الدكتور الراشد في حوار مع مجلة الهدى: عندما تغلق الديكتاتورية الأبواب أمام الحرية فليس للشعوب سوى المجابهة المفتوحة

الدكتور الراشد في حوار مع مجلة الهدى: عندما تغلق الديكتاتورية الأبواب أمام الحرية فليس للشعوب سوى المجابهة المفتوحة

حاوره: محمد علي جواد
لمجرد ارتفاع أصوات الاعتراض على قرار حكومي جائر، او الاحتجاج على سياسات التمييز وكبت الحريات، حتى تنطلق سهام الاتهام بـ «العنف» أو «التخريب» وغيرها من المفردات السلبية التي يستعيرونها من كيان النظام الديكتاتوري ويلصقونها بالجماهير المنتفضة والمطالبة بحقوقها المشروعة، بيد أن مسار الاحداث خلال السنوات الماضية، أثبت أن العنف والارهاب وحالة عدم الاستقرار إنما هي نتاج الحكومات الفاسدة، بينما تمضي الشعوب في طريقها، رغم التضحيات والتحديات، نحو تحقيق اهدافها السامية. الى ذلك يتحدث الدكتور راشد الراشد، رئيس المكتب السياسي في تيار العمل الاسلامي في البحرين، الى مجلة «الهدى» في حوار تجريه معه للمرة الثانية، فقد كان اللقاء الأول في صفحاتها في العدد (280) في شهر حزيران عام 2015، وفيه دعى الأمة الى تحمّل مسؤولياتها لتحقيق التغيير الشامل، واليوم يميط اللثام عن وجه الأنظمة الفاسدة التي تبذل جهوداً مستمية لمواجهة عزم وارادة الشعوب من خلال تصعيد وتيرة العنف في ساحة المواجهة
مفهوم العنف والأهداف المشروعة.

يرى البعض أن عنف الجماهير في مواجهة النظام الحاكم، ينطوي على محاذير فقدان الشرعية وتجاوز الحدود، بينما يرى آخرون أنه وسيلة شرعية لتحقيق اهداف شرعية في ظل حكم ظالم وجائر، ما هي رؤيتكم في هذا المجال؟

يتصل مفهوم استخدام «القوة» بمدى مشروعية وشرعية الغرض الذي من أجله تستخدم «القوة»؛ فالدولة بحاجة إلى «القوة» لحفظ النظام العام في المجتمع، والمجتمع هو الآخر بحاجة إلى «القوة» فيما لو كان هنالك هتك للسيادة والكرامة، أو كان هناك من يشكل وجوده خطراً على الأمن والسلم الأهلي والإجتماعي.
وبطبيعة الحال لا أحد يحب استخدام العنف كوسيلة لتحقيق الأهداف، سواءً لبسط السيطرة والنفوذ، كما تفعل الأنظمة الديكتاتورية المستبدة بشعوبها، كما لا يحب أحد اللجوء إلى لغة القوة في معالجة
البسيط من الإشكالات السياسية التي يمكن حلها من خلال أدوات السياسة والاجتماع وغيرها، ولكن؛ السؤال الملح هو متى يصبح استخدام القوة مشروعاً؟

للأسف الشديد في معظم بلادنا العربية والإٍسلامية، تستخدم السلطات الحاكمة القوة والعنف في المقام الأول لحماية سلطة الاستبداد والديكتاتورية، ولحماية ذوي النفوذ في تلك السلطة، وليس لتعزيز النظام العام وتكريس الاستحقاقات الوطنية، وذلك على حساب حماية المجتمع من الأخطار التي تهدده، بل ويصبح القابعون على عرش الاستبداد، هم أكبر خطر على كرامة الناس وأمنهم الاجتماعي بل وحتى حياتهم.
الحقيقة؛ إنه عندما يستنزف المجتمع كل خياراته في إصلاح الأوضاع المغلوطة، وتقوم عصابات الاستبداد بزيادة جرعات القمع والبطش والتنكيل بكل صوت ينادي بالإصلاح، ويصبح جميع أبناء المجتمع في حالة خطر داهم من ممارسات الأنظمة القمعية، وتمتلئ السجون بالناس، وتعج غرف التحقيقات ويسقط الكثيرون ضحايا انتقام السلطات الديكتاتورية، وتضع السلطة المجتمع أمام خيار واحد لا ثاني له؛ إما الخضوع أو الموت، فإن مقاومة هذا الظلم الفاحش يصبح ضرورة أخلاقية وله كل الشرعية والمشروعية، ضمن الضوابط والموازين الدينية التي تحضّ على وجوب الدفاع عن الكرامة والعرض.
اذا سلمنا بمبدأ استخدام القوة والعنف لأهداف مشروعة، هل من ضابطة او شروط معينة لأسلوب وآلية استخدامها من قبل الجماهير لمواجهة قمع السلطات الظالمة؟

