نيويورك تايمز تتسائل: هل سيشمل محمد بن سلمان أشقاءه في اعتقال الفاسدين!؟

نيويورك تايمز تتسائل: هل سيشمل محمد بن سلمان أشقاءه في اعتقال الفاسدين!؟

هل يوجد أمير لم تتلطخ يداه بالفساد؟ هكذا تساءلت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في تقرير لها عن حملة محاربة الفساد التي أطلقها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
وقالت الصحيفة: “لا يقتصر دور أقارب الملك سلمان المُقرَّبين على حكم السعودية فقط، لكنَّهم يعقدون صفقات البزنس مع الدولة الغنية أيضاً”.
هل ستسري مكافحة الفساد على أشقاء ولي العهد السعودي؟
ولفت التقرير إلى أن شركة استثمارية سعودية كبرى أسَّسَها أحد أبناء الملك، ويرأسها الآن آخر، تمتلك حصةً كبيرة في تكتُّلٍ يقوم بأعمال حكومية واسعة النطاق تشمل شراكةً تربطها بمقاول دفاع فرنسي لبناء السفن.
وتقول: “هناك شركةٌ أصغر أسَّسَها ابنٌ آخر من أبناء الملك سلمان، إنَّها تستثمر في الرعاية الصحية، والاتصالات، والتعليم، وغيرها من المجالات التي تُنظِّمها أو تُموِّلها الدولة.
ولا يبدو أنَّ أياً من هذا التضارب في المصالح من بين الدولة والمقربين من الحكم، مخالف للقانون، وفقاً لما ورد بالتقرير.
لكن الآن يقود شقيقهم ولي العهد، محمد بن سلمان، حملةً واسعة، ضد ما وصفه بـ”الفساد”، طالت ما لا يقل عن 11 أميراً من بيت آل سعود، لكنَّ مصالح عائلته التجارية المُعقَّدة -والغامضة في أغلب الأحيان- تثير تساؤلات عما قد يعنيه هذا الاتهام في مملكةٍ نصَّت -أو لم تنص- قوانينها على القليل من التشريعات التي تحظر بموجبها الكثير من البلدان ما تعتبره تفضيلاً للمصلحة الشخصية.
فالقوانين السعودية، الصادرة بمراسيم ملكية أو المشتقة من الشريعة الإسلامية كما تقول الأسرة الحاكمة، لم تدرِج حتى الآن تشريعات لإدارة دخل العائلة المالكة وأتباعها المُقرَّبين.
ولم تكشف العائلة قط عن مصادر دخلها، وكم قد يأخذ أفرادها من عائدات النفط في البلاد، وكم يكسبون من عقود الدولة، أو كيف يمكنهم تحمل تكاليف أنماط حياتهم الفخمة.
الفاسدون ليسوا وحدهم.. من أين لك هذا؟
لم يشرح الملك سلمان قط كيف حصل على المال لشراء منازل فاخرة في لندن تصل قيمتها إلى 28 مليون دولار، تماماً مثل ابنه، ولي العهد محمد بن سلمان، الذي لم يُفصِح قط كيف تمكن من دفع أكثر من 500 مليون دولار أميركي فجأة مقابل يخت يصل حجمه إلى 440 قدماً، كان قد رآه ذات يوم وقرَّرَ شراءه.
إضافةً إلى أنَّ المملكة، التي تتبع حكومتها نظام الملكية المطلقة، لم تحاول قط إنشاء نظام قضائي مستقل للبتّ في هذه المزاعم. وإذا عُرِّفَ الفساد بأنَّه تربُّح خاص على حساب الشعب، فإنَّ فسادهم واسع الانتشار لدرجةٍ تجعل القيام بأي إجراء ينقصه التغييرات الثورية سيبدو كأنَّه نظام مقاضاة انتقائية، وبالتالي سيكون بمثابة كعب أخيل لكل مشروع محاربة الفساد.
وقالت كاثرين ديكسون، الباحثة في منظمة الشفافية الدولية، والتي درست الإنتاج الحربي السعودي، لصحيفة نيويورك تايمز: “إنَّ ما يحدث دليل واضح على الاستبداد. فلا بأس من استخدام موارد الدولة لمصلحتك الخاصة ما دمت جزءاً من الفصيل أو العصبة المناسبين، لكن لأنَّ الفساد هو ما يهتم به الناس، فهو يُستَخدَم كصرخةٍ شعبيةٍ لتبرير مثل هذه الإجراءات الصارمة”.
