المرجع المدرسي يتحدث عن مراحل حركة أصحاب الكهف في درس التدبر الثامن خلال شهر رمضان

المرجع المدرسي يتحدث عن مراحل حركة أصحاب الكهف في درس التدبر الثامن خلال شهر رمضان

تدبرات المرجع المُدرّسي في سورة (الكهف) شهر رمضان المبارك / 1438 هـ – (الدرس الثامن)
بسم الله الرحمن الرحيم
{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً (13) وَ رَبَطْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (14) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (15)}
صدق الله العلي العظيم
إحاطة الرب سبحانه لخليقته أمرٌ بيّن إذ كل ذرةٍ في هذا الوجود وأي مخلوقٍ حي أو غير حي تدبيره بيد الله سبحانه وفي كل وجوده مفتقرٌ إلى الله ، وملكوته بيد الله سبحانه ، ولكن ما الذي يجعلنا لا نستشعر بهذه الإحاطة ولا نتواصل مع الرب مباشرة ؟
بلى ؛ حين يبتلى أحدنا ببلاء صعب ويكون في حالاتٍ حرجة جداً يرى ربه ويحدث ربه بلا حجب ويسأله الخلاص من مخمصته ، ولكن هل ننتظر مجيء ساعات العسرة كي نتعرف على ربنا؟
كلا ؛ لابد من الإرتباط بالله قبل حين ،كما فعل أصحاب الكهف الذين تأملوا في أمر السماوات والأرض وخلقتها فعلموا أنّ مقدّرها ومدبّر شؤونها ومديرها لا يمكن أن يكون الحجر أو البشر ، بل هو الله سبحانه الخالق العظيم ، وبتعظيمهم لله الخالق استصغروا كل الآلهة المزعومة من دونه ، وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام : ” عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ”[1].
فحين يتجلى الله للعبد ويدرك عظمته بقدر وعاءه وظرفه سيصغر ما سواه في عينه ، ارأيت مثلاً – والله أجلّ وأعلى من الأمثلة- من يمتلك نور الشمس يعير إهتماماً بشمعة صغيرة ؟
العبرة التي أريد أن أستفيدها هنا ، أن الواحد منا يقدر أيضاً على الوصول إلى تلك المرحلة السامية، فبقدر ما يتمكن من التخلص من الحجب بينه وبين ربه يعرف ربه أكثر وأكثر.
مراحل حركة أصحاب الكهف
طوى أصحاب الكهف ثلاث مراحل حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه:
الأولى : كانت في تأملهم في الكون ، وعدم إمكان أن يكون بلا مكّون وخالق ، ولابدية حكمة وعظمة هذا الخالق لهذا الخلق.
الثانية : الإيمان بالله سبحانه وحده ورفض الإنداد من دونه.
الثالثة : إجتناب المجتمع الفاسد ، وهي من أصعب المراحل لفرض كل مجتمعٍ على أفراده مجموعة من العقوبات فيما لو خالف تقاليده وأحكامه ، وفي هذه المرحلة الصعبة تدخلت الإرادة الإلهية أكثر من ذي قبل وذلك بالربط على قلوبهم وتقوية إرادتهم ، قال الله سبحانه : { وَ رَبَطْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ}.
فحين تشتد العزيمة وتقوى الإرادة يرتبط القلب بالله سبحانه مباشرة ، فلا يحتاج إلى غيره ولا يتوكل على سواه ، كما كان من فعل النبي إبراهيم عليه السلام حين وضعوه في المنجنيق وهو مسلّمٌ أمره إلى الله ، ولا يأبه بعروض الملائكة لإنقاذه حتى ألقي فتلقاه جبرئيل في الهواء فقال : هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ ؟ فَقَالَ أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا حَسْبِيَ اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ فَاسْتَقْبَلَهُ مِيكَائِيلُ فَقَالَ إِنْ أَرَدْتَ أَخْمَدْتُ النَّارَ فَإِنَّ خَزَائِنَ الْأَمْطَارِ وَ الْمِيَاهِ بِيَدِي فَقَالَ لَا أُرِيدُ وَ أَتَاهُ مَلَكُ الرِّيحِ فَقَالَ لَوْ شِئْتَ طَيَّرْتُ النَّارَ قَالَ لَا أُرِيدُ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ فَاسْأَلِ اللَّهَ فَقَالَ : حَسْبِي مِنْ سُؤَالِي عِلْمُهُ بِحَالِي“[2].
وهكذا كان سيد الشهداء عليه السلام أيضاً ، حيث قال الإمام الباقر عليه السلام : ” لَمَّا الْتَقَى الْحُسَيْنُ عليه السلام وَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ قَامَتِ الْحَرْبُ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى‏ النَّصْرَ حَتَّى رَفْرَفَ عَلَى رَأْسِ الْحُسَيْنِ عليه السلام ثُمَّ خُيِّرَ بَيْنَ النَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِهِ وَ بَيْنَ لِقَاءِ اللَّهِ فَاخْتَارَ لِقَاءَ اللَّهِ”[3].