عادة ما يصعب السيطرة والتحكم عندما تصل الأوضاع إلى منطقة «الدماء» و «الكرامة» وسيكون الواقع أبعد بكثير من الصورة المثالية والنمطية التي يمكن أن يتحدث بها المثقفون من غرفهم ومكاتبهم، بعيداً عن المعاناة والألم اللذين يكابدانه ضحايا القمع والإستبداد، ولذلك دائماً ما يحذّر العقلاء في أي مجتمع من مخاطر جر المجتمعات الإنسانية إلى المجهول في إشارة إلى هذا، وإلى خروج الأمور عن السيطرة والتحكم، بحيث يصبح ما هو ممكن قبل انفلات الأمور من عقد طاولات حوار وتفاهمات، إلى ما لا يمكن بعد اللجوء إلى العنف والعنف المضاد، ولهذا الأخير تداعياته وآثاره.
الإسلام من جهته يعد من يدافع عن كرامته وعرضه وماله ويقتل دون ذلك شهيداً، ويعطيه هذه المنزلة الرفيعة، وهذا بحد ذاته دالٌ على أن المبدأ الأساس؛ وجوب الدفاع عن الكرامة والعرض والمال في حال وقوع التعدّي والظلم وذلك دون أية قيود، وهنا يمكن أن نفهم بأن وقوع الظلم هو الضابطة والمعيار الوحيد لشرعية المجابهة والمقارعة.
أما الخطوات التي يجب القيام بها لمجابهة الظلم والفساد فانها تتمثل في حال استنفاد كل وسائل النصيحة والتوجيه والإرشاد، أولاً: ممارسة الضغوط السياسية والاجتماعية و استغلال النفوذ في زيادة جرعات الضغط على السلطة المستبدة لتصحيح الأوضاع بالوسائل والأدوات السياسية المتعدّدة كالتظاهر والاحتجاج بشتى أدواته وسبله، وعندما تزيد السلطة في عنادها وفي مستويات وحجم القمع والقتل، تكون الخطوة الثانية بأن تصبح لكل الوسائل شرعيتها ومشروعيتها بغض النظر عن استفادة المجتمع وقيادتها منها أم لا.
ليس من المنطقي أو الحكمة الاستسلام والخضوع للظلم والقهر والاضطهاد بمبرر الضعف والعجز كما لا يصح لاستقامة أمن المجتمع وحمايته من إرسال رسائل للسلطة المستبدة بأن المجتمع مجرد كيان لمجموعة من العجزة والمعاقين الذين ليست لديهم القدرة على مجرد الدفاع عن أنفسهم أمام بطش السلطة الديكتاتورية وجبروتها، لأن أكثر ما يشجع على طغيان سلطات الإستبداد، إحساسهم بعدم الخوف من ردات فعل المجتمع ضد ممارساتهم الظالمة والعدوانية.
نعتقد بـ «انتصار الدم على السيف»، لو تحدثوننا عن هذا المبدأ، و تأثيراته على مسيرة المواجهة لتحقيق المطالب العادلة.
“انتصار الدم على السيف» مقولة شعبية التصقت بثورة واستشهاد سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين، عليه السلام، حيث أن الدم المسفوك في القضايا العادلة ينتصر على سيف الظلم والبغي والعدوان حتى وإن استطاع إنهاء حياة المظلوم بقوة السيف وحده الصارم.
هذه المقولة أعطت الدفع باتجاه الاستعداد للتضحية والشهادة، إذا لزم الأمر في مجابهة الظلم ومقارعة الفساد السياسي والاجتماعي الحاكم، إذ لا قيمة للحياة دون كرامة وفي ظل الذل والامتهان.
و استعداد الناس للموت دون كرامتهم، قيمة كبرى، حيث تضع الطغاة والمتجبرين أمام تحدي كشف وجوهم الدموية على حقيقتها، وتعري كل خطاباتهم الزائفة حول القيم العامة.
وهناك طريقان لانتصار الدم على السيف: طريق يمثل رؤية و راية، ويتمثل في سلوك سبيل المجابهة والنزال مع الحكم الطاغي، وطريق يمثل التضحيات المجانية عندما يبرز الناس بصدور عارية أمام فوهات البنادق متوشحين باللباس الأبيض كدلالة على التحضّر والتمدن في مقابل جبروت وعنف السلطة.
إن التضحية الثانية بلا ريب هو انتحار ليست له أدنى قيمة، وربما ساهمت ثقافة التضليل التي تبثها نفس أجهزة الأنظمة الاستبدادية أن؛ واجهوا عنفنا ورصاصنا بصدور عارية و ارفعوا شارات النصر والبطولة، فيذهب جيل كبير من المرشحين المحتملين لتشكيل القوة الضاربة، إلى مجرد ضحايا لقيم نظرية خاوية عندما يتقدمون لبنادق ومدافع الاستبداد بالصدور العارية لمجرد شعور وإحساس خاذل وكاذب بالبطولة والفداء.
لابد من إعادة النظر في صياغة قيم التضحية والفداء والبطولة والشهادة بأن يتخذ أبناء الأمة مواقعهم الصحيحة عندما يصلون إلى قناعة؛ أن الاستعداد للتضحية من أجل الكرامة والمقدّسات، هو مواقع النزال والمقارعة، وليس بلبس الصدور العارية، ولبس الأكفان إلا إذا كانت تعبيراً عن إيصال رسائل تتعلق بالاستعداد للمجابهة والمواجهة، وإن تطلب الأمر الدماء فنحن جاهزون.