وقارنت هي وآخرون حملة محمد بن سلمان بالحملات التي أجراها الزعيم الشيوعي شي جين بينغ في الصين، أو الرئيس فلاديمير بوتين في روسيا، حيث غالباً ما تكون الدعاوى القضائية ذات دوافع سياسية.
وبينما اعتُقل ما يقرب من 500 شخص بتهمة ممارسة الفساد وسط حملة من الإجراءات الصارمة، يُحتَجَز الكثيرون في فندق ريتز-كارلتون، الذي ربما يكون أكثر سجون العالم فخامة.
وكان مجلس الوزراء السعودي قد أعلن الثلاثاء 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أنَّ جميع عمليات الاعتقال “تستند إلى أدلةٍ مُحدَّدةٍ على ارتكاب جرائم وأعمال تهدف إلى تجاوزات جنائية، وانتهاك غير مشروع”.
وأضاف المجلس أنَّ “حقوق المتهمين، والوقائع المتعلقة بالجرائم، تحميها سلطة القانون في جميع المراحل، سواء في إجراءات التحقيق أو سير العملية القضائية”.
لكن الحكومة لم تكشف عن أي تهم أو أدلة محددة، أو حتى أسماء المعتقلين. وبدأت الموجة الأولى بعد ساعات فقط من صدور مرسوم ملكي بتشكيل لجنة تحقيق برئاسة محمد بن سلمان، ما لم يترك سوى وقت قليل للتحقيق.
وتخضع المحاكم للمراقبة الفعلية للملك وولي العهد، ولم يكن واضحاً أي فرع من نظام المحاكم سينظر في القضايا؛ نظام المحاكم الشرعية الرئيسية، أو مجلس أكثر تخصصاً من محاكم التظلم التي تتعامل مع الشكاوى الإدارية.
هل تنطبق القوانين على الأسر الحاكمة العربية؟
وقال ديفيد أوتاواي، وهو زميل في شؤون الشرق الأوسط بمركز ويلسون (مركز أبحاث غير حزبي) لـ”نيويورك تايمز”: “سيفتح إجراء محاكمات مكافحة الفساد هذه الباب أمام مشاكل جمة. فعند من ستتوقف هذه الإجراءات داخل العائلة المالكة؟ هل هناك أي أمير لم تتلطخ يداه بالفساد؟”.
فيما يقول للصحيفة ذاتها نيثان براون، الباحث في جامعة جورج واشنطن، والذي يدرس الأنظمة القانونية العربية: “ليس من حق القانون محاكمة العائلة الحاكمة بأي طريقة كانت، أو أن يسيطر على العلاقة بين الأسرة الحاكمة والدولة”.
وأضاف: “في النهاية، يمكن للملك وبعض كبار أعضاء العائلة المالكة أن يفعلوا ما يشاءون، ثم يجعلوه قانونياً في وقت لاحق”، وقال إنَّ عدم وجود نظام قانوني للتعامل الذاتي الملكي “يفتح الباب على مصراعيه أمام ما قد تعتبره أنظمة أخرى فساداً”.
الأمير متعب بن عبد الله
وتقول “نيويورك تايمز” إن حملة مُنسَّقة بصورةٍ احترافيةٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، يبدو أن الحكومة هي من نظَّمتها، اتهمت أهم سجين في الحملة الأخيرة، وهو الأمير متعب بن عبد الله، الرئيس السابق للحرس الوطني وابن الملك السابق، بإثراء نفسه على حساب النفقات العامة، واختلاس أموال الحرس الوطني. ونقلت تقارير إخبارية عن مصادر لم تذكر أسماءها، أنَّه سوف يُتَّهم بتعيين موظفين لا وجود لهم، ودفع عقود مُبالَغ فيها لشركاته التي يمتلكها لمعدات مثل أجهزة الاتصال اللاسلكية ومعدات عسكرية مضادة للرصاص.
ويُزعم أنَّ شقيقه، الأمير تركي بن عبد الله، الحاكم السابق للرياض، سيُتَّهم بتوقيع عقود مُبالَغ فيها لشركات يملكها لمترو الأنفاق الذي ما زال قيد التشييد في العاصمة.
