تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة (ص) خلال شهر رمضان المبارك،، الدرس الرابع والعشرون

تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة (ص) خلال شهر رمضان المبارك،، الدرس الرابع والعشرون

تدبرات سماحة المرجع الديني آية الله العظمى المدرسي في سورة (ص)
شهر رمضان المبارك / 1435
الدرس الرابع والعشرون

بسم الله الرحمن الرحيم
[هذا وَ إِنَّ لِلطَّاغينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (56) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَميمٌ وَ غَسَّاقٌ (57) وَ آخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (58) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (59)قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (60) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (61)] صدق الله العلي العظيم
من اهم ما يستفيده المؤمن من القرآن الكريم هو ان يستفيد من كتاب الله مرآةً لاعماله وسلوكياته، لرؤيته تجاه الحياة وطريقته في التعامل معها.
فالانسان غافلٌ -في الغالب- عن اثار اعماله وردود افعاله التي يقوم بها، فهو يعلم اثر تحريكه ليده، لكنه لا يعلم -مثلاً- الاثار المترتبة على اكله للمال بالباطل، حيث تكون الاثار غير مباشرة. والقرآن الكريم هو تلك المرآة التي يمكن للمرء ان يعرف من خلالها ماذا يفعل، وما هي الاثار المترتبة عليها.
ومن الابعاد التي يظهرها القرآن الكريم -ومنه سياق هذه الايات- حالة فقد الانسان لاستقلاليته التي منحه الرب، وهذه اسوء حالة يبتلي بها الانسان، فهو يملك القلب ولكن لا يفقه به، ويملك العين ولكن لا يبصر بها، بل يجعل قياده في يد غيره ويسلم له في كل اموره من دون تعقل.
هذا ما ينقله لنا التاريخ عن اولئك النفر الذين باعوا انفسهم واهليهم بل ودينهم للطغاة والظلمة، مثل حميد بن قحطبة الذي ينقل التاريخ انه باع دينه للسلطان بقلته لستين علوياً من ولد عليٍ وفاطمة عليهما السلام .
[هذا وَإِنَّ لِلطَّاغينَ لَشَرَّ مَآبٍ]
بعد بيان منازل المتقين، يشرع السياق في موضوع جديدٍ مبقياً على الحقائق السابقة، بالقول (هذا).
والحديث عن مصير الطاغين، المقابل لوعد الله سبحانه للمتقين، ولكن من هو الطاغي؟
الطاغي هو المنحرف الذي يدعو الاخرين للانحراف ويحملهم على ذلك، فقد يكون الواحد فاسقاً لنفسه، ولا شأن له بالاخرين ، ولكن ان يكون فاسقاً ودعى الاخرين الى فسقه فسيكون طاغوتاً.
لهؤلاء اسوء مرجع، وشر عاقبة ، فما هي صفات مئآبهم؟
[جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ]
اولا: انهم في نارٍ كثير (جهنم) ويباشرون تلك النار ويذوقونها (يصلونها)، فقد يكون الانسان بعيداً عن النار ومتأثراً بحرارتها، ولكن الصلي يعني مباشرة النار لاجسادهم، بصورة مستمرة.
وكذب من زعم من الفلاسفة ان اهل جهنم سيعتادون على النار وسيتعذبون العذاب فيها، بل عذاب الله جديدٌ متجدد للطاغين، لا يقل ولا يعتاد عليه الانسان ابداً.
على المؤمن ان يستفيد من ليالي شهر رمضان المبارك الختامية ليخلص نفسه من عذاب الله وناره، وكما في الدعاء (ان تمن عليّ بفكاك رقبتي من النار فيمن تمن عليه).
ثانياً: ان محل تواجدهم سيكون سيئاً جداً (فبئس المهاد)، فالمهد هو المكان المعد لاستقرار الانسان بعد وطئه، ولكن مهاد جهنم هو بئس المهاد، في مقابل موضع اتكاء المتقين في الجنة.
(هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَميمٌ وَغَسَّاقٌ )
وردت لفظة هذا لتنبيه الانسان، وتذكر ما سيرد بعده من صفات مئآب الطغاة.
ثالثاً: من يصلى النار او يعاني من جراحة او يلاقي الحر الشديد، يعطش بطبيعة حاله، فيطلب الماء، وهذا حال اهل جهنم، الذي يتوسلون للحصول على شربة ماء، ويأتيهم الشراب ولكن شرابهم حميمٌ وغساق.
والحميم هو الماء الحار جداً، الذي يستاقط بحرارته جلد وجه شاربه، ورغم ذلك يشربه الطاغي فيحترق جوفه، والغساق هو ما يسيل من الصديد بسبب الجراحات، فشرابهم حارٌ جداً ونتنٌ في نفس الوقت.
( وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ * هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ)
في البدء يدخل الطغاة في نار جهنم، ويعذبون فيها بما ذكرته الايات، ومن بعدهم يأتي الدور لمن تبعهم من الناس، فانحرفوا بانحرافهم وتوجيهاتهم.
من انواع العذاب في جهنم هو النزاعات والصراعات الموجودة فيه بين الكافر وقرينه الشيطان من جهة، وبينه وبين الاخرين من جهة اخرى.
وحين يأتي الدور لادخال الفوج الثاني (التابعين) يكون ادخالهم بصورة الاقحام، وللاقحام معنيين، احدهما ادخال الرمح في اللحم، كما هو مروي عن النبي – صلّى اللّه عليه وآله-: وأنّ النّار تضيق عليهم، كضيق الزّجّ بالرّمح. والاخر هو ادخالهم في النار كإدخال الوتد في الجدار، وذلك يظهر مدى ضيق المكان وكثرة المعذبين فيه، بعكس الجنان الرحيبة.
وبإدخال الفوج مع الطغاة يبدأ عويل الطغاة واعتراضهم على دخولهم بالقول (لا مرحباً بهم) . واساس كلمة (مرحباً) يستخدمها العرب لاستقبال الضيف معلنين عن وروده محلاً رحيباً يسعه، ولكن اهل النار يعلنون عدم وجود مكان لنزلاء جدد في النار.
(قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ)
وهنا يبدأ النزاع من قبل الاتباع، حيث يهاجمون الطغاة بالقول وتحميلهم مسؤولية وقوعهم في النار.
وقد يمكن للمرء ان يتصور موقفهم، بمشاهدة قاعة محاكمة عصابة المجرمين، الذين يترامون مسؤولية جرائهم على بعضهم البعض.
ولكن ترامي المسؤولية لن يجديهم نفعاً، فهم في محلٍ سيء وبشكل دائم (فبئس القرار).
(قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ)
وحيث يشتد التخاصم والنزاع، يدعوا التابعين، الله سبحانه، بأن يضاعف العذاب على من كان سبباً في دخولهم نار جهنم.
وصل اللهم علی محمد وآله الطیبین الطاهرین.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)