في حوار موسع مع الشيخ عبدالله الصالح: التيار الرسالي يؤمن بإنهاء الحكم الديكتاتوري في البحرين

في حوار موسع مع الشيخ عبدالله الصالح: التيار الرسالي يؤمن بإنهاء الحكم الديكتاتوري في البحرين

أكد القيادي في تيار العمل الإسلامي الشيخ عبدالله الصالح في مقابلة مع (البحرين اليوم) بأن التيار ظل محافظا على رؤيته السياسية بشأن القضاء على الديكتاتورية وجعل الحاكمية والسلطات بيد الشعب. ويذهب إلى أن هذه “العقيدة” ظلت حاضرة قبل تأسيس جمعية العمل الإسلامي “أمل” وبعدها. يسرد الصالح في هذه المقابلة محطات الإغلاق التي تعرّضت لها الجمعية، مؤكدا على أن التيار لازالت قياداته حاضرة، مشددا على الحاجة إلى تطوير نموذج “التنسيقيات” المشتركة بين قوى المعارضة، ومعبّرا في الوقت نفسه عن طموح واسع بإمكان تحقيق مطالب الشعب بإنهاء الديكتاتورية رغم تحديات الداخل والإقليم و”الاستعمار” الأجنبي.

وفيما يلي نصّ المقابلة:

* هل تيار العمل الإسلامي – بعد حل جمعية العمل الإسلامي “أمل” – خرج من “محبس” المؤسسة ودخل في فضاء التيار الرسالي الذي نشأ في الثمانينات؟ أم أن هناك حيثيات أخرى تود إيضاحها؟

– نتيجة تضحيات شعب البحرين وإصراره على الوصول لمطالبه المشروعة، خاصة في انتفاضة الكرامة (انتفاضة التسعينات)؛ حصل إنفراج نسبي في بداية العام ٢٠٠٠ م، وتم الافراج عن المعتقلين السياسيين، والسماح للممنوعين من العودة بالرجوع إلى بلادهم، وكنا نعتبر أن هذا حق طبيعي وأقل من طموح شعبنا وحقوقه.
وعندما بدأت أطراف المعارضة بحزم حقائبها للرجوع، عقد الرساليون في سوريا مؤتمراً لدراسة الموقف، واتخاذ القرار المناسب تجاه ما يحدث، وكان القرار بالعودة، والعمل من الداخل، مع التنبؤ أن هذا الوضع لن يستمر إلا إذا بنت المعارضة بأكملها أرضية قوية تنافس السلطة، وتكون نداً لها وليس خاضعة أو تابعة لها مع ما يتطلب ذلك من عمل شاق وتضحيات.
وتم التأكيد وقتذاك أن الحكم الديكتاتوري لن يفي بوعوده ما لم تتحقق ديمقراطية عادلة يقودها الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات جميعاً، في وطنٍ خال من السجون والتمييز والقهر والاضطهاد والظلم. فحملت جمعية العمل الاسلامي “أمل” هذا الهدف المقدس، وقررت الدخول ضمن العملية السياسية لتحقيق هذا البرنامج، أو فضح مخطط السلطة لإخضاع شعبنا الأبي.
وفي مؤتمرات الجمعية ونشاطاتها كانت شعاراتنا وبرنامجنا السياسي حاضراً؛ دستور عصري، ديمقراطية عادلة، وانتخابات شاملة، وكانت مؤتمراتنا تحمل هذه الهموم والمطالب بعناوين: التداول السلمي للسلطة، وحان وقت التغيير، ومن أجل بناء دولة المؤسسات والقانون، والشراكة في القرار والثروة، وما شابه.

إغلاق “أمل”: ٢٠٠٤ – ٢٠١٠م
* كيف كان موقف السلطة من هذه المواقف السياسية للجمعية؟ من المفيد هنا التذكير ببعض سجل الأحداث.

