معتقلون سياسيون في السعودية : محنة مستعرة بين أهواء القضاة وأحكامهم الخاضعة للرغبات

معتقلون سياسيون في السعودية : محنة مستعرة بين أهواء القضاة وأحكامهم الخاضعة للرغبات

منظمات حقوقية دولية طالبت الرياض بوقف تدخل سلطاتها الأمنية والسياسية في مؤسسة القضاء، والحدّ من اتخاذ الأحكام وفق الأوامر والرغبات وبموجب اتهامات لا تمّت الى الحقيقة والواقع بصلة، اذ تم تسليط الضوء عبر عشرات التقارير على عدم عدالة محاكمات المعتقلين والمطالبة بالإفراج عنهم فوراً، بينهم: المدوّن رائف بدوي, المحامي وليد أبا الخير، الكاتب نذير الماجد، الناشط فاضل الشعلة, الحقوقي فاضل المناسف والسجناء الأطفال المحكومين بالإعدام وبينهم علي النمر, عبدالله الزاهر وغيرهم، إلا أن الصمم العارم يجتاح السلطات السعودية التي لا تستجيب للمطالب والدعوات الحقوقية الدولية على الرغم من توقيعها على المواثيق الدولية التي تعنى باحترام حقوق الانسان.
ظروف غامضة، أسباب مُلفقة، وتقاذف اتهامات وافتراءات تتسع رقعتها على مدى خيال السلطات الراغبة في الانتقام من كلِّ معارض، أو صوت حر يطالب بأبسط الحقوق المشروعة.. إنه الحال الذي يعيش تحت وطأته المعارضون في بلاد تحكمها سلطات آل سعود وتبسط نفوذها وسيطرتها على كل ذرة رمل ونسمة هواء في طول البلاد وعرضها، التي باتت تحت رحمة عشرات التشكيلات من الأجهزة الأمنية والعسكرية, والتي يزداد استبدادها ويشتد طغيانها يوماً بعد آخر من أجل تطبيق سياسياتها الانتقامية، بهدف الإبقاء على إمساكها بزمام السلطة والاستئثار بها.. ولعل ما يتأرجح من مفاعيل بين أروقة القضاء وأقبية السجون، أكبر دليل على الممارسات التعسفية لسلطات الرياض بحق المواطنين معتقلي الرأي والسجناء ، السياسيين المعارضين والنشطاء الحقوقيين، الذين يفوق عددهم الـ”30″ ألف معتقل بحسب إحصاءات أهلية غير نهائية. قبل أيام، حلّت الذكرى الـ8، على تأسيس جمعية الحقوق المدنية والسياسية “حسم”، الجمعية التي أسسها 11 ناشطاً حقوقياً وأكاديمياً في العام 2009، للتوعية بحقوق الإنسان، التوعية هذه رأتها السلطات السعودية بأنها خطر يهدد وجودها، ما دفعها الى تضييق الخناق على كوادر الجمعية ثم مطاردة واعتقال كافة مؤسسيها ووضعهم في معتقلات المباحث سيئة الصيت بمدينتي الرياض وجدة. في مارس من العام 2013، أصدرت المحمكة الجزائية المتخصصة، قراراً بحل جمعية “حسم” ومصادرة أملاكها، فيما وُضع أعضاءها خلف القصبان، بتهم فضفاضة، تقاذفتها الأهواء السياسية ضد المؤسسين. وتم وضع كل من “محمد البجادي، صالح العشوان، الشيخ سليمان الرشودي، الدكتور عبدالله الحامد، الدكتور محمد فهد القحطاني، الدكتور عبد الكريم الخضر، عمر السعيد، فوزان الحربي، الدكتور عبد الرحمن الحامد، عيسى الحامد، وعبد العزيز الشبيلي”، بين الزنازين الضيقة والذي نجا من منسوبي “حسم” من الاعتقال بات سجيناً وهو مطلق السراح، بسبب الملاحقات المستمرة والتهديد بالاعتقال