الحرب بالوكالة.. عصا السعودية في المنطقة: عن خيارات الحرب.. وجرعات الاستبداد

الحرب بالوكالة.. عصا السعودية في المنطقة: عن خيارات الحرب.. وجرعات الاستبداد

بقلم: باقر المشهدي، كاتب متخصص في شؤون الخليج
ليس من بين المؤشرات العملية ما يدلل على نشوب حرب جديدة تُضاف إلى سلسلة الحروب التي تشنها السعودية على دول الجوار. فظروف المنطقة اقتصاديا وسياسيا؛ لا تؤهل السعودية لأن تبادر بشنّ حرب جديدة ضد إيران أو حزب الله في لبنان. إضافة لذلك، فإن الخيارات السياسية التي يسلكها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تتجه لبناء دولة استبدادية محكمة من الداخل، تزيح عنه كاهل التجزئة السياسية التي تشكلت عليها السعودية منذ 1932. إن هذا الخيار الإستراتيجي الذي بدأ به ابن سلمان – منذ عزله لمحمد بن نايف كولي للعهد وعزله مؤخرا لمعتب بن عبدالله الخصم الأقوى عسكريا – لا يساعده ولو جزئيا في خوض حرب أخرى تُضاف لسلسلة الحروب التي انخرطت فيها السعودية منذ 2011.
الدولة الضعيفة وقرار الحرب
في منطق الحروب العسكرية يمكن تلمس قاعدة عرفية تقول: إن الدول الضعيفة لا تقوى على شن حرب مباشرة. وهذا ما ينطبق على دول الخليج العربية. فهي دول ضعيفة أساسا، رغم الترسانة العسكرية الضخمة التي تمتلكها، وتعمل على تضخيمها في كل وقت، ولو على حساب البناء الحضاري والمشاريع التنموية التي تحتاجها هذه الدول. معنى ذلك، أن هناك نمطا خاصا من التسلح تقوم به دول الخليج، ويقوم على تجميع الأسلحة الحديثة دون القدرة العملية على إتقان استخدامها، والأهم من ذلك كله أن صفقات الأسلحة الأعلى في العالم تُعقد بين أنظمة الحكم في الخليج والدول الكبرى في سياق اتفاقيات غير معلنة، تصبح فيه المبالغ الضخمة المصروفة على تلك الصفقات بمثابة جزية أو “أتاوة” تدفعها الأنظمة لشركات تلك الدول مقابل تعهُّد الدول الكبرى بحماية أنظمة دول المنطقة عسكريا وسياسيا.
لهذا لا مفر من التأكيد على أن الحروب المباشرة هي أبعد خيارات دول الخليج. أما إذا ما قررت هذه الدول الخليجية أو بعضها الدخول في حرب مباشرة أو حرب جديدة؛ فسيكون سقوط أنظمتها مسألة وقت لا أكثر. أكثر من ذلك، فإن قيام حرب بقيادة السعودية في الوقت الحالي يعني انفراط منظمة مجلس التعاون الخليجي وانهيار كامل لاقتصاديات دول الخليج.
وكان أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد قد أشار إلى خطورة الوضع المقبل، وأنه معرَّض للانفجار بعد تعثّر المفاوضات التي قادها منذ اندلاع الأزمة القطرية وفرْض الحصار على الدوحة من قبل السعودية والإمارات والبحرين. كما أشار رئيس مجلس الأمة الكويتي إلى أن الأمير الكويتي حمّله رسالة صريحة وواضحة لإبلاغها أعضاء مجلس الأمة الكويتي فيما يتعلق بمستقبل أوضاع المنطقة والحملة الإعلامية ضد مواقف الكويت السياسية اتجاه مجريات الأحداث المتلاحقة.
لا يعني ما تقدم خلو السياسة السعودية الخارجية من تهوّر وغطرسة قد تدفعها لاتخاذ قرار مغامر تحرق به نفسها وغيرها. ولكن هذا الاحتمال الوارد قد يُجمح إليه في حال تم التسليم برغبة محمد بن سلمان في الاكتفاء بكسب صولة الحرب البادرة والظهور بمظهر الأقوى سياسيا عبر إطلاق تصريحات وتهديدات إعلامية. وفي هذا السياق أيضا، يمكن إعادة النظر في التصريحات السعودية الخاصة بلبنان، واعتبارها تصريحات تستهدف إعادة السيطرة والنفوذ السعودي في ذاك البلد الجريح والمقعد سياسيا.
السيولة السياسية الخطرة
التفسير الأقرب للصحة أن التصعيد الكلامي والتهديد بالحرب؛ هو غطاء سياسي على السيولة السياسية الداخلية المضطربة التي تعيشها السعودية حاليا، وهي سيولة ذات خطورة عالية إذا ما تم النظر إليها على أنها قد تهدد بناء الدولة السعودية برمته، وربما تقودها لتفكك جغرافي طالما تم الحديث عنه سرا وعلانية. هذا التفسير يستند أيضا لقراءة فاحصة للوضع الاقتصادي الذي تمر به السعودية ودول المنطقة، وارتفاع عجز موازنات الدول النفطية فيها، حيث تشير التقارير الاقتصادية إلى وجود انخفاض كبير في الاحتياطي الأجنبي لدى بعض تلك الدول، مثل البحرين. في الوقت الذي لم تعد واردات بيع النفط تغطي الحد الأدنى من مصروفات الدولة في السعودية، الأمر الذي يجرها لتغطية العجز عبر الاقتراض أو السحب من الصناديق السيادية الخاصة بها.
الاستبدادية المتجددة
نتيجة لذلك، يمكن القول إن أقصى ما يمكن أن تصل إليه الأمور المستعرة كلاميا هي مزيد من التوتر المذهبي والسياسي الذي لا يحتاج لمزيد من الضخ الإعلامي بعد أن أصبح التوتر المذهبي “علامة تجارية” تختص بها دول المنطقة. الخشية إذن تقع في مكان آخر، هو زيادة جرعة الاستبداد السياسي وإنهاء الفرص المتبقية من أمل الديمقراطية.
وهذا ما نجده في اندفاع نظام الحكم في البحرين ناحية البدء في تشكيل محاكم عسكرية لمقاضاة مدنيين وسياسيين تحت عنوان تهم ملفقة تخص الإرهاب، وكذلك في استعداده لفرض قضبة أمنية مشددة تجاه كل ما يخص الحريات العامة وحرية التعبير عن الرأي، على أمل أن يكون صوت النظام هو الصوت الوحيد، وهو الصوت المسموع فقط. وهناك خشية أيضا من إقدام المحكمة العسكرية على إحالة ملف الشيخ علي سلمان إليها، ومحاكمته عسكريا بتهمة تسريب وإفشاء أسرار ومعلومات عسكرية كما صرح بذلك النائب العام في البحرين. والطبيعي في مثل هذه الحال ألا يتم الاقتصار على شخص الشيخ علي سلمان فقط، بل إن تلفيق القضية يحتاج لآخرين من القيادات السياسية المعارضة ومعاونين للشيخ سلمان. والخلاصة هنا، أن زيادة جرعة الاستبداد في البحرين هي ما ستؤول إليه تصريحات الحرب السعودية المقبلة.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)