آل خليفة وشعب البحرين .. جذور التوتر والقطيعة

آل خليفة وشعب البحرين .. جذور التوتر والقطيعة

منذ أن ألقت بهم الصحراء على شواطئ الخليج مرورا بشواطئ خور الزبير والكويت وقطر ثم البحرين ، شكلت مسيرة انتقال قبيلة آل خليفة ونقاط ارتحالها بؤر توتر وقلق أينما حلت وأينما ارتحلت.
أول حضور لهم في التاريخ سجل من خلال حادثة طردهم من الهدار جنوب الرياض مع بني عمومتهم آل صباح والجلاهمة وهم فرع الشملان من قبيلة جميلة من بني هلال على اثر قتلهم قحطانيا شريكا لهم في مزرعة ارادوا إرغامه على التخلي عن حقه فيها فرفض ذلك فكان مصيره القتل ، وعلى إثر ذلك نشب نزاع قبلي أدى لهزيمتهم ثم طردهم ، فارتحلوا وحلوا عند أطراف خور الزبير على مشارف بني كعب وهناك إمتهنوا السطو على السفن العابرة لمياه الخليج وسرقتها واعتبروا عملهم هذا جزءا من ثقافة الغزو التي جلبوها معهم من الصحراء كما يقول المؤرخ حسين خلف الشيخ خزعل حفيد حاكم الاحواز في كتابه تاريخ الكويت السياسي ، قبل أن يدب التوتر من جديد بينهم وبين بني كعب الذين أرغموهم على التقهقر من جديد ناحية الكويت ثم مالبثوا أن ارتحلوا منها الى قطر التي تم طردهم منها أيضا لسبب ما ، وانتهاءا بالبحرين التي لا يعلم هل كان احتلالهم لها جزء من تدبير انجليزي يهدف التخلص من مضايقتهم لخطوط التجارة والملاحة البحرية بين موانئ الهند والخليج على غرار تخلص الانجليز والاوربيين من اليهود باعطائهم فلسطين من خلال وعد بلفور أم هناك شيئ آخر يستحق الدراسة والتوقف؟
عبر انتقال ديمغرافي غير طبيعي لآل خليفة ناحية البحرين مع إرث ثقافي في السلب والنهب والاستحواذ والسيطرة ذات الاصول الصحراوية وجد آل خليفة أنفسهم وسط محيط ديمغرافي وثقافي مختلف تماما يسبقهم بآلاف السنين في الحضارة والمدنية ، مثلما يسبق أهل الجزيرة الوادعة نهابة الصحراء والبحر أيضا بالدخول في الاسلام والاستجابة لدعوة الرسول طواعية ، حيث قاد بنو عبد القيس وهم أجداد البحارنة سكان الجزيرة الاصليين وفود البحرين للرسول لاعلان اسلامهم ، ويشير ابن حجر في إصابته الى أن صلة قبائل عبد القيس القاطنة في البحرين يومئذ بالرسول كانت قبل الهجرة، أو هي في عام هجرة النبي (ص) الى المدينة، حينما بعث المنذر بن عائذ العبدي (المعروف بالأشج) ابن أخته الى مكة ليقابل الرسول ويتأكد من نبوته، فعاد الى البحرين مسلماً، وأسلم الأشج وكتما اسلامهما.
في السنة السابعة للهجرة، وفد الى المدينة المنورة وفد البحرين الاول ـ بأمر من الرسول ـ مكونا من مجموعة من شخصيات المنطقة المعروفة تاريخياً بإسم البحرين لمبايعته صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان الوفد برئاسة الأشجّ، وقبل أن يصلوا قال رسول الله (ص) : ( ليأتينّ ركب من المشرق لم يكرهوا على الإسلام). أو (سيطلع عليكم من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق). وحين وصلوا قال (ص) : (مرحباً بالقوم لا خزايا ولا نادمين) ثم دعا لهم: (اللهم اغفر لعبد القيس). وأوصى أصحابه بهم: (يا معشر الأنصار أكرموا إخوانكم فإنهم أشبه الناس بكم في الإسلام، أسلموا طائعين غير مكرهين ولا موتورين).
