تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة (ص) خلال شهر رمضان المبارك،، الدرس التاسع عشر

تدبرات سماحة المرجع المدرسي في سورة (ص) خلال شهر رمضان المبارك،، الدرس التاسع عشر

تدبرات سماحة المرجع الديني آية الله العظمى المدرسي في سورة (ص)

شهر رمضان المبارك / 1435

الدرس التاسع عشر

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ(36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ(37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ(38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(39)

 

ولقد فتنّا سليمان:

بالرغم من أنّ سليمان (ع) كان نبياً وكان في تلك المنزلة العظيمة التي يصفها القرآن الّا أنّ الرب المتعال امتحنه ايضاً. لأنّ الامتحان يكشف للانسان نواقصه وبعد اكتشافها والانابة الى الله يتسامى مقام العبد.

لأنّ تلك القلوب المنكسرة حين تندمج مع التوبة تحُدث عن الانسان تغيير جذري ومن هنا نجد أنّ الانبياء اجتباهم الرب بعد امتحانهم بتلك الامتحانات الصعبة كما يقول الله تعالى:[ وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمينَ] البقرة124

فمن القاءه في النار وتركه لاهله بوادي غير ذي زرع او امره بذبح ابنه وبعد كلُّ تلك الامتحانات جعل الله ابراهيم (ع) اماماً.

وهذا ما حدث لسليمان (ع) الذي كان هبة الهية لداوود كما يقول الرب المتعال: [وَ وَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب] ص30

والسبب من الهبة الالهية هو أن كل انسان يتمنّى أن يستمر ما يعمله من الخير و داوود (ع) كان قد بنى حكومة الهية وكان دعاءه عدم زوال هذا الحكم الالهي، فوهبه الله سليمان (ع) ليتحقق مُراده.

وسليمان أيضاً كان له ذات الدعاء ومن أجل ذلك أراد أن يكون له ولداً صالحاً ليخلفه في ملكه لكنّه لم يحصل على ذلك رغم زواجه من عدّة زوجات.

هُنا فكّر سليمان (ع) أنّ عدم حصوله على الابن كان امّا بسبب عدم المصلحة في استمرار الحكومة الالهية وهو لم يُدرك تلك المصلحة او أنّ ذنباً قد اقترفه حال دون استجابة دعاءه، فاستغفر ربّه واناب اليه.

ونستفيد من ذلك أنّ الانسان اذا لم يُستجاب دعاءه عليه أن يتّهم نفسه ويعلم أنّ هناك تقصيراً ما في أعماله.

وعند ذلك اناب سليمان (ع) الى ربّه يقول ربّنا تعالى: [وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ].

ومعنى الجسد كناية عن الابن الميت وقد اعتبر موقفه هذا- وهو النبي- زللا، وأن هذه فتنة عليه أن يتجاوزها بالدعاء والاستعانة باللّه، لأنه علم أن عدم تحقيق اللّه لامنياته يدل على أن ذلك ليس من المصلحة أبدا.

لأنّ الانسان لا يعلم مصلحته بل أنّ الرب هو اعلم بمصلحة الانسان ولذلك دعى أن يكون مُلكه بحيث لا ينبغي لاحد من بعده يقول تعالى: [قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ].

والعلاقة بين طلب الولد وبين دعاءه بالمُلك الذي لا ينبغي لأحد من بعده هي أن تبقى الأجيال تذكره فبدل أن يستمر ولده للحكومة دعا من الرب أن يجعل حكومته بحيث تُذكر على مدى الاجيال.

ونستفيد من ذلك عدّة بصائر للدعاء ومناجاة الرب المتعال:

اولاً:كلّما استغفر اللسان وانكسر القلب وخشعت الجوارح كما الجوانح وجرت الدمعة فدونك دونك ولا يكون دعاءك بالاستغفار فقط بل ادعو أن تتكامل اكثر مما سبق.

ثانياً:على الانسان أن لا يطلب شيئاً قليلاً لقصر نظره وضعفه وعلى العكس من ذلك فالله تعالى هو الوهّاب يرزق من يشاء بغير حساب دون أن ينقص من ملكه شيء.