في أية لحظة. حسم نموذجاً للاعتقال التعسفي قضية المعتقلين السياسيين لا تقتصر على أعضاء “حسم”، فإن زنازين السجون السيئة الصيت تعجّ بالمعتقلين وفق أهواء وافتراءات ومزاعم السلطات، إذ يعيش المعتقلون حالات قاسية وصعبة، ويعانون من سوء المعاملة التي تشمل كافة المعتقلين على مختلف انتماءاتهم السياسية والمذهبية والمناطقية, حيث تُعتبر قضية “حسم” عينة مُصغّرة تروي بعضاً من معاناة ما يفوق 30 ألف معتقل سياسي يقبعون في أقبية سجون النظام السعودي، أغلبهم لا يزالوا دون محاكمات عادلة أو تهم محددة. ومنذ مطلع الستينات وعلى مدى أكثر من خمسة عقود، ظلّ المعارضون للنظام السعودي يتعرضون لشتّى أنواع التعذيب والإهانات والانتهاكات وفق ما تؤكد مصادر حقوقية، مشيرة إلى أن حالات الاعتقال السياسي، حيث يُحرم المعتقلون من الزيارات العائلية، ويمنعون من التواصل مع عائلاتهم، التي تعيش حالة رعب في غيابهم والسؤال عنهم وعدم الإفادة بأية إجابات من قبل السلطات الأمنية والأجهزة الحكومية المعنية. مصدر حقوقي أوضح لـ”مرأة الجزيرة”، أن المعتقلين السياسييين في الرياض وجدة والدمام والأحساء محرومون من الحقوق المنصوص عليها في القوانين والمواثيق الدولية، إذ يُحرم المعتقلون من تعيين أو الاتصال بالمحامي إلا في مراحل متأخرة جداً وبعد أن يكون السجين قد قضى شهوراً وفي بعض الحالات تتجاوز السنة وربما سنوات تحت سياط التعذيب وضغوط المحققين الذين يرغمون السجناء على توقيع اعترافات منتزعة بالقوة أو التوقيع على أوراق فارغة قبل أن يسمح لهم بالاتصال بعوائلهم أو محاميهم، وبعد توكيل السجين للمحامي يتم التضييق عليه وعدم السماح له بلقاء المعتقل. ويضيف المصدر الذي تحتفظ “مرآة الجزيرة” باسمه ومعلوماته الشخصية: “يتم احتجاز الكثيرمن المعتقلين في الزنازين الانفرادية لمدد طويلة تصل إلى أكثر من سنة، يتعرضون خلال هذه المدة للكثير من ألوان التعذيب بوسائل نفسية وجسدية، تنتهك كافة المعايير والتشريعات في النصوص القانونية والدولية”. غياب العدل في ظل حكم آل سعود وعلى قاعدة الأهواء السياسية، فإن المحاكم وقاعاتها تشهد على مزاجية القضاة وخضوعهم لسلطة الملك ووزارة الداخلية، واستصدار أحكامها على أسس أمنية وسياسية، دون الإلتفات إلى شرائع وقوانين موضوعة تؤكد أن “العدل أساس الملك”، فلا ملك يبقى ولا عدل يُطبق في ظلّ نفوذ آل سعود وسطوتهم، الذين يحكمون بحدّ “السيف” على كل مَنْ خالفهم الرأي أو المعتقد أو عارضهم في الموقف والمنهج السياسي. مصادر حقوقية تؤكد انحياز السلطات القضائية إلى المحاكمات السرية والصورية الفاقدة لأدنى معايير العدالة وأبسط المظاهر الحيادية، فهي تنفذ أوامر أمراء الأسرة السعودية المافذين في الأجهزة الأمنية أياً كان اسمها وشكلها، حيث يؤكد مراقبون أن انشاء جهاز أمن الدولة وتقلص صلاحيات وزارة الداخلية، وما سبقه من الغاء مسمى الادعاء العام وانشاء النيابة العامة واستحداث مسمى النائب