المرجع المدرسي يتطرق الى الهداية والتعليم والحث على العمل في درس التدبر الـ(14) لشهر رمضان

المرجع المدرسي يتطرق الى الهداية والتعليم والحث على العمل في درس التدبر الـ(14) لشهر رمضان

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الرابع عشر)
بسم الله الرحمن الرحيم
{ وَ اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (27) وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُريدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُريدُ زينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)}
صدق الله العلي العظيم

القرآن الكرم كتاب هداية ، فما معنى الهداية؟
الهداية هي إراءة الطريق والدفع للسير في، فالمهتدي هو من يعرف الحق ويعمل به، فيصل إلى الحقيقة وجداناً ، ولكن كيف يؤمّن الكتاب العزيز هذه الهداية للإنسان؟

سبيل الهدى
لدى الإنسان مشاكل كثيرة تمنعه من الوصول إلى الهداية ومنها الحجب المحيطة بقلبه وعقله، ومادامت هذه الحجب باقية فإن عقله وعلمه وفطرته تبقى ملوثّة، فإما تراه لا يلتفت إلى الحقيقة كلياً، أو يأخذ منها ما يتوافق مع منافعه ومصالحه.
فالخطوة الأولى تكمن في إزالة الحجب عن القلب والغشاوة عن النفس.
وبعد ذلك تأتي المرحلة الثاني والتي تكون في إراءة الطريق، ويؤدي ذلك دور النور في الواقع المادي، ارأيت كيف يحتاج من نظّف عينه من الأدران إلى نورٍ لكي يبصر الطريق؟ كذلك الهدى تمثل النور الذي يري المهتدي الطريق الصحيح.
وفي المرحلة الثالثة حيث زالت الحجب وبصر الحقيقة واطمأن قلب الإنسان يأتي دور الإتباع والعمل، فقد يكشف المرء بعقله حسن شيء أو قبحه ولكن مادام القلب لم يطمئن تراه لا يتبع النور.

القرآن يهدي
هذه هي المراحل الثلاث للوصول إلى الهدى ويؤمّنها جميعاً القرآن الكريم ، فالمرحلة الأولى تكمن في التزكية، وآيات القرآن زاخرة ببحوث مفصلة عن تزكية النفس وسبل تخلص الإنسان من الأنانية والعصبية والأمراض القلبية الأخرى، ولا نجانب الحقيقة إن قلنا أن هناك عشرات المراحل – إن لم تكن مئات- يجب أن يطويها الإنسان ليكون قلبه قلباً زكيّاً.
وكل آية من آيات الكتاب تهدف تزكية الإنسان، فترى الآيات تتحدث عن السخرية تارةً وعن التنابز بالألقاب أخرى، وعن العجب ثالثة وعن الكبر رابعة، ويحدثنا القرآن أيضاً عن مصير الطغاة وعاقبة عبدة الدنيا ليحذرنا من الصيرورة مثلهم وإتباع سبيلهم.
وعمل الأنبياء عليهم السلام وجهودهم في مجال التزكية كانت عظيمة، خصوصاً الجهود التي بذلها الرسول الأعظم، صلى الله عليه واله في سبيل تزكية الناس حتى صاروا مؤمنين، والفرق بين المؤمن وغيره واسع جداً، كما الفرق بين الدرة والحجارة، وحريٌ بالمؤمنين أن يشكروا الله سبحانه على أن خلقهم في بيئة مؤمنة بالله وموالية لمن أمر الله بولايتهم.
فالقرآن الكريم يرفع حجب الجهل والغفلة عن القلب شيئاً فشيئاً، وكلما زاد الإنسان تلاوةً وتدبراً لآيات الكتاب إقترب من الحقيقة حتى تصبح وجدانية ولا يحتاج حينئذ إلى دليلٍ أو برهان لإثباتها، وهناك فعلاً من قد وصل إلى هذه المرتبة _ وإن كانوا عاجزين عن التعبير عنها لفظياً_ ولكنهم بلغوا مراتب عالية من التزكية حتى تراهم أنكروا ذواتهم تماماً ومحضوا العبودية لله سبحانه فرفعهم الله مكاناً عليّاً.

مرحلة التعليم
وبعد مرحلة التزكية تأتي مرحلة التعليم والتي تعني بيان الحقائق، قال الله سبحانه: { وَ لَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ في‏ هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى‏ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورا}[1]، ففي كل بعدٍ من أبعاد حياة الإنسان تجد في القرآن الكريم مثلاً يبين لهم الحقائق، وكلما تطورت البشرية توصلت إلى حقائق بينها القرآن الكريم في قوالب مختلفة ، بل كلما تطورت البشرية وجدوا القرآن الكريم متقدماً أمامهم بكثير، ذلك لأن القرآن خطاب الرب بل وفيه تجلي الرب كما قال الإمام الصادق عليه السلام: ” لَقَدْ تَجَلَّى اللَّهُ لِخَلْقِهِ فِي كَلَامِهِ وَ لَكِنْ لَا يُبْصِرُونَ”[2].
ومن هنا لا ينبغي للمؤمن أن يقرأ القرآن سريعاً وهذرمةً وبلا تدبر وتأمل، بل عليه أن يتوقف عند آياته الكريمة.

