المرجع المدرسي يؤكد على بصائر نستفيدها في منظومة من الايات خلال الدرس التاسع من رمضان

المرجع المدرسي يؤكد على بصائر نستفيدها في منظومة من الايات خلال الدرس التاسع من رمضان

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس التاسع)
بسم الله الرحمن الرحيم
{ وَ إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (16) وَ تَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَّزوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمينِ وَ إِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَ هُمْ في‏ فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (17) وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ وَ نُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمينِ وَ ذاتَ الشِّمالِ وَ كَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَ لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (18)}
صدق الله العلي العظيم
في هذه المنظومة من الآيات بصائر عدة نستفيدها :
الأولى : للقرآن الكريم ظاهرٌ وباطن ، فظاهره حكم يعمل به وباطنه العلم ،وينبغي أن تستخرج بصائر القرآن المودعة في آياته للإستفادة منها في الحياة ،ويكون المرء يرتبط بآي القرآن الكريم إرتباطاً وثيقاً.
الثانية: الإيمان درجات ومراتب، وقد وصل أصحاب الكهف إلى مرتبةٍ عالية منه ،حيث تمسكوا بحبل الله سبحانه المتين وعروته الوثقى وتركوا كل الوسائل والأسباب من دون الله سبحانه ،وطلبوا منه أن يتولى شؤونهم كلها، وهذا ما نجده في كثير من نصوص الدعاء الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، مثلما جاء في المناجاة الشعبانية: ” إِلَهِي تَوَلَّ مِنْ أَمْرِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ”[1] ، أو ما ورد من دعاء قنوت الوتر : “وَ تَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْت‏”.
نحن لا نلتفت إلى الحكمة وراء الكثير من الحوادث التي تحدث ولا نريد حدوثها أو ما نريده أن يقع ولا يقع ،وكيف أن ما لم نرده كان في صالحنا ،وكلما زدنا إيماناً بالله سبحانه زدنا توكلاً عليه وقبولاً لمشيئته.
أصحاب الكهف ؛بلغوا في إيمانهم مرتبة التفويض إلى الله، وهي مرتبة عالية من مراتب الإيمان ولذلك حين وجدوا شرك قومهم ومواجهتهم لإيمانهم سلمّوا أمورهم إلى الله تعالى بالإلتجاء إليه :
{ وَ إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ}
كان قومهم يعبدون غير الله ، وربما عبدو الأصنام والأشخاص مع الله ، فلم ينكروا وجود الصانع ولكنهم أشركوا به ،فأشاروا إلى بعضهم بإعتزال القوم والإيواء إلى الكهف.
ويبدو أنهم كانوا قد حددوا الملجأ لمكان الألف واللام العهدية.
{ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً }
بعد أن آمنوا بالله، وكتموا إيمانهم لفترة ثم بدأوا مرحلة القيام، كانوا قد لمسوا ألطاف الله سبحانه المحيطة بهم ومن هنا علموا يقيناً بإستمرار الرحمات الإلهية عليهم بعد تحركهم وإلتجاءهم بالكهف.
ونشر الرحمة تعني وصولها إلى كل أبعاد وجودهم ، ومضافاً إلى نشر الرحمة فهناك تهيئة المرفق من أمرهم ، فما الفرق بين الرحمة والمرفق؟
النعم الإلهية كلها رحمة، ولكن المرفق هي النعم الكاملة والتامة، وكتقريب للفارق نقول :مائدة الطعام نعمة، ولكن المائدة المملوءة بألوان الطعام الطيب والمفيد، إنها مرفق.
وبتعبير آخر لم ينجيهم الله سبحانه من أيد الطغاة فحسب ، بل كان ذلك بأفضل وجه وتهيئة المكان المناسب للإلتجاء وهو الكهف الذي توفّرت فيه عدة صفات لبقاءهم تلك الفترة ، تذكرها الآيات التالية ومن ذلك مساحة الكهف الواسعة نسبياً ، مما كان يسمح بمررو الهواء وبالتالي توفّر الأوكسيجين الكافي، ومنها دخول أشعة الشمس بعد طلوعها وقبل غروبها ولكن لم تكن تشرق على أجسادهم مباشرة.
مضافاً إلى ذلك تقليب الرب أجسادهم ذات اليمين وذات الشمال بين الفترة والأخرى، كيلا يطرأ على أبدانهم الفساد ،وتوفير الأمن لهم من خلال الكلب الباسط ذراعيه وعيونهم المفتوحة التي يخال الداخل إلى الكهف أنهم يرمقونه بأبصارهم فيهرب.
فكل ذلك كان من المرفق الذي جعله الله سبحانه لهم في أمرهم، والآيات التالية توضّح معنى المرفق أكثر:
{ وَ تَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَّزوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمينِ وَ إِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ }
بالرغم من أن بعض المفسرين يعتقد إلى أن كهفهم كان من جهة الشمال إلا أننا نعتقد العكس ، حيث نرى أن كهفهم كان بجهة الجنوب ، وسواء كان هذا أو ذاك فإن الشمس كانت تطلع عليهم صباحاً وتقرضهم مساءاً.
ساعة الشروق وساعة الغروب هي أفضل ساعات وجود الشمس، وأنفع الساعات بالنسبة للإنسان ، ولكن بالرغم من ذلك لم تكن تشرق الشمس على أجسادهم مباشرة لكيلا يصيبها الحرق.
{ وَ هُمْ في‏ فَجْوَةٍ مِنْهُ }
أي إن كهفهم كان يسعهم ولم يكن ضيقاً عليهم ، أو ضيقاً بما يمنع وصول الهواء المناسب لهم.
{ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ }
جاء بهم الرب إلى هذه المغارة بهذه الصفات الخاصة ، إنها من آيات الله سبحانه.
{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (17)}
من كان مع الله سبحانه كان الله معه وهداه الله إلى خير السبل ، لكن من لم يهده الله فلا هادي له ولا منقذ له أبدا.
صفات بناء المدن والبيوت
زارني مجموعة من الباحثين عن أنظمة المدن، وسبل بناء أفضل المدن ، فقلت لهم أن أية مدينة تحتاج إلى ما يحتاج البيت ، فكلما يجب توفره في البيت ينبغي أن يكون في المدينة أيضاً، كالأمن المادي والمعنوي والتوافق بين أبناء البيت والمدينة، والتعاون بينهم والمواساة وغيرها من الشروط والصفات.
وفيما يتربط ببناء البيوت يمكن إستفادة بعض البصائر من هذه الآية، حيث تشير آية الكهف إلى غرف النوم وضرورة توفر صفات الهواء والضوء ( ضوء الشمس) والأمن وغير ذلك فيها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] إقبال الأعمال : ج2 ، ص 686

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)