هل كان اجتياح العوامية هو الحل الوحيد؟!!

هل كان اجتياح العوامية هو الحل الوحيد؟!!

بقلم: محمود البقشي
انتهت معركة العوامية بأضرار وخسائر جسيمة تكبدها مثلث المعركة الدامية المتمثل في المدنيين العزل أولاً والمطاردين الذي اضطر بعضهم لحمل السلاح إضافة إلى عناصر القوات السعودية في قاعدة المثلث, والضحايا بأي حال من الأحوال مواطنون وقبل ذلك بشر لهم أسر وعوائل ولهم من يُحبهم ويبكي متألماً لفقدهم.
واذا أهملنا الخسائر المادية (تجاوزا) فإن الخسائر في الأرواح البشرية لاسيما بين صفوف الأهالي العزل وبينهم الأطفال والنساء مؤلمة وغالية جدا عند اهلها وعند الوطن، فهل كان هناك ثمّة مخرج آخر للأزمة لو عُمل به لجنب الوطن هذه الخسائر والآلام التي لا يُمكن أن تُنسى والتي لابد وان تساهم بتعميق الشرخ المتزايد تصدعاً بين أطياف المجتمع والنظام؟!
من خلال مجريات المعركة الميدانية والاحداث المصاحبة لها يبدو للمراقب ان لهذه المعركة أهداف أخرى غير القبض على المطاردين سواء مَنْ حمل السلاح منهم ومَنْ لم يحمله، وبعض هذه الاهداف محلي التوجه وبعضها عابر للحدود وان شعار “القضاء على المسلحين” او “تطوير المسورة” لم يكونا أهم أهداف هذه المعركة المُكلفة والمُؤلمة.
الوقائع تشير إلى أن القوات السعودية اغتالت العدد الأكبر من المطاردين خارج نطاق العوامية إما بتفجير السيارة التي كانوا يستقلونها في وسط القطيف أو باستدراج البعض الآخر من خلال تتبع وكشف (معلومات) ميدانية واستخباراتية والاستفراد بهم بعيدا عن مناطق الاكتظاظ السكاني وقتلهم بعيداً عن الأعين ودون التسبب في الأذى لبقية الأهالي.
فيما لجأ عدد آخر من المطلوبين على لوائح الداخلية والمختفين عن الانظار منذ اكثر من 5 سنوات لتسليم أنفسهم طواعية بعد جهود أهلية ورسمية منحتهم بصيص أمل في معاملة عادلة وانحيازاً من المطلوبين أنفسهم إلى تجنيب العوامية وأهلها المزيد من الأوجاع والمعاناة بحجة البحث عنهم واعتقالهم.
الأمر الذي يشير إلى ان هناك سبل للوصول إلى حلول وتسويات ومعالجة الأزمة والاستجابة للمطالب الشعبية عبر استراتيجيات مغايرة للقبضة الأمنية والمعالجات العسكرية الدامية التي لجأت اليها السلطة, وكانت هذه السبل كفيلة بانهاء التوتر والاحتقان وتحقيق الأهداف في الاستقرار والأمن بأقل الخسائر بين المدنيين, وأيضا بأقل تكلفة في البنية التحتية ومساكن ومزارع وأملاك المواطنيين التي تمّ هدمها او حرقها او اتلافها حتى في المناطق المحيطة بالمسورة او خارج العوامية نفسها، فلماذا كان الإصرار على إخراج هذه الحملة العسكرية بهذه الصورة الكارثية والبشعة والمدمرة؟!
يستطيع المتتبع للأحداث في المنطقة ـ باحث أو مهتم ـ بكل يسر أن يرصد التصاعد المتسارع، الذي تنتهجه السلطة السعودية، في مستوى التدمير الممنهج للبيئة البحرية والزراعية والثقافية والتضييق المستمر على أبناء الطائفة الشيعية في القطيف وتوابعها, والذي شمل التعليم والوظائف وممارسة العقيدة، وخصوصاً خلال العقود الأخيرة، وحرمانهم من التنمية عن طريق تجاهل حاجة المنطقة للمشاريع والخطط التطويرية ذات الثقل التجاري والمدني والتي تعد من أهم الأسس في تطوير وتحسين أوضاع المجتمعات وتوجيه طاقاتها في خدمة بلادهم. ويجمع الباحثون على أن هذا المنهج بغض النظر عن تسارعه أو تباطؤه تبعاً للحالة الإقليمية والداخلية ما انفك يُمارس بخطى ثابتة منذ تولي الملك عبدالعزيز مقاليد الحكم من العثمانيين.
وهنا كان لا بد من دراسة (رسالة النصر) التي تعقب المعركة ( بالعادة) لتكشف أهدافها الحقيقية، فلو اكتفت القوات السعودية بتجول قائد المعركة اللواء العصيمي داخل قلب ازقة المسورة الضيقة لكنا اقتنعنا على مضض بأن الهدف هو القضاء على من تصفهم السلطة بـ(المسلحين)، لكن رسالة (النصر) الأخرى أظهرت تشفياً متعمداً وصارخاً ومهيناً ومدنساً لرموز ومقدسات هذا المجتمع الدي جرت المعركة على أرضه لاخضاعه وكسر إرادته في الحياة ومطالبته بحقوقه المشروعة، من خلال اظهار الجنود المقاتلين المدججين بالعتاد والأسلحة بتسريب متعمد لصور ومقاطع تطغى عليها الطائفية المقيتة بأبشع وأسوء صورها. وقد رافق هذا التسريب اطلاق العنان للانفلات الإعلامي والأخلاقي في مواقع التواصل الاجتماعي بإستخدام أقذع وأسوء الكلمات والمصطلحات البذيئة والخادشة والمهينة والمتشفية من المكون الشيعي في هذا البلد.
كل هذا يشير بوضوح لوجود حاجة ماسة وغير معلنة لدى السلطة لافتعال معركة العوامية والتي يخشى المراقبون أن تتبعها معارك في بلدات مجاورة شيعية أخرى لتسجيل نصر وهمي يهدف لإعادة لملمة وتوحيد الجبهة الداخلية للمكون السني والقبلي الناقم من تردي الأوضاع الاقتصادية والخدمية الداخلية, وتفاقم الأزمات الخارجية المتردية, فأرادت السلطة إلهاء السنة وإرضائهم من خلال توجيه اهتمامهم لمعركة طائفية بامتياز، إلى جانب الحاجة الماسة ايضا لهذا المحور اقليميا أن يسجل انتصارا ما على المحور الآخر بعد الهزائم المتتالية في الجبهات الاقليمية المتعددة ومن اجل رفع المعنويات والنفسيات المنهزمة وايضا لكي يدون في هذه الصفحة من ملف هذا التأريخ المأزوم (وعدلنا ميل الموصل فاعتدل).

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)