الحث على العمل
وبعد مرحلة التعليم تأتي مرحلة العمل وللقرآن الكريم أسلوبه في الحث على العمل والتطبيق بما تعلمه الإنسان ، وذلك من خلال الترغيب عبر ذكر الجنة وما أعدّ الله فيها للمؤمنين والعاملين، والترهيب من خلال ذكر صور مؤلمة للعذاب في النار للكافرين والعاصين.
وهذه المراحل الثلاث هي خطوات الإنسان نحو الكمال، وهي محور الآيات القرآنية للوصول إلى الحقائق.
{ وَ اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ }
التلاوة يعني القرائة المتابعة، كما تعني التلاوة الإتباع العملي، أي إتباعه بإعتباره قائداً وإماماً، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ” فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَ مَاحِلٌ مُصَدَّقٌ وَ مَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ وَ مَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّار”[3]، وكلا المعنيان صحيحان.
{ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ }
فلا تتبدل آياته وكلماته لأنها محض الحقيقة، فهي مرآةً للسنن الإلهية، وكما لا تتغير سنن الرب في خليقته كذلك آياته في كتابه ثابتة ولا مبدل لها.
{وَ لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (27)}
ولن تجد غير القرآن الكريم متكئاً تعتمد عليه.
{ وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُريدُونَ وَجْهَهُ }
من شروط الإستفادة من القرآن الكريم هو الصبر والإبتعاد عن زخارف الدنيا.
هكذا يأمر الله سبحانه نبيه بالصبر، وعدم الإستسلام للضغوطات المختلفة، بل البقاء مع اولئك الذين يدعون الله سبحانه بالغداة والعشي – كأصحابه من أصحاب الصفة من الفقراء- .
والغداة والعشي هما الوقتان الأصليان للعبادة حيث يتغير فيها كل شيء في الطبيعة، ويعبّر عنهما في مكانٍ آخر من القرآن بـ( اطراف النهار).
وينذر الرب نبيه من الأبتعاد عنهم إلى أصحاب الثروة والمال، فالقضية قضية دين وحق ، وليست قضية مال ومنصب، فدين الله سبحانه لا يقاس بالماديات أبداً، كما قال النبي صلى الله عليه وآله لعمه حين عرض عليه سادة قريش بأنه لن يتنازل عن دعوته وإن أعطوه الشمس في يمينه والقمر في شماله.
العلم يختلف عن المال ولا تلازم بينهم، فليس كل صاحب مال يعني أنه عالمٌ بالحقائق، أرأيتك تذهب إلى ثريٍ يمتلك الأموال الكثيرة ليعالج أمراضك إن لم يكن عالماً بالطب؟ كلا؛ لن تذهب إليه كما لا تذهب إليه لبناء دارك أو حل مشاكلك إن لم يكن عالماً متخصصاً، وهكذا الأمر في أمر الحق والباطل، يبقى الحق حقاً والباطل باطلاً سواء كانا مع الحق أو بدونه.
ومشكلة البشر اليوم أنهم خلطوا الأمرين، فصارت الماديات هي الأصل وهي رمز الحق والباطل، فصاحب الثروة هو الحق بينما الفقير دوماً باطل، وهذا الأمر أدى إلى أن يزداد الفقير فقراً يوماً بعد يوم حتى ترى المرضى في أفريقيا يفتقرون إلى دولار واحد ثمناً للعلاج من مرض الموت، ويزداد الثري ثراءاً فلا يدري أين يصرف أمواله فيصرفها على حيواناته وهواياته الباطلة.
ولا نعني بذلك أن المال شيءٌ سيء، كلا؛ فالروايات تؤكد على أنه أمرٌ جيد بحد ذاته ولكنه لا يكون معياراً للحق والباطل، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ” نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ الْغِنَى”[4]، و روي أنه قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام وَ اللَّهِ إِنَّا لَنَطْلُبُ الدُّنْيَا وَ نُحِبُّ أَنْ نُؤْتَاهَا فَقَالَ تُحِبُّ أَنْ تَصْنَعَ بِهَا مَا ذَا ؟
قَالَ أَعُودُ بِهَا عَلَى نَفْسِي وَ عِيَالِي وَ أَصِلُ بِهَا وَ أَتَصَدَّقُ بِهَا وَ أَحُجُّ وَ أَعْتَمِرُ.
فَقَالَ عليه السلام: لَيْسَ هَذَا طَلَبَ الدُّنْيَا هَذَا طَلَبُ الْآخِرَةِ”[5].
{ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُريدُ زينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا}
أي لا تبعد عينك عن هؤلاء الذين يدعون ربهم ، وهم الفقراء والمعدمين، فهم الذين ينفعونك في ساعة العسرة.
والفقراء شكلوا دوماً ثقلاً في المعادلات المختلفة، بل هم قلبوا المعادلات في التاريخ، ارأيت أصحاب الثورات والجنود في العساكر و.. كلهم من طبقات الفقراء، كما أن كثيراً من الفقراء هم أولياء الله سبحانه الذين لا يرد الله لهم حاجة.
فلا يكن تركك لهؤلاء من أجل زينة الدنيا، لأن الدين لا يبنغي أن يلحق أصحاب الثروة والزينة.
وما نراه في تاريخنا من إتباع الشيعة للحوزات العلمية بعد الغيبة الكبرى ، إنما كان لزهد العلماء في الدنيا وعدم سعيهم وراء المال وأصحابه، وقد عايشت أكثر من مرجع وكبرت في بيوت المراجع ولدي قصص كثيرة شاهدتها عن زهدهم وإعراضهم عن الدنيا والماديات.
وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)}
في مقابل الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي هم الذين أغفل الله قلوبهم عن ذكره، فلا يجوز أن يتبعهم النبي والقائد، لأن الغافل يلهث وراء شهواته ومصالحه ، يلهث وراء الدنيا، وبذلك يكون أمره فرطاً لا إستقامة فيه، يسير يميناً يوماً وشمالاً في اليوم الآخر.
نسأل الله سبحانه أن ينقذنا من هوى النفس، إنه سميع مجيب.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] سورة الإسراء: الآية 79
[2] بحار الأنوار: ج89 ،ص 107
[3] الكافي: ج2 ،ص 599
[4] الكافي: ج5، ص 71
[5] المصدر.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)