في الدرس الـ(11) من دروس التدبر لشهر رمضان المرجع المدرسي يتحدث عن الكتمان والتقية والعمل واللطيف

في الدرس الـ(11) من دروس التدبر لشهر رمضان المرجع المدرسي يتحدث عن الكتمان والتقية والعمل واللطيف

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الحادي عشر)
بسم الله الرحمن الرحيم
{ وَ كَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى‏ طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَ لْيَتَلَطَّفْ وَ لا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعيدُوكُمْ في‏ مِلَّتِهِمْ وَ لَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (20) وَ كَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ أَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذينَ غَلَبُوا عَلى‏ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (21)}
صدق الله العلي العظيم

الكتمان حفظ المؤمن
من أبرز الدروس التي تستفاد من سورة الكهف وآياته المباركات هو درس الكتمان في الحركة والتستر في العمل ، ونسبة كبيرة من سلامة الإنسان ترتبط بكتمانه أمره والسرية في حركته ، وقد أكد أئمتنا عليهم السلام على هذه القضية كثيراً، وتحدثوا عنها في مناسبات عدة وبتعابير مختلفة، فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام : “ أُمِرَ النَّاسُ بِخَصْلَتَيْنِ فَضَيَّعُوهُمَا فَصَارُوا مِنْهُمَا عَلَى غَيْرِ شَيْ‏ءٍ كَثْرَةِ الصَّبْرِ وَ الْكِتْمَانِ”[1]، وروي أيضاً : ” استر ذهبك وذهابك ومذهبك ” إذ يحوي المجتمع أصناف البشر ، منهم الصالحون والطيبون ، ومنهم المحتالون والسرّاق ، ولابد أن يستر الإنسان هذه الأمور الثلاثة عن الفئات المنحرفة حفاظاً على ماله ودمه.
وهكذا لا يصح أن ينطق الإنسان بكل ما يعلمه ، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام لولده محمد بن الحنفية : ” يَا بُنَيَّ لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ بَلْ لَا تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ”[2] ، فقد يؤدي النطق بكل ما يعلمه الإنسان إلى الهلاك ، ومن هنا كانت التقية حرزاً للمؤمن وحفظاً لحياته وحياة إخوانه ، فقد كان الشيعة في أغلب الفترات مضطهدين ومقهورين من قبل الظلمة ولذلك أمرهم الأئمة عليهم السلام بالتقية ليس من أعدائهم الظاهرين فقط ، بل حتى من كل من لا يحتمل أمرهم.
بين التقية والمداراة
وهناك فرقٌ بين التقية والمدارة في المنطلق ، فالتقية تأتي خوفاً على النفس أو المال ، بينما المداراة تهدف جمع الناس وتوحيدهم ، وكما روي عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله : ” مُدَارَاةُ النَّاسِ نِصْفُ الْإِيمَانِ وَ الرِّفْقُ بِهِمْ نِصْفُ الْعَيْشِ”[3]، ومن ذلك عدم صنع الإنسان الأعداء لنفسه دائماً ، بل يسعى للتحابب والتقارب ، فقد أخفى الله سبحانه عيوب الناس وستر فضائحهم لكيلا يتباغضوا ويبتاعدوا ، وكما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام : ” لو تكاشفتم لما تدافنتم”[4].
ونعيش اليوم عصراً أصبحت وسائل التواصل وسيلة لفضح الحياة الشخصية للناس ، بل صارت التقنية – ومع الأسف- سبباً للتسافل البشري من حيث القيم والمثل في كثير من الجوانب.
كتمان أصحاب الكهف
أصحاب الكهف – كما ذكرنا – لم يكونوا أناساً من عرض الأمة ، بل كان فيهم مستشاري الملك ووزراء في السلطة ، ولكنهم وللقاءهم مع أحد حواريي النبي عيسى عليه السلام خارج مدينتهم أسلموا بالنبي عليه السلام في الخفاء ، ولكن بعد مرور فترة من الزمن أكتشفت السلطات أمرهم وطاردوهم ، فلجأوا إلى كهفهم.
التلطف في الأمور
وبعد ما جرى بينهم بعد إستيقاظهم – كما بينا ذلك سابقاً – من الإختلاف في مدة النوم أرسلوا أحدهم لشراء الطعام الأزكى والمناسب، ولكنهم أوصوه بالتلطف ، وكما قال الله سبحانه : { فابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى‏ طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَ لْيَتَلَطَّفْ }.