وبعد عامين (التاسعة للهجرة) جاء الوفد الثاني من البحرين الى الرسول برئاسة الجارود العبدي لذات الغرض: إعلان الولاء والبيعة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
كان دخول أهل البحرين للاسلام بعيدا عن الحروب ومن خلال التعاطي الفكري والعقلي والمنطقي السلمي يعبر بشكل كبير ودقيق عن الطبيعة السلمية التاريخية والمدنية والثقافية لأهل البحرين الذين ذابوا في تعاليم الاسلام وحضارته وانعدمت فيهم الروح القبلية والعصبيات الجاهلية بشكل تام.
لقد شكل البون الشاسع بين ثقافة أهل البحرين المدنيين المتحضرين من جهة والقبيلة الطارئة على الجزيرة بأشكال ثقافتها البدائية الصحراوية الاصول ، مساحة للصدام وعدم الاستيعاب والتلاق ، وعلى رغم مرور أكثر من 200 عام على الوجود القبلي الصحراوي الطارئ ، بقيت حواجز الثقافة والسلوك تمثل حاجزا عميقا بين ثقافتين حرمت القبيلة من الاندماج مع محيطها الجديد كما حرمها من ممارست المواطنة واكتساب وتبادل الثقة مع الآخر وأبقاها رهينة لهواجس ثقافتها ، ثقافة الاستيلاء والاستحواذ القبلي التي جلبتها معها من الصحراء وهي عوامل تفسر اعتماد القبيلة الدولة في مراحل لاحقة وبوتيرة متسارعة على التجنيس السياسي والطائفي من خارج الجزيرة اعتمادا كليا لمعالجة تلك الهواجس كما سنشير الى ذلك لاحقا.
لم يكن فشل القبيلة في المواطنة وانغلاقها على نفسها رغم مرور 200 عام على وجودها الديمغرافي الطارئ في الجزيرة يمثل المعضلة الوحيدة في اشكالية التنافر الثقافي بينها وبين أهل البحرين ، فلقد شكل نظام الامتيازات الخاص بالعائلة والقبيلة في مختلف مراحل الدولة من عمر القبيلة حتى الآن امتدادا عمليا وثقافيا طبيعيا لعقلية وممارسات الاستيلاء والاستحواذ والنهب والغصب التي قامت عليها عملية الغزو القبلي للبحرين من الاساس.
وكما أسلفنا لم يكون الوجود الطارئ للقبيلة وجودا ديمغرافيا طبيعيا ولم يتولد من نسيج المجتمع السائد في الجزيرة ، لذا فإن وجوده الطارئ لم يمثل نشأة نظام دولة في حينه ، فقد كانت الاشكال الاولية لهذا الوجود هي أشكال من السيطرة القبلية المعتمدة على القوة والاغارة والمداهمات والسلب والنهب والقتل والسرقة ، تحولت تلك السيطرة في مراحل لاحقة لاقطاعيات قسمت البحرين من خلالها على بطون العائلة والقبيلة الى مقاطعات وتمت من خلالها محاصصة المساحات البشرية والجغرافية بين أفرادها محاصصة الغنائم بين أفراد العصابات وأصبح لكل اقطاعي من تلك العائلة الحق في العبث بما تحت يديه وفي محيط مقاطعته من بشر وأراض وأملاك وحيوانات ضمن ثقافة جسدت الارث الصحراوي القبلي القائم على حق الاستحواذ والتملك القائم على الغلبة والقهر والفتك.
ومع الحاق الانجليز الجزيرة لسيطرتهم جراء العديد من اتفاقيات حماية المصالح المتبادلة بينهم وبين القبيلة ، سمح ذلك بتدوين تاريخي منهجي طوعي للعديد من انتهاكات القبيلة وأفرادها ضد أفراد الشعب ، وتحفل مذكرات مثل مذكرات السير بلجريف بالكثير من الحوادث المؤرخة لعمليات نهب واستيلاء واستحواذ وقتل واغتصاب وتنكيل مورست ضد أبناء البحرين ، استطاع من خلالها المندوب البريطاني أن يرسم صورة واضحة لسيكيلوجية وممارسات جماعة قبلية متخلفة تعتقد بحقها المكتسب من خلال سيطرة القوة في العبث بالبشر والارض وماعليها.
