4370 موقعاً أثرياً في خمس محافظات تتعرض للتخريب والتهريب!

4370 موقعاً أثرياً في خمس محافظات تتعرض للتخريب والتهريب!

 

حسين عمران 

 

اليوم… يحق لنا أن ندق ناقوس الخطر لنعلن ربما للمرة الألف إن آثار العراق في خطر… في خطر… في خطر!

نعم… نحن نعلم أن صوتنا المدوي هذا وتنبيهنا الصارخ سيذهب أدراج الرياح، لأننا سبق وأن نوَّهنا وكتبنا وصرخنا بأن آثار العراق في خطر، لكن لا أحداً سمع صوتنا، ولا أحداً انتبه لصراخنا، وها نحن اليوم نكرر صرختنا ونرفع صوتنا عالياً عسى ولعل تنتبه الجهات المختصة للخطر المحدق بآثار العراق.

وقبل أن أحدثكم عن آثار العراق، لابد من القول إن المتحف العراقي يعدّ الأقدم في المنطقة والعالم، حيث تأسس في عام 1923، وافتتح فعلياً في 1966.

 

متحف لم يعرف الإغلاق منذ افتتاحه إلا في 1991، عندما سقطت قذائف القوات الأمريكية في عام 1990فتم إغلاقه احترازياً، قبل أن يتحوّل المتحف العراقي العريق هذا إلى أثر بعد عيـن، عقب الغزو الأمريكي في عام 2003 وإلى مرتع للصوص عالميين، فكيف تم ذلك، وما الآثار التي تم سرقتها من المتحف،وكم عددها،وهل حقاً تمكنت وزارة السياحة والآثار من استعادة بعض آثارنا المسروقة؟ 

سنتعرف على كل ذلك في تحقيقنا الموسع هذا، الذي من خلاله سندق مرة أخرى نواقيس (ولا نقول ناقوس) نقول نواقيس الخطر عسى ولعل أحداً من المتخصصين يسمع صراخنا!

 

آثار خمس محافظات في خطــر

 

في البدء أقول إن بداية فكرة تحقيقي هذا هو خبر لوزارة السياحة والآثار حيث أعلنت عن تعرض أكثر من 4370 موقعاً أثرياً تتوزع في خمس محافظات شملت الموصل وديالى وكركوك والأنبار وصلاح الدين للتخريب والتهريب المنظم من قبل عصابات الآثار الدولية والإقليمية وحتى المحلية، إضافة الى الأضرار المادية الناجمة عن العمليات العسكرية.

 

إذن… هو اعتراف صريح من وزارة السياحة والآثار بتعرض آلاف من مواقعنا الآثارية الى التخريب، لكن ماذا عن التخريب الذي حدث في الأسبوع الاول من الاحتلال الأمريكي للعراق؟

 

تعالوا أحدثكم عن ذلك وبالتفصيل الدقيق ومنذ يوم العاشر من نيسان 2003 حيث ذكر المرحوم دوني جورج مدير المتحف الوطني خلال محاضرة ألقاها في نيسان من عام 2003 بأن شهودَ عيانٍ قالوا إن مجموعة من 400 شخص مسلحين وتحت أنظار وحماية دبابة أمريكية، قامت تلك المجموعة باقتحام المتحف العراقي من ثلاثة أماكن مستهدفة مخازن التحف الآثارية التي تحوي آثاراً”وتحفاً معينة إضافة الى سرقة السجلات والوثائق الخاصة بالآثار السومرية والبابلية! 

وأضاف السيد دوني أنه وحسب التحقيقات التي أجراها وزملاؤه المتخصصون بعمل الآثار في 13/4/2003 أي بعد يومين من السرقة أثبتت ان السرقة كانت عملية منظمة وليست عشوائية او نتيجة اعمال شغب، وأن مَن قام بها مافيا كبيرة إذ أن قطعاً أثرية عديدة وصلت بعد أقل من أسبوعين من السرقة الى أمريكا وأوروبا، مضيفا”إن اللصوص فتحوا خزانة كانت فيها مجاميع من الأختام لكنهم اختاروا منها 9 قطع فقط وهي الأغلى فاستنتجنا ان هناك تحضيراً وترتيباً مسبقاً للسرقة! وفي هذا السياق يؤكد عالم الآثار العراقي”رائد عبد الرضا (أن أعمال النهب دامت يومين (الخميس والجمعة في العاشر والحادي عشر من نيسان) وإضافة الى (الحواسم) كان هناك لصوص محترفون وخبراء وقد رأيت بعضهم يعتني بالتحف بمهارة المحترفين خوفاً”من أن تصاب بعطب ما.