ما رأيكم بمقولة: العنف الوسيلة الوحيدة لإيصال صوتنا الى مراكز السلطة؟

لا أظن بأن هذه الجملة في سياقها المطروح سليمة وصحيحة، ولم أقف على أي طرف سواء شخصية اعتبارية أو معنوية من صرح أو قال بمثل هذا الكلام، فجميع الحركات السياسية في شعوبنا العربية والإسلامية هي من النضج والرشد بحيث لا تسقط مثل السقوط المدّمر.
نعم؛ عندما توصد جميع الأبواب قد يكون الحل النهائي والأخير والقرار الصعب في تبني خيار مجابهة غرور السلطة المستبدة وعنادها وإصرارها على فرض لغة العنف والقوة فحسب، ولكن؛ لا يصح أن يكون الهدف منه هو مجرد إيصال الصوت إلى مراكز السلطة، بل لإرغامها على النزول للإرادة الشعبية وإجبارها على ذلك.
فـ «القوة» عندما يتم اللجوء إليها فإن الهدف سيكون هو إجبار وإرغام السلطة على التراجع وإتخاذ القرارات التي من شأنها إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي، حيث لا تجدي خطابات التوسل في إقناع أي نظام استبدادي شمولي بالتراجع أو التنازل عن أي مساحة من السلطة وحتى الثروة، بل هم مستعدون لإراقة الدماء والبطش والتنكيل بأسوأ ما يكون من أجل تجذير تسلطهم وتكريس تجبرهم و احتكارهم للسلطة لما فيها من قوة وهيبة ونفوذ ومال.