على مراحل وربما جراء تذمر السكان من ممارسات القبيلة وتفاديا لما هو أسوأ ، استطاع الانجليز أن يضعوا القبيلة على أول عتبات هيكلة الدولة الحديثة التي نقلوا من خلالها القبيلة من شكلها البدائي الظاهري القريب من أشكال سيطرة العصابات الى شكل أولي من النظام عبر تشكيل النواة الاولى لجهاز الشرطة وترتيب مسائل القضاء كما أخذوا على عاتقهم ترتيب الوضع الاداري الداخلي من جهة والوضع الاقليمي للقبيلة مع جيرانها من جهة أخرى على اعتبار أن الانجليز يسيطرون على الدول الناشئة الاخرى في الاقليم والمنطقة ، وصولا الى الشكل الحالي من الدولة .
مع كل الجهود التي بذلها المستعمرين لاحداث نقلة نوعية ما لدى القبيلة في سلوكها من أسلوب العصابات وقطاع الطرق الى النظام وشكل الدولة الاولي ، إلا أن الانجليز أخفقوا في إذابة الحاجز الثقافي بين سكان البحرين الاصليين والقبيلة وأخفقوا في مساعدة الاخيرة على تخطي محنتها الثقافية وممارسة المواطنة والمدنية الحديثة في محيطها الديمغرافي الجديد والمختلف، ورغم اشاراتهم المتكررة الى ذلك الخلل ، إلا أنهم عجزوا عن إخراج القبيلة من موروثاتها البدائية والهمجية.
وحتى مع بدأ مرحلة الدولة سجل المندوب البريطاني تذمره وعجزه مرات عديدة وكثيرة لاتحصى عن معالجة أو وقف الكثير من الانتهاكات التي يقوم بها شيوخ القبيلة وأتباعهم تراوحت ما بين القتل والاغتصاب والنهب والاستيلاء والتنكيل والتعذيب ضد مختلف شرائح المجتمع وطوائفه ، فقد كان ذلك الواقع يعبر بوضوح عن ملامح المستقبل الذي سيحكم علاقة القبيلة بالدولة والمجتمع ، خصوصا في المراحل التي ستكون فيها السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية شأنا حصريا وخاصا بالعائلة والقبيلة فضلا عن انعدام الرقابة وعدم استقلال القضاء ، وهي المراحل التي شكلت أغلب عمر الدولة وسلطة القبيلة منذ أنشائها على يد الانجليز.
ومع نهاية الانتداب والاستعمار البريطاني الذي اسس دولة القبيلة والذي أعقبه استفتاء محدود قامت به الامم المتحدة حول مستقبل البحرين تمحور حول الحاقها بإيران أو استقلالها واختيار البحرينين للاستقلال ، لم يكن ذلك يعبر عن استقلال حقيقي ونهائي تام بقدر ما كان في ذاته عملية صرف نظر العالم عن احتلال قبلي آخر كان قد سبقه ، وتم ابرازه لاحقا على أنه صاحب الاستحقاق في البحرين بعد الانجليز في مغالطة تاريخية وانسانية لم تحدث من قبل في تاريخ البشرية ، والنتيجة هي أن الانجليز قد رحلوا شكلا ، لكنهم رسخوا وجود عملائهم الذين ربما يكونوا قد دفعوا بهم للرحيل مسبقا من خور الزبير وسواحل الخليج الاخرى مقابل مساحة من الارض اسمها البحرين في مقايضة مع أمن وسلامة خطوطهم الملاحية والتجارية البحرية بين الهند والبصرة.
