تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة (ص) خلال شهر رمضان المبارك،، الدرس الثالث والعشرون

تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة (ص) خلال شهر رمضان المبارك،، الدرس الثالث والعشرون

تدبرات سماحة المرجع الديني آية الله العظمى المدرسي في سورة (ص)

شهر رمضان المبارك / 1435

الدرس الثالث والعشرون

بسم الله الرحمن الرحيم

[هذا ذِكْرٌ وَ إِنَّ لِلْمُتَّقينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (50) مُتَّكِئينَ فيها يَدْعُونَ فيها بِفاكِهَةٍ كَثيرَةٍ وَ شَرابٍ (51) وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (52) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (53) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (54)] صدق الله العلي العظيم

مئاب المتقين

بعد ان ردت الايات المباركة شبهة الكفار التي اعلنها مشركو قريش، تلك التي اشتهرت في اوساطهم، تسوق الايات الحديث عن المتقين، في مقابل اولئك الذين طالبوا بتعجيل ما يوعدون قبل يوم الحساب، فما هو جوهر الاختلاف بين هذين الفئتين؟

للاجابة على هذا السؤال لابد من ذكر حقيقة على نحو التقديم:

كلما اتسع افق الانسان واستطاع ان يرى المستقبل بعقله، وتمكن من التخلص من الفواصل الزمانية المحددة للرؤية، اقول كلما ازداد ذلك، زاد تكامله وتقدمه.

فالطالب الذي يرنو ببصره منذ الصف الاول نحو اعلى شهادة، فإنه سيكون اقدر على بلوغها ممن لم ينظر الى المستقبل، وكذا التاجر الذي يروم الوصول الى ثروة هائلة منذ بدئه بالاتجار، سيتقدم في التجارة اكثر من غيره.

واذا استطاع احدٌ على ان يتجاوز بنظرته الدنيا الى الاخرة، فإنه سيكون اكثر قرباً الى الحقائق ويقيناً بها.

للمتقين صفة كهذه، اي يجاوزون بابصار قلوبهم الى الاخرة، اذ هم في النقطة المقابلة للشبهة التي طرحها المشركون الذين ارادوا كل شيء في دار الدنيا؛ حيث لا يريد المتقي جزاء اعماله في الدنيا فحسب، بل يعمل من اجل حصوله على الجزاء الاوفى في الاخرة، حيث النعيم الكامل والدائم.

[هذا ذِكْرٌ]

حينما يريد السياق القرآني الانتقال من موضوع الى اخر يستعمل كلمة (هذا) او عبارة (هذا ذكرٌ) ومعنى ذلك انه يريد ابقاء تلك الحقيقة في ذهن المتلقي والشروع ببيان حقيقة اخرى.

[وَإِنَّ لِلْمُتَّقينَ لَحُسْنَ مَآبٍ]

تأكيدٌ يتلو التأكيد بحسن مستقبل المتقي، فالاول (ان) والثاني (اللام)، فما هو المراد من حسن المئاب؟

كلمة (المئاب) من آبَ، يؤوب، تشابه لفظ (المرجع)، فحين يقول الانسان (انا لله وانا اليه راجعون) فهو يعني ان مئابه الى الله سبحانه وتعالى.

ومن هذه الكلمة نستفيد حقيقة وجود الانسان في عالمٍ اخر، جاء منه وسيعود اليه، وان لم يكن كذلك لما صح رجوع الانسان الى العالم الاخر، او هل يرجع الانسان الى مكان لم يكن فيه من قبل؟

فجاء الانسان من عالمٍ سيعود اليه بعد ان تنتهي مدة اختباره، كما يذهب احدنا لقاعة الامتحان لفترة معينة ثم يعود منها.

ومجيء الانسان من عالمٍ اخر، لا يعني كونه ازلياً، بل هو مخلوقٌ لله سبحانه وتعالى، ولكن كانت خلقته في عوالم سبقت عالمنا هذا، فمن عالم الاشباح الى عالم الذر الى عالم الاصلاب الى الارحام ومن ثم الى الدنيا.

اذاً، فللمتقين مرجعٌ حسن، يسعون من اجل الوصول اليه بعد دار الدنيا، ولكن ما هي صفات هذا المئاب؟ الايات التالية كفيلة ببيان بعض صفاته:

[جَنَّاتِ]

اولاً: هي جنات، جمع جنة، اي البستان كثير الشجر الذي يستر باشجاره الارض.

[عَدْنٍ]

ثانياً: الجنة المتقي في الجنة خالدة، بمعنى خلودها من حيث الخضرة والجمال، حيث لا تعتريها فصول الخريف او الشتاء، بل هي في ربيع دائم، وتعني ايضاً خلود المتقي فيها.

[مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ]

ثالثاً: ان ابواب جميع النعم مفتوحةٌ امامهم، وجائت كلمة (مفتحّة) بالشدة، لتدل على ان فتح الابواب ليس فتحاً جزئياً، بل ان ابواب النعم مشرعة على مصراعيها من اجل المتقين.

[مُتَّكِئينَ فيها]

رابعاً: لا ينالهم في الجنة تعب عملٍ، او نصب جهد، فهم فيها في راحةٍ تامة، اذ لا تكليف عليهم من عند الله هناك، فهم في حالة اتكاء واستراحة.

[يَدْعُونَ فيها بِفاكِهَةٍ كَثيرَةٍ وَ شَرابٍ] 

خامساً: تفكه المؤمن المتقي في الجنة بفاكهة كثيرة، حيث يكون ذلك حين الشبع من الطعام الاصلي، ومطالبته بالفواكه والاشربة.

ولفظة الشراب، وردت محلاة بالالف واللام، وذلك يدل على العموم، فيشمل كل انواع الشراب التي يتصورها الانسان.

[وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ]

سادساً: لا تقتصر لذة المؤمن في الجنة على الطعام والشراب والراحة، بل له فيها ازواجٌ مطهرة، وتذكر الاية صفتين اساسيتين لزوجات المتقي في الجنة:

الاولى: انهن قاصرات الطرف، اي ان اعينهن تكون الى الارض، كنايةً عن اهتمامهن بزواجهن دون التفكير في غيره.

الثانية: اتراب: جمع الترب، وتعني الكلمة التساوي في الطول، او التساوي في العمر، وحتى قد تعني المساواة في الاذواق بين المتقي وزوجته، فهن قريبات من ازواجهن من كل النواحي الظاهرية والباطنية.

[هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ] 

هذا هو وعد الله سبحانه وتعالى للمتقين الذين لم ينسوا يوم الحساب، وعملوا من اجله، ولم يستعجلوا النتائج قبل يوم الحساب، كما ذكرت الايات الاولى من السورة كلام المشركين.

ومما تفيده عبارة (يوم الحساب) ان كل عملٍ يعمله المتقي سيكون جزاءه معيناً، فلا يعني دخول الانسان في حزب المتقين انه سيكون متساوياً مع الاخرين، بل سيكون ذلك رهن عمله في سبيل الله في دار الدنيا، فقد يكون للمتقي عشر جنات، وللاخر مئة، وهكذا في سائر الامور.

[إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ]

انه نعيمٌ من عند الله سبحانه وتعالى للمتقين، ومحدودٌ من حيث الكمية، فماذا عن مدته ؟ 

الاية تجيب على انه دائمٌ لا يزول، فهو رزقُ الله ما له من نفاد.

وصل اللهم علی محمد وآله الطیبین الطاهرین.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)