ولكن، في بلد سُمِّيَ باسم العائلة الحاكمة فيه تصعب القدرة على التمييز بين المال العام والخاص.
وقال روبرت جوردان، السفير الأميركي السابق لدى المملكة السعودية لـ”نيويورك تايمز”، إن لجنة الأمير محمد لمكافحة الفساد “يمكن أن تحتجز أي شخص لأي سبب يرونه فساداً، ويُعد هذا جزءاً من كيفية نسج هذه الشبكة”.
الوليد الأقل حاجة للفساد
لم يكن لدى المُحتَجَز الأشهر، الأمير الوليد بن طلال، حاجةٌ واضحة إلى الكسب غير المشروع. فقد كان معروفاً بكونه مستثمراً في أسواق الأسهم العالمية، وواحداً من أغنى الناس في العالم؛ وقد اتسمت مصادر ثروته بالشفافية مقارنةً بمعظم الأمراء.
ولطالما كان الأمير الوليد بن طلال منتقداً للاقتصاد المُغلَق والفساد المتفشي في المملكة؛ إذ ذكرت مذكرةٌ دبلوماسيةٌ سرية في عام 1996 أنَّ الأمير الوليد أبلغ السفير الأميركي كيف سيطرت حفنةٌ من الأمراء الكبار على مليارات الدولارات في برامج خارج الميزانية تجلب عائدات تُعادِل تقريباً مليون برميل من النفط الوطني يومياً.
ووفقاً للمذكرة، فإن مشروع الحرمين الشريفين ومشروع التخزين الاستراتيجي لوزارة الدفاع “كانا سريَّين إلى أقصى حد؛ إذ لم يخضعا لأي إشرافٍ أو رقابةٍ من وزارة المالية”.
وقدَّمَت المذكرة، التي كُشِفَ عنها النقاب في مجموعة وثائق وزارة الخارجية التي أصدرتها ويكيليكس قبل 7 سنوات، مُخطَّطاً مُفصَّلاً للمسارات المُتنوِّعة لتدفُّقات المال إلى أفراد العائلة المالكة؛ إما من خزائن الدولة وإما من خلال الأعمال التجارية الخاصة في نظامٍ مُبهمٍ مختلف.
كيف يحصلون على الأموال؟
تلقّى مسؤولٌ بالسفارة الأميركية، عند زيارته لمكتب القرارات والقواعد التابع لوزارة المالية في عام 1996، لمحةً غير مسبوقة عن الأموال الملكية؛ إذ جاء الخدم للحصول على رواتب لأسيادهم الملوك.
ويتلقى أبناء الملك المؤسِّس ما يصل إلى 270 ألف دولار شهرياً، في حين يحصل حفيد حفيد الملك على نحو 8000 دولار شهرياً. وعلاوة على تلك المدفوعات، تُوزَّع مكافآت تتراوح بين مليون و3 ملايين دولار لبناء القصور على سبيل المثال.
ومن المعروف أن من يقترض المال من بين الأمراء لا يرده؛ مما أدى تقريباً إلى انهيار البنك التجاري الوطني. كما عُرِفَ أيضاً أنَّ أفراد العائلة المالكة هم وكلاءٌ حصريون للشركات الأجنبية في المملكة. فعند تأسيسهم أعمالهم الخاصة، غالباً ما يعتمدون على الإنفاق الحكومي أو الإعانات الحكومية.
وقال دبلوماسي آخر في مذكرةٍ عام 2007، إنَّ الحكومة، وعلى وجه التحديد وزارات المالية والشؤون البلدية والقروية، غالباً ما تنقل الأراضي العامة إلى الأمراء، والذين بدورهم يبيعونها بأرباحٍ ضخمة للمُطوِّرين العقاريين، مشيراً إلى أنَّ الأمير بندر بن سلطان، وهو سفير السعودية لدى الولايات المتحدة الأميركية منذ زمنٍ بعيد، والأمير عبد العزيز بن فهد، الابن المُفضَّل للملك فهد، قد استفادا من مئات الملايين من الدولارات من خلال بيع الأراضي لبناء مدينة ضخمة كان مُخطَّطاً لبنائها مركزياً شمال جدة، وهي مدينة المملكة.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)