في تلك المرحلة أيضا شهدت البحرين قيام المجلس الوطني المنتخب الذي لم يكن استحقاقا شعبيا لمرحلة ما بعد الانتداب والاستعمار وما لحقه من مخرجات الاستفتاء الاممي فقط ، بل كان تعبيرا عن طموح شعبي عميق لمعالجة آثار سلوك الاستحواذ والاستيلاء القبلي التراكمي الذي جمع الثروة والسلطة في يد افراد معدودين خارج القانون منذ وجوده الاولي على شكل عصابة قبلية للسيطرة والنهب مرورا بمرحلة الانتداب والاستعمار وتشكل شكل الدولة الاولي ، لذلك سرعان ماعمدت القبيلة الى حل ذلك المجلس وعطلت قيامه مرة أخرى لأنها وجدت أنه يهدد نظام امتيازاتها الخاصة الملازم لوجودها والقائم على عقلية الاستحواذ والسلب والنهب والاستيلاء ومنه تشكلت ثروتها وطريقة حياتها ، كما استخدم في توسيع دائرة نفوذها وشراء والولاءات لها.
ومع الغاء المجلس الوطني دشن النظام مرحلة قانون أمن الدولة القمعي الذي من خلاله تم الزج بآلاف المواطنين في السجون والمعتقلات لفترات وسنوات طويلة دون محاكمات وتمت تصفية وقتل بعضهم تحت التعذيب ، ومن خلال هذا القانون السيئ سعت القبيلة لمنع الناس حتى من التفكير في المطالبة باي دور شعبي في التشريع والرقابة والتنفيذ.
ومع اكتشاف النفط وتعزز مداخيله المالية ، أستخدمت عائداته لتعزيز ثروة القبيلة من جهة ، وسطوتها من جهة أخرى خارج أي نوع من الرقابة الشعبية عبر تعزيز قدرات الجهاز الامني وسطوته ، وكما أسلفنا فإن جذور القلق وانعدام الثقة تقع بين القبيلة وشعب البحرين ، لهذا فإنها اعتمدت في مختلف المراحل في تكوين أجهزتها الامنية وجيشها على العنصر الاجنبي وذلك انسجاما مع انعدام الثقة بينها وبين سكان البحرين من جهة ، ومن جهة أخرى هي محاولة لمعالجة هواجس وجودها في محيط ديمغرافي مختلف ومتنافر معها عجزت رغم 230 عام من الوجود الى جنبه من ممارسة المواطنة معه وفضلت الانغلاق عنه على ارثها الثقافي وسلوكها القبلي، ومن هنا يصبح مفهوما لجوء القبيلة للتجنيس السياسي الطائفي اعتمادا على الخارج للتغلب على تلك الهواجس ، وذلك جراء الانفصال الثقافي والنفسي بينها وبين سكان البحرين.
وسواء كان التجنيس السياسي الطائفي أو القمع فإن كل ذلك يصب في النهاية في سعي القبيلة للحفاظ على نظام امتيازاتها الخاصة الممتد والمتصل بهدف قدومها الاول للبحرين والمرتبط بثقافتها الصحراوية ، في قبال شعب البحرين الذي يسعى لاسترداد حقوقه وإرادته المغيبة في أشكال من المقاومة المدنية السلمية لاحتلال قديم ومقاومة تشكلاته وموروثاته وتحولاته.
تلك المقاومة صحيح أنها لم تأخذ مداها الابعد عبر مواجهة مباشرة بالسلاح لحد الآن في اي مرحلة من المراحل ، لكنها كانت حاضرة في مختلف مراحل وجود القبيلة وممارساتها على شكل رفض تام وتنافر وعدم إعطاء أي نوع من القبول لسلوك القبيلة ، تلك المقاومة لم تكن معدومة ولامؤجلة طوال 230 عام لكنها الآن بعد 14 فبراير في صورتها الشعبية الابرز معبرة عن غضبها تجاه تاريخ من ممارسات القبيلة حتى الحاضر.

ولمتابعة المقال على موقع الصحيفة الرسمي الدخول على الرابط التالي :

http://www.elwatandz.com/watanarabi/3412.html

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)