ما الذي حصل حين ربط الله على قلوب أصحاب الكهف ؟
{ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ }
ليس المراد من القيام هنا القيام البدني ( النهوض ) بل إعلان الإيمان ورفض الكفر ، ولكن كيف قاموا؟
كان قيامهم على مراحل ، فقد آمنوا بدين النبي عيسى عليه السلام ، والذي يبدو لنا من خلال بعض الإشارات التاريخية أن أحد حواريي النبي عيسى عليه السلام جاء إلى مدينتهم ورفض دخولها – لإشتراط السلطات السجود للأصنام قبل الدخول- وبقي في محيطها ، وكان يلتقي بهؤلاء النفر كلٌ على حدة ، فآمنوا وهم في مناصبهم المرموقة ( كان بعضهم مستشاراً للملك ).
وبعد الإيمان عاشوا فترةً من الزمن في جو التقية وكتمان الإيمان ، وهذه حالة طبيعية لكل حركة تحررية قبل قيامها العلني.
وفي المرحلة الثالثة أعلنوا عقيدتهم وصدعوا بها أنهم آمنا برب السماوات والأرض.
{لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (14)}
ولم يكتفوا بإعلان الإيمان بالله ، بل أعلنوا تحديهم ورفضهم لكل الآلهة المزيفة وبالتالي تحدّوا قومهم الكافرين ، كما فعل حبيب النجار ( مؤمن يس) حين أعلن قائلاً: { إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُون‏}[4].
والتعبير بـ ( لن ) يفيد التأبيد ، أي لا نعود إلى ما خرجنا منه أبداً ، وإلا فيكون قولنا شطط والذي يعني الإبتعاد عن الصواب والحقيقة.
ومن دلالات إستعمالهم للفظ الشطط أنهم هاجموا الكفار جميعاً بما يعتقدون به من خرفات وعقائد باطلة.
عن القيام
قام الناس تاريخياً لتحقيق أهداف مختلفة وكثيرة ، فمنهم من قام لرداءة الوضع الإقتصادي ، ومنهم من نهض وثار لإصلاح الوضع السياسي ، ومنهم من أراد بقيامه تحكيم قومية معينة ، أو غيرها من ألوان الثورات والنهضات ، ولكن جميعها لا تصطبغ بصبغة إلهية ، ولذلك لا تكون مباركة بل ولا يكون ضحاياها شهداء ، فالحروب التي تشن لأجل المادة والأرض – لا لله – يكون القاتل والمقتول في النار.
فالرب سبحانه يؤيد القيام الذي يكون لأجله ولأجل دينه ، كما قال سبحانه : { يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامينَ لِلَّهِ}[5] ، وذلك لأن جميع المفاسد وضعت في بيت ومفتاحه الشرك بالله ، فنتيجة الشرك هي أنواع المفاسد ، ومبدأ الإصلاحات جميعاً وجوهرها هو الإيمان بالله سبحانه.
فأصحاب الكهف قاموا لله سبحانه ، ورفضوا كل نظامٍ بني على الكفر والشرك ، وأعلنوا عدم مجانبتهم للصواب بإختيارهم لطريق قومهم.
النظام أم الفوضى
{ هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً }
لقائلٍ أن يقول : إن لكل دولة نظامها و منظومتها الإدارية ، فإذا رفضنا كل الدول وكل القوى السياسية ، فإن ذلك سيؤدي إلى الفوضى والهرج.
الله سبحانه عيّن نظاماً للمجتمعات ، فلا يعني رفض تلك الأنظمة الفاسدة الرغبة في الفوضى ، بل هي دعوة إلى الخير والصلاح ، وذلك عبر جعل حق إدارة المجتمع وحكمه بيد من لديه برهان قطعي ودليل ثابت على أنه مرتبطٌ بالله سبحانه.
والأنبياء والأئمة لديهم جميعاً المعاجز التي تثبت إرتباطهم بالله سبحانه ، ومن بعد الأئمة تأتي مرتبة العلماء بالله ، وبالرغم من عدم إمتلاكهم للمعاجز ، إلا أن الضوابط التي جعلها الأئمة عليهم السلام للحاكم الشرعي ضوابط كثيرة وشديدة ، ينبغي أن تتوفر في العالم بصورة مستمرة كي يكون مؤهلاً للولاية.
بينما الكفار اتخذوا مجموعة من الأحجار كآلهة صغيرة لتقربهم إلى الله ، دون أن يكون لديهم دليلاً واحداً على صواب فعلهم ورجحانه:
{لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ }
فلابد أن يأتي كلُ مدعي – خصوصاً في الأمور المصيرية – بسلطانٍ بين ودليل قاطع وبرهان ساطع على ما يدعيه.