 

عمليات السرقة مستمرة

 

لكن… هل توقفت عمليات سرقة الآثار عند هذا الحــد؟

للأسف نقول: لا بالتأكيد إذ أن السرقة الكبرى والأهم لم تحدث بعد، سأُحدثكم عن أهم سرقتين لآثار العراق تفوق كل السرقات التي تحدثنا عنها، لكن قبل ذلك لابد من العودة الى معلومات مؤكدة وصلت من بريطانيا الى السيد دوني جورج بتاريخ 10/4/2002 أي قبل عام من الاحتلال الأمريكي.. تلك المعلومات تفيد بأن مجموعة من المتخصصين بالآثار في جامعة كامبردج يضعون خطة للاستيلاء على آثار عراقية معينة عندما تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بغزوها المتوقع للعراق! وكان هذا الأمر يتسق مع معلومات سابقة لدى الجهات الأمنية العراقية على خلفية مطالبات غربية مرتبطة بالحركة الصهيونية بالحصول على الأرشيف اليهودي العراقي الذي يحتوي على قرابة 3 آلاف وثيقة و1700 تحفة نادرة توثق للعهود التي سُبي خلالها اليهود في العراق، أضافة الى أقدم نسخة لـ’التلمود’ عرفها العالم، وأقدم نسخة لـ’التوراة’ ومخطوطات، الأمر الذي دفع الجهات الحكومية العراقية آنذاك للتحفظ عليها في مبنى المخابرات العراقية، في حين جرى التحفظ على لـُقى آثارية ثمينة أخرى في مبنى البنك المركزي العراقي.

 

حسناً… نعود الى القول: إن هذه المعلومات وصلت قبل نحو عام من الاحتلال الأمريكي كما قلنا، إذن ما الذي حدث في عام 2003 إبان دخول القوات الأمريكية بغداد؟

 

نقول: في الوقت الذي تم خلاله سرقة الآثار المهمة من بناية المتحف العراقي، في ذلك الوقت بالذات قامت القوات الأمريكية التي احتلت مبنى المخابرات العراقية في الحارثية بالاستيلاء على الأرشيف اليهودي العراقي الذي كان موجوداً”في المبنى، ثم قامت القوات الأميركية المحتلة بالتوجه إلى موقع تخزين كنز نمرود الخرافي، في أحد أقبية البنك المركزي العراقي والاستيلاء على650 قطعة ذهبية أثرية مختلفة الأحجام لا تُقـدَّر بثمن.

 

سـرقة علنيـة

 

وبعد هذه السرقات المخفية والمعلنة لآثار العراق،هل توقفت سرقة ونهب الآثار العراقية؟ للأسف نقول: لا وألف لا، واليكم تفاصيل مؤلمة جداً جداً جداً.

 

إذ كشفت وثيقة نشرها موقع ويكيليكس، أن ميليشيات تابعة لإحدى دول الجوار وبمساعدة أحزاب متنفذة عراقية متورطة في سرقة الآثار، وبالتوازي مع ذلك، كشفت مصادر في دائرة السياحة في الموصل عن إرسال ابن إحدى الشخصيات المتنفذة جداً عدداً من حماياته الشخصية إلى مواقع آثارية موصلية، للكشف عن الآثار الموجودة هناك بالقوة! وأفادت تلك المصادر بأن تلك القوة دخلت المواقع، يرافقها آثاريون مجهولو الهوية، مدعية أنها تحمل تخويلاً من مكتب (…..) للتنقيب عن الآثار المفقودة، وبعد مغادرتها تبيّن لدائرة السياحة والآثار في الموصل أن آثاراً ذات قيمة عالية فُقدت من المكان، وليس هذا فحسب، إذ الغريب أن عمليات السرقة التي ترافقت مع عملية الغزو الأمريكي متواصلة بأشكال وألوان أخرى. وقد صرح مصدر عراقي مسؤول أن آثاراً كثيرة يستعيدها العراق”يسرقها ثانية مسؤولون حكوميون”والأدهى والأمَرّْ أن عمليات السرقة هذه تتم بعلم جهات حكومية مسؤولة!

