذلك أعاد إقامة صلاة الجمعة في عام 1424 هـ بمدينة العوامية، والتي انقطعت عن منطقة القطيف لسنوات طويلة. مشهدية طويلة من الإختلاف والتطوّر بث روحها الشيخ الشهيد في المجتمع، فكان مرجعاً وقائداً وأباً، وسار على خط محاربة أخطاء ومفاسد العرف الاجتماعي والتقاليد البالية والتدين القشري، التي من شأنها إعاقة تقدم الإنسان، خاصة الأعراف الخاطئة، بينها مهور الزواج المرتفعة.
وشدّد على ضرورة تخفيضها وتقليل التكاليف الباهظة للزواج، وأقنع البعض باعتماد بدلاً من المهور الغالية مهر السيدة الزهراء (ع)، من أجل تمكين الشباب والشابات وتسهيل أمورهم في الزواج. رحلة الجهاد التي قادها شيخ الشهداء، احتضنت البقيع الغرقد بمظلوميته.
وأُعيد إحياء القضية التي غابت وأفُل نجمها عن المنطقة لعقود من الزمن بفعل غطرسة سلطات آل سعود والمؤسسة الوهابية، وفي العام ٢٠٠٦م، دوّى نداؤه بضرورة إعادة بناء قبور الأئمة الأطهار، التي هُدمت في الثامن من شوّال ١٣٤٤ه، ومنذ العام ٢٠٠٦م، على أيدي الوهابية.
لم يكتفِ الشيخ الشهيد بالمطالبة بالكلمة بل نظّم مهرجانات فكرية وعقائدية وشعبية خدمة للبقيع، إلا أن السلطات لم تتقبّل مجرد الفكرة وحاربتها ولاحقت الشيخ بتهديدات أمنية، وصلت إلى حد الاعتقال في حال أقيمت المهرجانات، ولكن رغم كل المخاطر والمسرحيات السلطوية.
برزت عزيمة الشيخ الشهيد واشتدّ إصراراً لأجل الكشف عن مظلومية البقيع وزوّاره، وعلى امتداد ٣ سنوات نظم مهرجانات متتابعة لإيصال واقع الظلم على بقعة من أقدس بقاع الأرض، ورغماً عن السوط الأمني الوهابي أقيم المهرجان بعام ١٤٢٨هـ، بعنوان “قبب ومنائر”، ووصل الهدف وأصبحت قضية البقيع مطلب كل شيعي في شتّى أصقاع العالم.
زئير الكلمة أقوى من أزيز الرصاص لم يألُ سماحته جهداً في وضع الحجة على النظام المستبد لنيل الحقوق، فقدّم في العام ١٤٢٨هـ/٢٠٠٧م، ما عرف بعريضة العزة والكرامة إلى الحاكم الإداري للمنطقة الشرقية، استلمها بالنيابة نائبه آنذاك، وشكّلت خطوة غير مسبوقة في صراحتها وشموليتها، ومطالبها الجذرية، أثنى عليها المطلعون والمراقبون، وعُدت نموذجاً شجاعاً وصريحاً وأسلوباً يُحتذى في المطالبة بالحقوق، على الرغم من أنه يعرف سلفاً أن السلطة لن تولي اهتماما عملياً لها، إلا أنه قدمها ضمن مشروعه الساعي لرفع الظلم ونيل الحقوق.
وكما الحاضرون لهم نصيب من كلماته وثراه الفكري، كان للشهداء والمعتقلين والمظلومين، مخصصات فكرية ومطالبات مستمرة، حملتها محاضراته وخطبه وكلماته في كل محفل ومناسبة، خاصة تشييع الشهداء، حيث لم يكن مستغرباً أن يكون في أوائل المشيعيين كما كان في الحراك الذي انطلق عام ٢٠١١م، وطالب بالإفراج عن المعتقلين ورفع الظلم عنهم، صارخاً بكلماته بوجه الطغمة الحاكمة رفضاً لكل أشكال الظلم والطغيان.
وكان شعاره المدوّي “أنا الشهيد التالي”،إيماناً منه بمسيرة المطالب وثمنها أمام وهابية السلطات. مشهدية النضال وثورة الكلمة لصاحب العمامة البيضاء، لم تصغِ لها سلطات آل سعود التي لا يختلف اثنان على خوفها وجبنها أمام صوت العقل والحكمة، إذ واجهت خفافيش الليل في الظلام الحالك شيخ الشهداء مرات عدة وقابلت دعواته وكلماته بمنهج الملاحقات الأمنية والاعتقالات، حيث قاسى الشيخ النمر عذابات السجون المظلمة كما أبناء “القطيف والأحساء”.
ولمرات عديدة تكالبت زبانية الإرهاب السعودي على الشيخ الشهيد ليحمل جسده الطاهر آثار الظلم والهجمات الغاشمة، حيث أصيب برصاصة في قدمه خلال “الانتفاضة الأولى”، عام ١٩٧٩م، لتتوالى بعد عودته فصول المشاهد الأمنية التي أبت إلا إسكات صوت الحق في المنطقة المحرومة، فكانت الاعتقالات سلاح السلطة لمواجهة المطالب السلمية والحقوق المشروعة. الثائر على الظلم والسكون والسكوت والخنوع والخضوع للواقع المرير، لم يتأخّر عن الميدان برهة، بقبضة مرفوعة وصوت صادح كانت عمته البيضاء يلمع بريقها في مقدمة الصفوف، إذ نسجت العمامة الثائرة من خيوطها ثورة في زمن الخضوع للحكام والسياسات الظالمة، وحاول آل سعود إطفاء نور الثورة في الثاني من يناير ٢٠١٦م، منفذين جريمة نكراء تعكس ببشاعتها وجه الوهابية القبيح، بإعدام آية الله الشيخ نمر باقر النمر، ومعه ثلة من المعتقلين بسبب جهادهم السلمي، وافتتحت السلطات عاماً بالدم في محاولة لطمس الحراك والمطالب السلمية، ولم تكن تعلم أن جريمتها أشعلت ثورة، فحياة النمر تؤكد أن أمثاله لا يرحلون إلا وهم واقفين، مرفوعي الهامة والكرامة، طريقهم الحق وانتقالهم لا يكون سوى بالشهادة. شهادة كانت هدف الشيخ النمر الأسمى وكان دمه شَرارة إشعال الثّورة ليس على أراضي “القطيف والأحساء والبحرين والدول الإسلامية، إنما ثورة في شتّى أصقاع العالم”.
نعم، إن شيخ الشهداء أشعل ثورة في حياته وفي استشهاده، وطبّق مقولة الإمام الخميني الراحل، “اقتلونا فإن شعبنا سيكون أكثر وعياً”، نعم، كان دم الشهيد شرارة نور في زمن العتمة والظلام، فالنمر الذي قدم أسمى مواقف البطولة والإيمان في مواجهة سلطات الجور على أراضي الجزيرة، ليس عجيباً أن يرتقي شهيداً وأن تلطّخ الأيدي الآثمة للوهابية السعودية بدمه الطاهر، الذي لا محال أنه سيزيل عروش الطغاة.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)