– بالطبع لم تستسغ سلطات آل خليفة هذه النشاطات والمطالبات ولم تتحملها، فعمدت إلى إغلاق جمعية العمل الاسلامي ٣ مرات قبل الإغلاق الأخير ٢٠١٢م. الأول في عام ٢٠٠٤م عندما عقدت الجمعية احتفالا لتكريم الأخوة الـ٧٣ الذين تم سجنهم في الثمانينات، وظُلموا وعُذّبوا وانُتهكت حقوقهم حتى أنهم مُنعوا من رؤية أهاليهم ٦ سنوات، ولم يُسمح لهم بلقائهم إلا بعد ذلك، ويومها أُغلقت الجمعية ٤٥ يوماً. والثاني كان في العام ٢٠٠٦م بسبب تبني الجمعية هيئات المجتمع المدني وفتح الجمعية أبوابها لتلك الهيئات للاجتماع واللقاءات، مثل هيئة العاطلين، والإسكان، وضحايا التعذيب، وغيرهم. وفي عام ٢٠٠٧م تم اعتقال عضو الأمانة الأستاذ إبرهيم العرب، وتم اقتحام جمعية العمل الاسلامي وتفتيشها بحثاً عن سلاح مزعوم، وبالطبع لم يعثروا على سلاح ولا أي شيء، لكنها كانت استفزازات وانتقاما لتشويه الجمعية وأعضائها، وتعرضنا لأذىً كبير ولو لم تغلق الجمعية وقتها.
أما الإغلاق الثالث فكان في عام ٢٠١٠م بعد الانتخابات العامة والمؤتمر السنوي الذي عُقد في صالة أهلية في بلدة مقابة، وتم فيه إنشاد نشيدة: “تقدّم.. تقدّم.. تقدم إلى الأفق الأبعد”، وهي إحدى أناشيد الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين، السابقة، وعُرض فيه فيلم وثائقي عن تاريخ العمل الرسالي في البحرين. فانتقمت السلطة عن طريق وزارة العدل (الظلم) بعدم الاعتراف بالانتخابات والمطالبة بإعادتها.

أهدافنا لم تتغير منذ “الجبهة”
* كيف تعاطت قيادات الجمعية مع هذا الإغلاق، والذي كان قبيل إنطلاق ثورة ١٤ فبراير ٢٠١١م؟

– يومها، اعتبرنا هذا المطلب انتقاميا، ورفضنا إعادة الانتخابات وليكن ما يكون، ثم قبلت وزارة العدل عمل أي شيء ولو صوري باسم إعادة الانتخابات، والوزارة طلبت جلب صورة لذلك وستعتمدها، رفضنا ذلك أيضاً، وتم تسوية الموضوع ودياً وأُعيد عمل الجمعية، حتى ثورة ١٤ فبراير ٢٠١١م ثم بدأ ال خليفة يضيقون ذرعاً بالجمعية ونشاطاتها وبرامجها، فكان الاتهام بأننا وراء مؤامرة عمرها ٣٠ عاماً في خطاب “الملك”، في إشارة إلى أحداث ديسمبر ١٩٨١م، والانتقام باعتقال الأمين العام الشيخ محمد علي المحفوظ، و٤ من أعضاء الأمانة، وقرابة ٢٥٥ كادر إداري وعضو منتسب، ثم تم إغلاق الجمعية في يونيو ٢٠١٢م بعد محاكمات صورية بائسة.
أُعيد التأكيد على أنجمعية العمل الاسلامي “أمل” لديها مشروع جوهري وحقيقي يتمثل في القضاء على الحكم الاستبدادي الديكتاتوري في البحرين، وجعل الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات، وإقامة شراكة حقيقة وديمقراطية عادلة ومواطنة متساوية، هذه أهدافنا كـجبهة إسلامية في الثمانينات والتسعينات، وكجمعية العمل في الألفين، وكأي إطار آخر اليوم وغداً وبعد غد، ولم ولن نخجل من ذلك.