ومن هنا لا يصح قبول دعوة كل داعٍ دون التثبت من صدقه أو المطالبة بالدليل، وقد روي عن أبي ذر الغفاري أنه شكّك في صحة عبادة الصنم ، فأراد إختبار صنم قومه ، فحمل إليه قدحاً من اللبن وطلب منه أن يشرب ، ولما رآى لا يحرك ساكناً ظن أنه يستحيي منه ، فأبتعد عنه وراح يراقب الموقف من بعيد ، فجاء ثعلبٌ ليشرب اللبن وبعد شربه اللبن راح يبول على الصنم ، فأنشد أبو ذر : “وَ رَبٌّ يَبُولُ الثَّعْلَبَانِ بِرَأْسِهِ * لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِب‏”.
والحجة المعتمدة هي العقل والوحي ، ودون قيامها لا يحق لأحد أن يتكلم في شأن الدين شيئاً حتى لو كان في أمرٍ بسيط وثانوي ، ومن هنا ترى فقهائنا يبذلون قصارى جهدهم في التثبت من حجية الفتوى التي يصدرونها ، وربما يتوقفون عن الإفتاء لعدم عثورهم على دليل قاطع.
الإفتراء على الله
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (15)}
وفي نهاية الآية تحذيرٌ من يفتري على الله الكذب أو يجعل الله عرضةً لأيمانه الغموسة أو يشهد الله سبحانه على كلام الكذب ، إذ لا أظلم من مفتري الكذب على الله.
ومن المؤسف قيام البعض بتأسيس مذاهب وأديان مختلفة وباطلة لتحقيق مآربهم المادية ، دون الإلتفات إلى أن هذا من أعظم الذنوب بل هم أظلم الناس عند الله سبحانه ، ولا يغفر الله لهم ذنوبهم أبداً، لإنحراف الناس بإنحرافهم ، فقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام : ” كَانَ رَجُلٌ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ طَلَبَ الدُّنْيَا مِنْ حَلَالٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا وَ طَلَبَهَا مِنْ حَرَامٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا إِنَّكَ قَدْ طَلَبْتَ الدُّنْيَا مِنْ حَلَالٍ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهَا فَطَلَبْتَهَا مِنْ حَرَامٍ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهَا أَ فَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْ‏ءٍ تُكْثِرُ بِهِ دُنْيَاكَ وَ تُكْثِرُ بِهِ تَبَعَكَ فَقَالَ بَلَى قَالَ تَبْتَدِعُ دِيناً وَ تَدْعُو إِلَيْهِ النَّاسَ فَفَعَلَ فَاسْتَجَابَ لَهُ النَّاسُ فَأَطَاعُوهُ فَأَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا ثُمَّ إِنَّهُ فَكَّرَ فَقَالَ مَا صَنَعْتُ ابْتَدَعْتُ دِيناً وَ دَعَوْتُ النَّاسَ إِلَيْهِ وَ مَا أَرَى لِي تَوْبَةً إِلَّا أَنْ آتِيَ مَنْ دَعَوْتُهُ فَأَرُدَّهُ عَنْهُ فَجَعَلَ يَأْتِي أَصْحَابَهُ الَّذِينَ أَجَابُوهُ فَيَقُولُ إِنَّ الَّذِي دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ بَاطِلٌ وَ إِنَّمَا ابْتَدَعْتُهُ فَجَعَلُوا يَقُولُون‏ كَذَبْتَ هُوَ الْحَقُّ وَ لَكِنَّكَ شَكَكْتَ فِي دِينِكَ فَرَجَعْتَ عَنْهُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَمَدَ إِلَى سِلْسِلَةٍ فَوَتَدَ لَهَا وَتِداً ثُمَّ جَعَلَهَا فِي عُنُقِهِ وَ قَالَ لَا أَحُلُّهَا حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قُلْ لِفُلَانٍ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَوْ دَعَوْتَنِي حَتَّى تَنْقَطِعَ أَوْصَالُكَ مَا اسْتَجَبْتُ لَكَ حَتَّى تَرُدَّ مَنْ مَاتَ عَلَى مَا دَعَوْتَهُ إِلَيْهِ فَيَرْجِعَ عَنْهُ”[6].
ولعظيم ظلم المفتري على الله وكبير ذنبه ، فإن أغلب أصحاب التابوت في جهنم هم ممن حرّفوا الأديان الإلهية وأفتروا على الله الكذب ونسبوا إليه ديناً لم يأمر به.
نسأل الله سبحانه أن يربط على قلوبنا لمقارعة الكفر والطغيان.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] تحف العقول : ص 159
[2] بحار الأنوار : ج68 ، ص 156
[3] اللهوف على قتلى الطفوف : ص 102
[4] سورة يس : الآية 25
[5] سورة المائدة : الآية 8
[6] من لايحضره الفقيه : ج 3 ، ص 573

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)