بين عنف السلطة ومطالب الجماهير
تحاول السلطات الديكتاتورية التوسّل بمقولة «حفظ الأمن والاستقرار» لإضفاء صبغة الشرعية على العنف والقمع الذي تمارسه ضد الجماهير المطالبة بحقوقها المشروعة، كيف تتعاملون مع هذا الخطاب؟

إن اليافطات التي تستخدمها السلطات المستبدة والديكتاتورية من قبيل حفظ الأمن والإستقرار وحماية المجتمع ودولة القانون والمؤسسات، إنما هي مجرد شعارات يتدثرون بها لإخفاء الوجه القبيح وللاستحواذ على السلطة والموارد، وهذه السلطات التي لا تستند في وجودها إلى أية شرعية وإنما تستمد وجودها من خلال «القوة» والقوة فحسب؛ إنما تلوذ بمثل تلك اليافطات لتكريس الهيمنة والاستحواذ المطلق على السلطة، ولذلك فإن خطاب التباكي على مصالح المجتمع وأمنه واستقراره، ما هو إلا شماعة لتعليق لباس الديكتاتورية والاستبداد. وعادة ما يوظف الطغاة المستبدون كل المفاهيم الإنسانية الخيّرة، كالحرية والكرامة والأمن والرفاه، بحيث جميعها تختزل في شخصية الطاغية الذي يحكم ويسيطر على السلطة ومن يخالف السلطة فتسل الأخيرة سيفها ضد المعارضة تحت عناوين حماية الأمن والإستقرار.
يقول غاندي في وصفه قمع السلطة لحركة الشعب الثائر سلمياً بأن عنف السلطة يكون كمن يضرب الماء بالسيف ليقطعه، كيف تقيمون آثار عنف السلطة على حركة الجماهير الغاضبة؟
العنف لا يولد إلا عنفاً مقابلاً، والسلطات الديكتاتورية ومن تتصف بالاستبداد هي وحدها التي تلجأ للعنف كأداة للسيطرة وكخيار استراتيجي لبث الخوف والرعب والهلع بين صفوف الناس لكي لا يقتربوا ولو بمقدار شعرة من محاسبة السلطة ومسؤوليها عن أي شيء يتصل بالسلطة والموارد.
وعادة لا تكتفي مثل هذه الأنظمة المستبدة من احتكار السلطة وحدها فحسب، وإنما تعد الموارد جزءاً من السلطة والهيمنة، ولذلك، تجتهد لتحويل الأوطان إلى مملكة خاصة وتتصرف على هذا الأساس ويكون العنف و استخدام القوة هي اللغة الوحيدة التي تتعاطى بها مثل هذه السلطات مع الشعب، وهنا تزداد مساحة الهوة التي تفصل بين الشعب والنظام السياسي فيسود الاحتقان الذي يرتفع مع الزمن بازدياد وتيرة القمع ومصادرة الحريات و استشراء الفساد السياسي والإداري والمالي ليتحول إلى غليان جاهز للانفجار في أية لحظة.
قد يتوهم المستبدون بأن الخوف والرعب من سيف السلطة واستخدام العنف كخيار استراتيجي، يكون هو السبب الوحيد لضمان ديمومة واستمرار الحكم لديهم، لكن حقائق التاريخ تقول بأن كل قطرة دم يريقها النظام الديكتاتوري تجمع معها شلالاً من الغضب والحنق ضد النظام وهذه هي المقدمة الأساس للثورات الشعبية.

كيف بالامكان تحويل الغضب الجماهيري، من ردود فعل عنيفة ضد الاجراءات القمعية، الى رسالة حضارية للتغيير الحقيقي والشامل؟