* يرى بعض المتابعين أن تيار العمل بات بلا قيادة، وصارت بعض الشخصيات الفاعلة فيه تتحرك بحسب برنامجها الخاص، هل ذلك صحيح؟

– قيادة التيار الرسالي واضحة ومعروفة ومشخّصة، وقسم كبير من قيادات التيار كان في السجن والقسم الآخر في المنافي، وبرنامجنا حتى هذه اللحظات لم يتغير ولم يتبدل، وهو ما ذكرته قبل قليل: القضاء على الحكم الاستبدادي الديكتاتوري في البحرين وجعل الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات جميعاً، وإقامة شراكة حقيقية، وديمقراطية عادلة ومواطنة متساوية. وكل قياداتنا يتبنون هذا البرنامج ويعملون من أجل الوصول إليه، عاجلاً أم آجلاً، ولسنا في وارد التنازل عن هذا البرنامج.

لا علاقة لثورة البحرين بالربيع العربي
* في الشأن العام، هناك من يذهب للقول بأن خيار إسقاط النظام قد خفت بريقه، في ظل ثلاثة أسباب: الأول: ما خلفه الربيع العربي من دمار خلط الأوراق وجعل هذه الخيارات معول هدم. الثاني: أن المحيط الخليجي (الإمارات والسعودية) سيدافع عن آل خليفة. الثالث: نفس الشارع في الداخل ليس كما كان في ٢٠١١. كيف تعلق على ذلك؟

– من حق كل إنسان أن يعبر عن رأيه ويدلي بدلوه، وهو حق مكفول للجميع، وكل منْ خرج في البحرين مطالباً بحقوقه العادلة يعرف صعوبة المهمة التي يريد تحقيقها، ويعرف أن العوائل الحاكمة في الخليج – وخاصة آل سعود وآل نهيان – ومن ورائهما المستعمر البريطاني؛ لن يتنازلوا عن اغتصابهم لبلادنا، وأنهم ما كانوا في يوم من الأيام معنا ولا في صفنا، ومع ذلك خرج شعبنا بشبابه وعلمائه ورموزه؛ كباراً وصغاراً، نساءً ورجالاً، شيعةً وسنة، عمالا، كسبة، موظفين، أكاديميين، وغيرهم، لهدف واحد ووحيد وهو إسقاط الحكم الديكتاتوري العميل للغرب والخائن للإسلام والعروبة والوطن.
وبالمناسبة لا علاقة لا من قريب ولا من بعيد لثورة ١٤ فبراير ٢٠١١م في البحرين بالربيع العربي ولا غيره، رغم أنها زادت في زخم ثورتنا، والتفصيل ليس مكانه هنا. كذلك نحن تقدمنا للأمام ولم نتأخر في جهادنا ضد الأعداء، وفي مشروع التغيير والقضاء على الديكتاتورية، واليوم القناعة بعدم صلاحية آل خليفة لحكم شعب البحرين، ودور البريطانيين والامريكان المحوري في بقاء الديكتاتوريات العميلة، هي قناعة كبيرة، ولا يشكك فيها أحد سواء صرّح بذلك أم وارى بالتصريح بها، ولا أحد اليوم يراهن على أنظمة آيلة للسقوط في البحرين وباقي إمارات الخليج، ولا في من ورائهم، وهم كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.

* هل يتبلور في الأفق أي تشكيل يضم أطياف المعارضة في ظل القبضة الأمنية المتوحشة لنظام آل خليفة؟

– نحتاج من أجل ذلك إلى وعي حصيف، وإراداتٍ صادقة، وعمل دؤوب، وتواضع لبعضنا البعض، ومتى ما توفر ذلك فلا يوجد ما يمنع منه. وهناك محاولات بعضها جسِّد على الأرض واقعا طيبا وإنْ لم يصل لمستوى الطموح المطلوب، مثل تنسيقية الجمعيات في البحرين، وتنسيقية القوى الثورية في الخارج، وربما هناك ما يؤمَّل له أن يتبلور كمشروع جامع، والعمل الاسلامي يدها ممدودة لكلّ مشروع يطور العمل ويُكتّله ويضاعفه.