 

عجوز بني اسرائيل:

يُروى أنّ رسول الله (ص) نزل على رجل في الجاهلية فأكرمه ولمّا بُعث (ص) قيل للرجل يا فلان، ما تدري من هذا النبي المبعوث؟ قال:

لا. قالوا: هو الذي نزل بك يوم كذا وكذا، فأكرمته فأكل كذا وكذا.

فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله، تعرفني؟

فقال: من أنت؟

قال: أنا الذي نزلت بي يوم كذا وكذا، في مكان كذا وكذا، فأطعمتك كذا وكذا.

فقال: مرحبا بك، سلني.

قال: ثمانين ضائنة برعاتها.

فأطرق رسول الله صلى الله عليه وآله ساعة، ثم أمر له بما سأل، ثم قال للقوم: ما كان على هذا الرجل أن يسأل سؤال عجوز بني إسرائيل؟

قالوا: يا رسول الله، وما سؤال عجوز بني إسرائيل؟

قال: إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى صلى الله عليه أن يحمل عظام يوسف عليه السلام، فسأل عن قبره فجاءه شيخ فقال: إن كان أحد يعلم ففلانة، فأرسل إليها فجاءت، فقال: أتعلمين موضع قبر يوسف؟ فقالت: نعم.

قال: فدليني عليه ولك الجنة. قالت: لا والله لا أدلك عليه إلا أن تحكمني.

قال: ولك الجنة. قالت: لا والله لا أدلك عليه حتى تحكمني.

قال: فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: ما يعظم عليك أن تحكمها؟ قال: فلك حكمك. قالت: أحكم عليك أن أكون معك في درجتك التي تكون فيها.

قال: فما كان على هذا أن يسألني أن يكون معي في الجنة» بحار الانوار ج 7: 40/ 10.

 

لماذا لم يطلب مثل طلبها؟ اطلبوا كثيراً.

وهكذا طلب سليمان من الرب مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، وقال مخاطباً ربّه [إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ].

وهكذا نتعلم من مضامين الادعية كيف ندعوا؟ وماذا ندعوا؟ على سبيل المثال احدى الامور التي ينبغي ان ندعوا بها هي طلب العافية الذي تعني آلاف النعم وكما يقول أمير المؤمنين (ع) [سلوا الله سبحانه العفو والعافية وحسن التوفيق] غرر الحكم و درر الكلم، ص: 401.

هُنا يُطرح سؤال عن سبب طلب النبي سليمان اختصاصه بالمُلك دون احد بعده؟

والجواب أنّه طلب وصوله الى الدرجة العليا من الملك لا ينفي عن احد ذلك الملك كما يختصّ النبي (ص) بمنزلة الوسيلة وهي اعلى مرتبة ينالها أي مخلوق، فاثبات الشيء لا ينفي ما عداه.

فاستجاب له الرب المتعال [فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ]

فهي تجري كيفما يريد، وأينما يريد وجاء في تفسير علي بن إبراهيم حديث مأثور عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال: «خرج سليمان بن داود من بيت المقدس ومعه ثلاثمائة الف كرسيّ عن يمينه عليها الانس، وثلاثمائة الف كرسي عن يساره عليها الجن، وأمر الطير فأظلتهم، وامر الريح فحملتهم حتى ورد ايوان كسرى في المدائن، ثم رجع فبات بإصطخر، فاضطجع ثم غدا فانتهى إلى مدينة بركاوان، ثم أمر الرياح فحملتهم حتى كادت اقدامهم يصيبها الماء، وسليمان على عمود منها، فقال بعضهم لبعض:

هل رأيتم ملكا قط أعظم من هذا أو سمعتم به؟ فقالوا: ما رأينا ولا سمعنا بمثله، فناداهم ملك من السماء ثواب تسبيحة واحدة في اللّه أعظم مما رأيتم. نور الثقلين/ ج (4)/ ص (459).

[وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ]

ففي البرّ والبحر كان الشياطين يعملون لسليمان فكان(ع) يوزع المهام على الشياطين، فيعملون كيفما يريد، ومن يتمرد فانه يجازى بالسجن.

[وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ]

ثم يقول ربّنا: [هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ]

وهذه مرتبة مرتبة التفويض الذي اعطاها الله لسليمان (ع) وهي المرتبة التي اعطاها الله للائمة المعصومين (ع) ولا مجال الآن للدخول في تفاصيلها.

وصل اللهم علی محمد وآله الطیبین الطاهرین.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)