ليس مطلوباً من الشعوب أن تتحمل الظلم بلا حدود أو أن تتحمل إمتهان كرامتها بلا حدود، بل على العكس من ذلك يجب أن يصل العالم المتحضر اليوم إلى آليات ملائمة لمراقبة إجراءات السلطات الحاكمة، وتصل إلى حوكمة أداء السلطات لكي تكون أداة من أدوات نشر العدل وبسط قيم السلام في العالم.
إن الغضب الجماهيري لا يأتي من فراغ ولا يأتي إلا بعد سنوات مديدة من تحمل شتى أنواع الظلم والاضطهاد والقهر السياسي، وهو نتيجة لتلك الممارسات التي تقوم بها السلطة التي تحكم بدون كوابح لجنوحها نحو ممارسة أعمال العصابات وقطاع الطرق من أجل السيطرة والنهب وتحويل الأوطان إلى مزارع وإقطاعيات خاصة يتقاسمها أصحاب السلطة ومن هم في عباءتها من ذوي النفوذ.
إن على العالم وهو يدّعي التحضر؛ أن يجد حلولاً عملية لتكون الانظمة السياسية في المنطقة، أداة من أدوات حفظ العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، وأن تكون لها شرعيتها المستمدة من رحم الشعوب وليس بقوة السيف وفوهات البنادق والمدافع.
أما الشعوب فلها الحق في مجابهة الظلم والإضطهاد ولها شرعية ومشروعية استخدام كل الوسائل المشروعة لوضع حد للاستبداد والتجبر والطغيان.
إن سيطرة الأنظمة الديكتاتورية في عالمنا العربي والإسلامي ما هو إلا نتيجة لرسائل العجز التي تضخها شعوبنا وصمتها عن الديكتاتورية والاستبداد.

محنة الواقع وآفاق المستقبل
يعتقد البعض أن الانجرار خلف الاساليب العنيفة يؤدي – فيما يؤديه – الى حدوث بعض التصدعات في الكيان الاجتماعي، وظهور آراء بعدم صحّة التصعيد بغية الضغط على النظام الحاكم لتحقيق مطالب الشعب، بالمقابل هنالك من يتحدث عن «الانبطاحيين»، وهذا التضارب في الرؤى ما يريده النظام الديكتاتوري بالتحديد، كيف السبيل للحدّ من استفحال هذه المشكلة؟

المصلحون الاجتماعيون الحقيقيون هم دائماً من يدفعون ثمن تخاذل الأكثرية في المجتمعات المضطهدة، خاصة عندما يكون الخوف من إجراءات النظام الديكتاتوري وصلت حد الاستباحة الشاملة، وعندما تكون الإغراءات بالأمان وحفظ النفس والمال أو زيادته هي السمة البارزة.
إن الغريب في أمر مقارعة أنظمة الجور، ظهور المتخاذلين وتجار الضمير من النفعيين والمصلحيين، في مواجهة المصلحين؛ خاصة عندما تبدأ خطوات المصلحين بالتأثير لتغيير المعادلة؛ فهناك الكثير منهم من يضعون مصالحهم الشخصية فوق كل اعتبار، فيقدم العاملون المضحون من أجل التغيير، قرابين صغيرة بيد الأنظمة المستبدة ليثبتوا ولاءهم وتمسكهم بالنظام، حماية لمواقعهم ومصالحهم الخاصة حتى لو قدّموا رقاب نصف المجتمع على مقاصل القتل بيد النظام الديكتاتوري!
وهنا عادة ما يكون المؤمنون المضحون، مشغولين بمقارعة النظام، وتكون مواقفهم وآراؤهم حيث يجب أن تكون، نجد هنا من ينبري للتشكيك بمسيرتهم ويقومون بنعتها بشر النعوت، لذا ترى الجبناء، أول الشجعان ليس في مواجهة من يمارسون القتل والاستباحة الشاملة لحرياتهم وكرامتهم، وإنما لمواجهة الثلة المؤمنة والمضحية والساعية لتحقيق العدالة وإحقاق الحق.

