من هو بطل التحرير الحقيقي؟ وماذا بعد النصر العسكري في الموصل؟

من هو بطل التحرير الحقيقي؟ وماذا بعد النصر العسكري في الموصل؟

حسين الخشيمي
ببساطة شديدة، بطل التحرير الحقيقي هو الشعب العراقي.. بطل التحرير الحقيقي هو ذلك الرجل العجوز الذي ظهر في مقطع فيديوي على مواقع التواصل الاجتماعي وهو يخرج من منزله في حي قديم، متوكئاً على عصاه ويسير ببطء شديد باتجاه صورة لولده الشهيد.. كان أهالي الحي قد علقوا على عمود في نهاية الشارع صورته احتفاءً بالشهيد الشاب. كل ما مر العجوز من هناك وقف ليطبع سيل من القُبل على الصورة!
مثله مئات الأمهات العراقيات اللائي استقبلن جثامين أبنائهن الشهداء بـ “الهلاهل” والأهازيج الحماسية في تراجيديا مؤلمة ليتحدين جبال الألم والحزن بفقد قلوبهن.
البطل الحقيقي لتحرير الموصل وبلا منازع؛ هو الشعب العراقي الذي راهنت المرجعية الدينية على قدرته في تحقيق هذا النصر، ورفضت في الوقت ذاته أن تكون الجهة الوحيدة المحتكرة لإعلان بيان النصر احتراماً له.
بعد كل هذا، لا يحق لأي جهة داخلية أو (خارجية) أن تتحدث عن نصر غير نصر الشعب العراقي الذي نعرفه ووثقته دماء العراقيين أنفسهم.
وهذا ما نحاول أن نفهمه من البيان الأسبوعي لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي – دام ظله- الذي صدر عنه يوم الجمعة في الـ 7 يوليو/ تموز الجاري أي قبل إعلان النصر النهائي بأيام قليلة جداً.

القيم الإسلامية والتصدي لداعش
جاء في البيان أن هذا النصر “سوف يظهر لنا مدى تمسك شعبنا بقيمه الراسخة (…) المستوحاة من قيم الوحي”.
فمنذ بدء عمليات تحرير الموصل في الـ 17 أكتوبر/ تشرين الثاني عام 2016 وحتى ليلة أمس التي أعلن فيها رئيس الوزراء العراقي النصر وتطهير المدينة بالكامل في كلمته المتلفزة؛ وجميع أطياف الشعب العراقي ومكوناته ينتظرون هذا الموقف بفارغ الصبر.
المتابع لردود الأفعال والمشاعر التي كانت تفيض بها وجوه العراقيين سوف يلمس مدى إحاطتهم بفكرة أن المرحلة القادمة وما تحتاجه على المستوى الإنساني والاجتماعي والسياسي من “تماسك و تلاحم و تراحم وعمل دؤوب من أجل البناء والتطوير” وهذه المشاعر والتطلعات هي جزء من قيم الشعب العراقي الراسخة التي أشار لها سماحة المرجع المدرسي في بيانه الأسبوعي.
هذه القيم التي يصفها سماحته بـ “الراسخة” تؤصلها قيم الإسلام ومبادئه التي يحث عليها القرآن الكريم والنبي الأكرم وأهل بيته عليهم السلام والذي عبر عنه في البيان بـ “قيم الوحي” وتوضيح هذه القيم وذكر تفاصيلها يحتاج إلى سرد المزيد من الأفكار التي طرحها في كتبه وهو ما لا يسعه المقام.
لكن يمكن القول إن أظهر تجليات هذه القيم على أرض الواقع هو ما يشهده العراق في مواسم الزيارات المليونية التي يشارك فيها أبنائه بمختلف انتماءاتهم وألوانهم وفي مقدمتهم أتباع أهل البيت، وما ترافق هذه الممارسات الدينية على مدار العام من إيثار وعطاء غير محدودين، وكثيراً ما أشار سماحة المرجع المدرسي في بيانات كلماته ولقاءاته إلى أن “زيارة الأربعين -مثلا-” كانت ولا تزال أفضل وسيلة وممارسة لتعبئة الجماهير عسكرياً وأخلاقياً وإنسانياً و روحياً، وقد أظهرت الزيارات الأخيرة التي تزامنت مع سيطرة التنظيم الإرهابي على الموصل وصلاح الدين والأنبار وحدة الأجواء الحماسية في جبهات القتال مع داعش والطرق المؤدية إلى كربلاء المقدسة التي كانت تصدح بعبارات “لبيك يا حسين” و “هيهات منّا الذلة” الملهمة للنصر.
انطلاقاً من القيم الدينية أو -قيم الوحي كما يعبّر سماحته- انتفض العراقيون لمحاربة الإرهاب بعد فتوى المرجعية الدينية، وتحقق النصر العسكري، وهذا ما يحاول توضيحه قول سماحة المرجع المدرسي في البيان: “إن قيم الشعب العراقي تجلت في بطولات أبنائنا وفي التضحيات التي سخت بها نخوة أكثر أفراد الشعب” ولا يوجد أجلى من هذا التوضيح بأن النصر عراقي شعبي مئة في المئة.