مستقبل آل خليفة: لا مكان للاستبداد
* دور حديث بين الفينة والأخرى بين النخب حول البنية التحتية للمعارضة، اقتصاديا وتنمويا، وتخلص تلك الحوارات إلى ضرورة توازي العمل السياسي بالعمل التنموي الذي بمقدوره أن يغذي جسد المعارضه (وجمهورها) بمغذي التعليم والمال اللذين هما موضع حرب من قبل آل خليفة تجاه الشعب. ما تعليقك؟

– لا شك أن الجميع يهتم ويتطلع إلى ذلك، لكن نحن حركات معارضة عملها الرئيس القضاء على الديكتاتورية والاستبداد والتخلف المتمكن في بلادنا عبر الاستعمار وأدواته، ومتى ما تخلص شعبنا من هذا المرض العضال؛ فهو قادر على حلّ جميع المشاكل السياسية والتنموية، والمالية، وأخذ البلاد إلى مدارج الكمال والتقدم بل والمنافسة مع الدول المتقدمة، وقد أثبت شعبنا أنه أهل للتقدم والإبداع، وخلْق مستقبل مشرق وباهر وعظيم، وهو صاحب وعي وكفاءات جيدة، ولديه قدرة على النجاح في التحديات الحضارية التي يخوضها.

* بالتفسير السياسي للمعطيات الموجودة، كيف ترى مستقبل آل خليفة؟

– ليس هناك مكان في منطقتنا للديكتاتورية والاستبداد ولا للاستعمار، ولولا دعم الاستعمار وحمايته لهذه الأنظمة المهترئة لانتهت منذ زمن بعيد، وهذه الارض أرضنا، وهي منطقتنا، وكل الغرباء عنها راحلون ومنها زائلون، سواء المستعمر الذي جاء من آلاف الكيلومترات أو عملاؤهم الذين حلوا بليلة ظلماء وثبتوا أوضاعهم هنا واغتصبوا الأرض وعاثوا الفساد ودمروا البلاد وأذلوا العباد، وهي سنة ملوك الجور والطغيان كما قال تعالى: {… إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ}.

* هل من الممكن فعلا للمعارضة في البحرين أن تمسك بالحكم في حال رحل الخليفيون، وكيف سيمسك البحرانيون زمام الأمور في ظل تحديات الإرهاب، الدول الإقليمية والكبرى، والموالون لآل خليفة؟

– وماذا ينقص البحرانيون لكي يملكوا الحكم في بلادهم وينجحوا فيه كما نجحت شعوب كثيرة، وهل البحرانيون بدعاً من الشعوب، أليسوا من بنوا البحرين وعمّروها وأقاموا حضاراتها المتعددة؟! وأليسوا هم من دحر الاستعمار والدول المعتدية من الإقليم سابقاً؟! وبالطبع هم لن يعجزوا لاحقاً عن دحره ودحرهم.
ولا ننسَ أن شعبنا مبدع وكفؤ، ومتى ما تمكّن من مسك زمام البلاد سيحوّلها إلى “جنة” كما فعل الآباء من قبلنا. ألم يدحر أباؤنا فداوية آل خليفة ومرتزقتهم سابقاً؟! أليس شعبنا هو الذي قهر الاستعمار وأجبره على الرحيل في ١٤ أغسطس ١٩٧١م مع استماتة ال خليفة لإبقائه؟! حتى قال الحاكم السابق كما نقل ابنه حمد في لندن سنة ٢٠١٢م: “كان الوالد – يقصد عيسى بن سلمان – يقول: “هل طلبنا منكم ان تخرجوا من البحرين”؟! كما ان التحديات ليست مقتصرة علينا وليست فوق أن تُذلّل، المهم:
إذا الشعب يوماً اراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر
أقول واثقاً: اطمئنوا، فشعب البحرين – بكل فئاته وطوائفه – شعب مبدع، مثابر، محب للعمل، ومخلص ومتفان في أداء واجباته، ومتى ما استلم الحكم في البحرين سيحولها الى جنة غناء، تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها، وتتفجر من خلالها الخيرات المادية والمعنوية، وستنطلق منها شرارة العلم والتقدم والحضارة في المنطقة كلها – كما كان الأمر في السابق – وليس في جزيرة البحرين خاصة: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا}.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)