هنالك من يقول إن الذين نجحوا في تحقيق التغيير السياسي عبر العنف، فشلوا في توفير الامن والاستقرار والحياة الطبيعية لشعوبهم في مرحلة ما بعد الديكتاتورية، كيف تردون على ذلك؟

هذه مقولة تروجها الأنظمة الاستبدادية في عملية إقناع خطيرة لعقول الأمة بأن تتقبل الديكتاتورية والظلم والاستبداد ووحشية الأنظمة الفرعونية على السعي من أجل تحقيق العدالة الإجتماعية.
في عصرنا الراهن تبذل الأنظمة الديكتاتورية جهوداً جبّارة من أجل غرس فكرة؛ أن الحركة المطلبية الشعبية لوضع حد للديكتاتورية والاستبداد ونتائجه المترتبة عليه هي أسوأ بكثير من القبول ببقاء هذه الانظمة وتلاعبها بمقدرات الأمور في مجتمعاتنا.
وتجتهد الأنظمة الديكتاتورية التي تعيش أوضاعاً متشابهة بل ومتطابقة إلى حد بعيد في جعل الأوطان مجرد هيكل عظمي فارغ المضمون والمحتوى لإقناع شعوبها بأن الديكتاتورية نعمة ليست وراءها نعمة، مقابل مشاهد فقدان الأمن الاجتماعي والسلم الأهلي! وهذه معزوفة بدأت الأنظمة الديكتاتورية تعزف عليها بشدة ووتيرة متصاعدة كلما أحست باقتراب حدوث هبة غضب جماهيرية تتطلع إلى اقتلاع جرثومة الفساد وتقضي على عهود الظلم والاستبداد والطغيان.
ولم تكتف تلك الأنظمة بتحريك ماكنتها الإعلامية الضخمة لغرس مثل هذه الأفكار في عقول الأمة، بل وظفت إمكانياتها في زعزعة أمن و استقرار البلدان التي نجحت فيه شعوبها بإسقاط الديكتاتوريات، وعمدت فيها بكل وحشية إلى العنف المتوحش لكي يكون مادة الدعاية التضليلية بأن حركة المطالبة بالحرية والعدالة ثمنها المفخخات وفقدان الأمن والسلم الاجتماعي!

في مقابل سياسة القمع والعنف الذي تمارسه السلطة، ما هي رسالتكم لشعب البحرين وللعالم؟

لقد تمادى النظام الحاكم والمتسلط في البحرين باستخدام لغة العنف، وجعلها الخيار الوحيد للتعاطي مع حركة المطالب الشعبية التي أنهت قبل أيام عامها السادس ودخلت عامها السابع وهي تواصل بذات الوتيرة حركتها السلمية المطالبة بالاستحقاقات الوطنية.
فقد قام النظام مؤخراً بممارسات غاية في التوحش تتصل بقتل المعارضين والمتظاهرين بالرصاص الحي والقتل خارج القانون في تحول لافت في التعاطي مع مطالب الشعب المشروعة.
حركة العنف الرسمية، كحالة غيرها في أي مكان، سوف تجر البلاد بل والمنطقة إلى المجهول، خاصة وأن شعب البحرين بقواه ومعارضته بدأوا مرحلة صعبة من الحراك الشعبي المطلبي إذ تواجه حركة المطالب الشعبية المدنية بلغة الرصاص والعنف المفرط لتسد الطريق بشكل فادح أمام محاولة الشعب برمته من أجل التغيير وبناء النظام السياسي الذي يستمد شرعيته من الإرادة الشعبية.
وبكل أسف فإن المجتمع الدولي الذي يتشدق ليل نهار بحمايته لمبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم، ليس فقط لم يعبأ بحركة الشعب في البحرين، وإنما وقف مسانداً جهاراً لحكم ديكتاتوري مستبد مرفوض شعبياً، وأصبحت الحقائق مكشوفة بغير غطاء بعد الثورات التي هبت خلال الخمس السنوات الماضية في اكثر من بلد عربي وإسلامي حيث بدا واضحاً حجم الكذب الذي كنا نعيشه حيال المجتمع الدولي كراعي للديمقراطية والعدالة وكحامي لحقوق الإنسان.
لقد فقد شعب البحرين وبكل قياداته الدينية والوطنية، الثقة في المجتمع الدولي وبات يدفع ثمن تطلعاته نحو تحقيق الديمقراطية وإقامة العدالة والحرية، بتضحيات كبيرة من دماء أبنائه كان من الممكن تجنبها لو كنا نعيش في عالم متحضّر.
وكلمتنا بهذا الخصوص: بات واضحاً أن العالم أصبح بحاجة إلى إعادة صياغة من جديد تخرجه من نتائج معاهدة «سايكس بيكو» المشؤومة التي شرعنت للسيطرة والنفوذ على العالم تحت قاعدة «القوة».
ولشعبنا في البحرين: لا خيار إلا المواصلة في مسيرة التغيير، وإن تطلبت المزيد من التضحيات فإن التراجع من منتصف الطريق يعني ضياع جميع التضحيات الجسام التي قدمها على مذبح الحرية والكرامة.