انتصرنا وماذا بعد؟!!
ولكن هل يقف مفعول هذه القيم التي صنعت النصر الكبير على “أخطر التنظيمات الإرهابية في العالم” عند هذا الحد أم أنه يتعدى النصر العسكري وبإمكانه أن يؤسس لانتصارات في ميادين أخرى؟
في إحدى فقرات البيان المهمة تأتي الإجابة بما يلي: “إن قيم الشعب العراقي كفيلة بقيادة التحول الحضاري الكبير الذي يستحقه شعبنا المضحي”، وهي إشارة من مرجعية كربلاء الدينية إلى قدرة هذه القيم على تحقيق النصر السياسي والعبور إلى ضفة الحلول للأزمات السياسية المتراكمة منذ أعوام.
لكن وفق ما يراه سماحة المرجع المدرسي، فإن هذا التحول الذي نعتقده الحل الوحيد لمشاكلنا لن يتحقق من دون “نهضة شاملة”، بحسب البيان.
هذه النهضة التي دعا لها سماحته في مناسبات عدّة ومنذ سقوط النظام السابق لا بد أن تستند إلى ثلاث شرائح مهمة في العراق، وهي: “علماء الدين، والأكاديميون، والقادة السياسيون”.
وفي تفصيل هذه النهضة التي كانت محور البيان الأسبوعي والتي حظيت باهتمام وكالات الأنباء العراقية يقول المرجع المدرسي إن: “أبرز معالم تلك النهضة سن المزيد من القوانين التي تيسر التنمية الاقتصادية وتتجاوز عقبات الروتين وكل أسباب الفساد الإداري”، ونعتقد أن في هذه النهضة أهم أدوات النصر السياسي والاقتصادي، وتأتي بإعادة النظر في بعض القوانين التي لطالما طالب سماحته بتغييرها إما لعدم واقعيتها أو لأنها تخالف طبيعة المجتمع العراقي، والاهتمام بالاقتصاد العراقي وتطويره وعدم الاكتفاء بواردات النفط، ومحاربة الفساد المستشري منذ عقود.
أيضاً ما ينبغي أن يفكر به العراقيون الآن بعد هذا النصر التاريخي، هو الانسجام الحضاري مع المحيط الإقليمي والعالم عبر تغيير الأنظمة والقوانين التي ينبغي أن تكون مواكبة للمحيط والعالم على أن لا تكون هذه المواكبة مخالفة لقيمنا الراسخة التي حققت النصر العسكري.
يقول المرجع المدرسي بهذا الشأن في مقطع من بيانه الأسبوعي: “إن كثيراً من الأنظمة المرعية اليوم لا تتناسب مع التطور الحضاري في العالم ولا مع قيمنا الراسخة، وعلينا أن نصلحها بما يخدم مصالح الشعب ويمنع الفساد ويمهد الطريق لحل الكثير من الأزمات التي يعاني منها أبناؤنا”.
16 شوال 1435هـ
11/07/2017
التحليل الأسبوعي لبيان المرجع المدرسي

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)