 

لكن… ألا يمكن إعادة آثارنا المسروقة خاصة وأن هناك اتفاقيات دولية تُجيز لنا ذلك؟

 

مصدر في وزارة السياحة والآثار أخبرنا بأن حكومات ما بعد 2005 تحديداً، عمدت إلى محاولة إضفاء طابع الجدية على محاولاتها لإعادة الآثار المسروقة، وكثيراً ما كانت ترفق ذلك بحملة إعلامية واسعة، تتحدث عن نجاحاتها في استعادة آثار مسروقة من هنا أو هناك، إلا أن خبراء آثار عراقيين، كثيراً ما كانوا يشككون بصدقية تلك الإعلانات الحكومية، وإنْ صدقت، فإنهم كانوا يتحدثون عن آثارٍ تبقى قيمتها أقل بكثير من آثار أخرى تعرضت للسرقة الممنهجة. وقد أُعلن أخيراً أنه جرت استعادة نحو 15 قطعة آثارية من بين أكثر من 200 ألف قطعة مسروقة.

 

آثارنا في المحافظات

 

هذا عن سرقات الآثار العراقية من المتحف العراقي، لكن ماذا عن السرقات التي تحدث بين فترة وأخرى في بعض المحافظات؟

نقول: إن الجهات المعنية تتحمَّل سرقة الآثار، وذلك بسبب عدم توفر الحراس الذين مهمتهم حراسة المواقع الآثارية، فعلى سبيل المثال اتهمت اللجنة الأمنية في مجلس محافظة ذي قار التي تضم نحو 1200 موقع أثري عدداً من حراس المواقع في المحافظة بـ «سرقة الآثار أو التواطؤ مع السارقين». ويؤكد أحد أعضاء اللجنة أن «تكرار عمليات سرقة المواقع الأثرية في المحافظة، يُشير الى احتمال تورط حراس المواقع في عمليات السرقة». ويلفت إلى إحباط القوات الأمنية سرقة 83 قطعة أثرية، في حين كشف المدير العام لشرطة ميسان أن «مفارز قسم الآثار والتراث التابعة لمديريته تمكنت من ضبط 27 قطعة أثرية معدَّة للتهريب قرب المزار اليهودي في منطقة العزير، بعدما استغلّ «المهرب المتخصص بسرقة الآثار وعورة المنطقة للتخلص منها تاركاً صندوقاً يحتوي على القطع».

كما حذر رئيس لجنة السياحة والآثار في مجلس محافظة ميسان من استمرار سرقة الآثار وتهريبها في المحافظة، مناشداً وزارة السياحة أن تفي بوعودها بزيادة عدد الحراس المتخصصين لحماية المواقع الأثرية البالغ عددها أكثر من 400 موقع موزعة في مناطق المحافظة. 

 

المطلوب درجات وظيفية

 

وقبل أن نوجه لومنا إلى وزارة السياحة والآثار بسبب عدم توفير الحماية اخبرنا مصدر مسؤول في الوزارة بأن الوزارة تجد صعوبة في الحـد من عمليات النبش التي تُجرى في المواقع الآثارية، إذ أن الوزارة طالبت وزارة المالية بتخصيص 12 الف درجة وظيفية بصفة حارس لحماية المواقع الآثارية ولم يتم تلبية الطلب.