العالم يعيش اليوم هاجس الرعب من منهج العنف الذي تبنته جماعات تلفعت رداء الدين الاسلامي، كيف لكم ان تقدموا صورة نموذجية لشعب يطالب بحقّه باساليب حضارية، وجدير بالتضامن والدعم من جميع شعوب العالم؟

بكل أسف من يغذي منهج العنف هو جموح «الدولة» والأنظمة السياسية القائمة للسيطرة وبسط نفوذها على أوسع رقعة ممكنة من البلاد، وهذا يحدث على كافة المستويات؛ فعلى المستوى الدولي تجمح أمريكا ومعها الغرب للسيطرة والهيمنة وبسط نفوذها على العالم من خلال «القوة» و القوة فحسب، كما أن السلطات الحاكمة في نطاقها القطري أيضا تجمح للسيطرة والهيمنة المطلقة على الدولة وبسط نفوذها الكامل على مفاصل ومقدرات الدولة باستخدام النهج نفسه.
وعندما نتحدث عن الأساليب الحضارية نغوص في أعماق واقع مليء بالتحديات الصعبة والضخمة في آن معاً، كما هو حسب التجربة وبسبب هيمنة ماكينة الإعلام تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بغزو البلدان والتدخل في شؤون بلاد العالم، وفرض إرادتها تحت عناوين قيم عامة؛ كحفظ الأمن والسلام الإقليمي والعالمي، كما يقوم النظام السعودي مثلاً بشن عدوان غير مبرر أخلاقياً على بلد آخر هو اليمن، تحت عنوان «استعادة الشرعية»، وكما قامت بالتدخل السافر في البحرين و اجتياحها تحت ذريعة «حفظ النظام والمواقع الإستراتيجية»، كما تم التدّخل في سوريا وتحت عناوين لا تخرج عن سياق حماية الإرادة الشعبية فيها وتعزيز مبادئ الديمقراطية، وهكذا جرى ويجري تمزيق ليبيا وتونس وافغانستان ولبنان ومعظم بلادنا الإسلامية.
شعبنا في البحرين ظل وفق «الأساليب الحضارية» طيلة قرنين ونيف من الزمن مطالباً بالعدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص، كما ظل مطلب الدستور على رأس المطالب الشعبية طيلة هذه المدة من الزمن، وعبر أساليب حضارية كالتظاهرات و الاعتصامات السلمية، وحتى عبر حركة الأعيان والوجهاء وخطابات تستهدف تحريك المنطق والأخلاق والمثل، وهكذا تحرّكت جميع شعوب المنطقة لكن أي منها لم يلقَ آذاناً صاغية، ولم يتحرك الاستبداد وسيطرة الأنظمة الديكتاتورية بل تعمقّت بشكل مريع ومتوحش.
لذا يجدر القول: إن خطابات المنطق والضمير والوجدان قد تنفع مع من يعتمدها كأسلوب ومنهج، لكنها بالتأكيد ليست لها أدنى قيمة في مواجهة لصوص وقطاع طرق ومغتصبي الحقوق الذين يستخدمون لغة السيف والعنف بأبشع صوره، من أجل السيطرة والاستئثار المطلق بالغنائم، فلمثل هؤلاء تبرز قضية «الأخلاق» في فضل المجابهة والمواجهة حتى الاستشهاد من أجل ردع الظلم ووقف العدوان.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)