العام وربط مرجعيته بالديوان الملكي مباشرة لم يُحسّن من أوضاع القضاء أو السجون بل زادها سوء وتدهوراً.. فلا زالت ممارسات وأحكام القضاة تصدر استجابة لرغبات الأمراء والأجهزة الأمنية والعسكرية, حيث يعمد قضاة المحاكم إلى مساءلة السجناء وإصدار الأحكام بحقهم استناداً الى اعترافات ملفقة انتزعت منهم تحت التعذيب. وتكشف المصادر الحقوقية المحلية والتقارير المتتالية الصادرة عن المنظمات الدولية أن قضاة المحاكم السعودية إن لم يحكموا استنادا لأوامر سياسية فإن مزاجيتهم وأهوائهم النفسية وانتماءاتهم العقدية للسلفية الوهابية المتطرفة تتمظهر في الأحكام، التي تتباين أحجامها في قضايا متماثلة. غالباً بسبب اختلاف الانتماء المذهبي أو المناطقي للسجناء. أزمة الاعتقال السياسي في الرياض، ترتفع خطورتها باضطراد، مع استمرار نفوذ وتأثير السلطات السياسية والأمنية على المحاكم التي لا تتمتع بالاستقلالية، اذ يرى المراقبون أن المحاكمات الصورية التي يتعرض لها معتقلوا الرأي والسجناء السياسيون ونشطاء حقوق الانسان في المحاكم الجزائية المخصصة للنظر في قضايا الإرهاب, حيث تتم عملية تمرير الاتهامات الملفقة والفضفاضة ضد المعارضين ودعاة الحريات والحقوق المدنية، تشي بالشكل الذي تتغلغل فيه أذرع الأجهزة الأمنية والسياسية في مؤسسات القضاء, وتُعرّي سيطرتها على آراء القضاة وقراراتهم وأحكامهم النهائية، وهو ما تمظهر عبر أحكام ما عُرف “بخلية الكفاءات” الذين اتهموا بالتجسس لصالح الجمهورية الإسلامية في إيران وكيفية محاكمة عناصرها، وقبلهم محاكمة الرمز الشيعي الشهيد الفقيه الشيخ نمر باقر النمر الذي أقدمت سلطات الرياض على إعدامه في 2 يناير 2016 متحدية كل الدعوات والمناشدات الدولية التي أكدت أن “النمر” كان داعية حقوق ومناضل سلمي طالب بالكرامة والحرية والعدالة ولم يدعو أو يتورط في أي أعمال عنف.. وكذلك محاكمة النشطاء والكتاب عبر قاعات المحكمة المستحدثة للإهابيين، على الرغم من أن أروقة هذه القاعة لم تشهد محاكمة أي من المتورطين في الأعمال الإرهابية أو المتهمين بالانتماء لتنظيمي القاعدة و”داعش”. وكانت منظمات حقوقية قد طالبت الرياض بوقف تدخل سلطاتها العسكرية والأمنية والسياسية في مؤسسة القضاء، والحدّ من اتخاذ الأحكام وفق الأوامر والرغبات وبموجب اتهامات لا تمّت الى الحقيقة والواقع بصلة، اذ تم تسليط الضوء عبر عشرات التقارير الدولية على عدم عدالة محاكمات الكثير من المعتقلين والمطالبة بالإفراج عنهم فوراً، منهم على سبيل المثال لا الحصر المدوّن رائف بدوي ووليد أبا الخير، ونذير الماجد، والسجناء الأطفال المحكومين بالإعدام بينهم علي النمر, عبدالله الزاهر وغيرهم، إلا أن الصمم العارم يجتاح السلطات السعودية التي لا تستجيب للمطالب والدعوات الحقوقية الدولية على الرغم من توقيعها على المواثيق الدولية التي تعنى باحترام حقوق الانسان.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)