وفي ذات كلمة التلطف لطفٌ من جهة كونها وسط القرآن تماماً من حيث الحروف ، فتاء الكلمة هو وسط القرآن ، ومن اللطيف يكون التلطف منصفّاً للقرآن الكريم.
عناصر العمل اللطيف
ولكي يكون العمل متسماً باللطف يحتاج إلى عناصر ثلاث كما يفهم ذلك من اللغة العربية :
الأول: أن يكون برفق ، فلا يكون عنيفاً.
الثاني: أن يكون بحكمة ، فالرب سبحانه جعل لكل أمرٍ طريقاً وبمعرفة الطريق وسلوكه يحقق المرء شرط الحكمة ، ارأيت خارطة الطريق في حقل الألغام كيف تنقذ السائر في الحقل من الهلاك ؟ هكذا هي السبل التي جعلها الله سبحانه للنجاة في الحياة التي هي بمثابة حقل ألغام كبير.
الثالث: والعنصر الأخير الذي ينبغي تحققه أحياناً ، هو الخفاء والستر.
والله سبحانه لطيفٌ لما يشاء ، فهو رفيقٌ بعباده ورفيقٌ فيما يشاء ، وفي لطفه حكيم ، وأخيراً لا يظهر لطفه أحياناً ، وعلى المؤمن أن يوفر هذه العناصر الثلاث في عمله ليكون عمله متسماً باللطف ، ومن اللطف ما نشاهده في أفعال الأئمة المتسمة بالدقة والحكمة والسرية ، فقد روي أن الإمام الحسن العسكري أعطى أحد أصحابه جذعةً لإيصالها إلى شخصٍ من وكلائه ، وفي الطريق تنازع الرسول مع رجل سقاء فضربه بها وإذا بها ملئى بأجوبة رسائل المؤمنين ، فعاد إلى الإمام وزجره عليه السلام عما بدر منه.
وأصحاب الكهف أمروا مبعوثهم إلى المدينة بالتلطف في عمله لكيلا يشعر أحدٌ من أهلها بهويته: {وَ لا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً } ، لأن التعرف عليه ومن ثم العثور عليهم يؤدي الى نتائج خطيرة – بحسب ظنهم- ، فقالوا : { إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعيدُوكُمْ في‏ مِلَّتِهِمْ وَ لَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً }.
العثور عليهم من قبل الطغاة يعني أحد أمرين:
الأول: الرجم ، ولكن من الذي يرجمهم؟
الرجم يكون لمن ارتكب جرماً قبيحاً يستقبحه الجميع ويتحسس الكل منها ، ولذلك خافوا أن يرجمهم أهل المدينة ، لأن الإعلام السلطوي كان قد عبأ الجميع ضدهم عبر نشر الدعايات المغرضة ، ومن هنا لم يستعملوا لفظ القتل ، بل خافوا الرجم، كما فعل الإعلام الأموي في الكوفة في التحريض على سيد الشهداء عليه السلام وإخلاء الكوفة لقتاله عليه السلام.
وربما عنوا بالرجم أنهم يرجموهم بالتهم المختلفة والقبيحة مما يؤدي بهم إلى الرجم المادي.
الثاني: الإحتمال الثاني في حال العثور عليهم كان إرغامهم على العودة إلى ملة الكفر بعد الإيمان بالله سبحانه.
وإن كان الخيار الأول يعني إنهاء حياتهم ، فإن الخيار الثاني يعني خسارتهم لكل شيء ، لأن الذي يكفر بعد إيمانه يكون أشد ذنباً واسوء حالاً من الكافر ،وقد قال الله سبحانه عن المنافقين: { ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُون‏}[5].
تحذيرٌ من الإرتداد
فالإرتداد بعد الإيمان جرمٌ لا يغتفر، ومن هنا لابد أن يحذر المؤمنون والعاملون في سبيل الله من الإرتداد في إيمانهم أو توجههم ، بلى؛ قد يدبر الإنسان في إيمانه أو يكسل في عمله نشاطه وهذا ليس إرتداداً ، أما أن يرتد كلياً عما كان يؤمن به ويتحول من مقارع للطغاة إلى يدٍ لهم وجلّادٍ في سجونهم فذلك الخسران المبين.
الغاية من الإعثار
{ وَ كَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ أَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فيها}
بعد إنكشاف أمر المبعوث إلى المدينة – كما ذكرنا- عثر أهل المدينة على أصحاب الكهف ليحل بذلك لغزٌ محيّر أقض مضجع أجيالٍ متعاقبة ، ولكن لماذا أنامهم الله ومن ثم أعثر عليهم الناس بتلك الطريقة الصاعقة؟
لكي يعلم الناس أن الأمر كله بيد الله سبحانه ، وليس للإنسان سوى التسليم لأمره والأذعان بهيمنة الرب المطلقة على الأمور: { الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏}[6]، وقال سبحانه : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ في‏ سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْر}[7].