لكن ما عقوبة مَن يسرق الآثار أو يتاجر بهـا؟

الخبير القانوني طارق حرب يؤكد أن أقصى عقوبة تضمنها القانون هي الإعدام لمن يُتاجر ويُهرِّب الآثار العراقية، إلا أن الحاكم المدني بول بريمر استبدل عقوبة الإعدام بعد عام 2003 بالسجن المؤبد ولجميع الجرائم، وقد تمت إعادة العمل بعقوبة الإعدام في العديد من الجرائم، فيما ظلت عقوبة السجن المؤبد للمتاجرين والسارقين للآثار سارية الى وقتنا الحالي.

نعود الى أهمية استعادة آثارنا المسروقة حيث أخبرنا وكيل وزارة الثقافة فوزي الأتروشي، إن الوزارة لديها اتصالات مباشرة مع معظم دول الجوار تكللت باسترجاع عدد كبير من الآثار العراقية المسروقة، وبخاصة من الأردن وسوريا ولبنان بالإضافة الى دول أجنبية كألمانيا والصين وغيرهما.

 

لكن… هل تم فعلا استعادة بعض الآثار المهمة والمسروقة من العراق؟

 

نُجيب وبكل أسف بكلا، وكاذب مَن يدَّعي بأن الأرشيف اليهودي سيعود الى العراق بعد إجراء عملية الصيانة له في أمريكا إذ أعلنت (إسرائيل) انها (استعادت) الأرشيف اليهودي من الأمريكان وذلك في احتفال أجرته منظمة ‘العــاد’ اليهودية معتبرة هذا الحدث بـ’الانتصار الحقيقي للأمة اليهودية’، إذ استعادت جزءاً أصيلا ومهماً، وهو الأفضل على الإطلاق، من تراثها! وأعلنت في هذا الاحتفال الذي اُقيم في مبنى أقامته (إسرائيل) خصيصا”لهذا الغرض في تل أبيب كلف نحو 3 ملايين شيكل، نظراً للتحصينات عالية التقنية التي صُمم بموجبها والتي تضمن السلامة من أية مخاطر سواء الكوارث الطبيعية او القصف العسكري.

 

وبعد هذا، هل هناك مسؤول عراقي يقول ويدَّعي بأن الأرشيف اليهودي سيعود الى العراق؟

 

وقبل ان نختتم تحقيقنا هذا لابد من الإشارة الى جهود المرحوم دوني جورج مدير المتحف العراقي، إذ أن جهوده وتصريحاته ومحاضراته وتحقيقاته وما توصل إليه من حقائق حول هذا الموضوع أدى الى تعرضه وعائلته الى ضغوطات كبيرة وتهديدات مباشرة وتعرضه الى محاولة اغتيال في بغداد، لكنه استطاع الهرب ووصل الى أمريكا في عام 2006، حيث استقرَّ مع أسرته في مدينة بروكهافن الأمريكية ليعمل في جامعة ستوني بروك قرب نيويورك، واستمر هناك في بذل جهوده من اجل كشف ملابسات سرقة الأرشيف اليهودي العراقي وبقية الآثار العراقية، لكن عندما كان في طريقه من أمريكا الى كنــدا لإلقاء محاضرة في جامعة تورنتو عن الدوافع والأسباب الكامنة وراء سرقة الآثار العراقية، توفي في ظروف غامضة يوم 11/3/2011، بعد وصوله مطار تورنتو بلحظات، وأعلنت السلطات الكندية أن وفاته كانت إثر جلطة قلبية! وهو تبرير يحتمل العديد من علامات الاستفهام؟ كما أن المعلومات التي كان الدكتور دوني جورج قد جمعها حول دوافع واسباب وظروف سرقة الآثار العراقية والأرشيف اليهودي العراقي وكنز النمرود قد بدأت تُلقي الضوء على ملابسات هذه القضية ودوافع المتورطين فيها من الدول والمنظمات السرية وأجهزة المخابرات والعصابات من مافيات التهريب والآثار، مما اقتضى معه طمسه وإخفائه بالتخلص من حاملها دوني جورج! الذي قال بعد دخوله قاعات المتحف العراقي بعد أربعة ايام من دخول القوات الأمريكية ورأى حالة الدمار والخراب الذي أصاب محتويات المتحف قال: 

لقد بكيت ُ وبكيت ُ حتى جفـَّت عيوني ولم يبقَ لي دموع للبكاء.

 

 

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)