فالله سبحانه هو المهيمن والمدبر والرقيب علينا آناً بآن ولحظةً بلحظة ، فهو أقرب إلينا من حبل الوريد.
وبهذه المعرفة يقترب الإنسان من ربه بل ويكون الرب رفيقاً له، أوّهل تأملت في معنى ذكر السجود: ( سبحان ربي الأعلى وبحمده) حيث ينزّه الساجد الله سبحانه ولكن يعبّر عنه بالرب وينسبه إليه ( ربي) أي المربي لي والمدبر لأمري ، وهو ليس كسائر من يربوني من الآباء والآمهات بل هو الرب الأعلى، فهو الذي خلقني وأعطف عليه قلوب الحواضن وأخدمني الأمهات وحفظني من طوارق الليل والنهار، وهو الذي عاينني على المعاصي فلم يؤاخذني بها بل ستر علي ورزقني ورحمني.
فالله هو المهيمن وهو الرب الذي يربي لحظة بلحظة، ولكن يصعب على الإنسان تصديق هذه الحقيقة فيحمله ذلك على تكذيب ما وعد الله وتكذيب يوم الجزاء.
عاقبة العثور
بعد العثور عليهم ومجيء القوم إلى الكهف كان هناك مشهدين ، الاول داخل الكهف والثاني خارجه، ففي الداخل تشاوروا فيما بينهم لما علموا ما صنع الله بهم، فحمدوا الله على نصرة المؤمنين وطلبوا منه أن يعيدهم كما كانوا، ولكن هل أماتهم الله أم أعادهم إلى النوم؟
الآيات ساكتة عن ذلك ، ولكن في النصوص الروائية بيانٌ بأن أن الله لم يمتهم ، بل أنامهم وسيوقضهم بعد ظهور الإمام الحجة عجل الله فرجه، وقد أوقضهم مرةً أخرى لإثبات الحق حيث روي عن أنس أنه أهدي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بساط من قرية يقال لها بهندف، فقعد عليه على وأبوبكر وعمر وعثمان والزبير و عبدالرحمن بن عوف وسعد، فقال النبى (صلى الله عليه وآله) لعلى: يا على قل يا ريح احمل بنا، فقال على: يا ريح احمل بنا فحمل بهم حتى أتوا اصحاب الكهف، فسلم أبوبكر وعمر فلم يردوا (عليهم السلام)، ثم قام على (عليه السلام) فسلم فردوا (عليه السلام)، فقال أبوبكر: يا على ما بالهم ردوا عليك ولم يردوا علينا؟ فقال لهم على (عليه السلام) فقالوا: انا لا نرد بعد الموت الا على نبى أو وصى نبى ثم قال على ” يا ريح احملينا فحملتنا، ثم قال: يا ريح ضعينا فوضعتنا، فركز برجله الارض فتوضأ على وتوضأنا ثم قال: يا ريح احملينا فحملتنا، فوافينا المدينة والنبى (صلى الله عليه وآله) في صلوة الغداة وهو يقرأ: ” أم حسبت أن اصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ” فلما قضى النبى (صلى الله عليه وآله) الصلوة قال: يا على أخبرونى عن مسيركم أم تحبون أن أخبركم؟ قالوا: بل تخبرنا يا رسول الله.
قال انس بن مالك: فقص القصة كأن معنا. منه عفى عنه “[8].
بعد العثور عليهم
{ إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذينَ غَلَبُوا عَلى‏ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (21)}
والمشهد الثاني كان خارج الكهف، حيث اختلف القوم فيما بينهم عما يصنعوه بهم بعد أن عادوا لما كانوا عليه ، فقال بعضهم لنبني عليهم جداراً ونتركهم كما هو عليه ، بينما قال أصحاب السلطة والنفوذ لنبني عليهم مسجداً نعبد فيه الله سبحانه ، لما لأصحاب الكهف من منزلة عن الله سبحانه.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المحاسن : ج1 ،ص 255
[2] من لا يحضره الفقيه : ج2 ،ص 626
[3] تحف العقول : ص 42
[4] شرح نهج البلاغة : ج20 ، ص 292
[5] سورة المنافقين : الآية 3
[6] سورة طه: الآية 5
[7] سورة يونس : الآية 3
[8] تفسير نور الثقلين : ج3 ، ص 249

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)