مَن المستفيد من تأخر العمل بمشروع الحكومة الإلكترونية

مَن المستفيد من تأخر العمل بمشروع الحكومة الإلكترونية

 

قيس عيدان تصوير

 

استغربنا … واندهشنا قبل سنوات عشر ونحن نسمع للمرة الأولى مصطلح    (الحكومة الإلكترونية ) … كان ذلك في عام 2004 حينما أعلنت وزارة العلوم والتكنولوجيا عن وضع الخطط اللازمة لبدء العمل بالحكومة الإلكترونية حيث بقينا ننتظر وننتظر ( إنجازاتها ) حتى كان عام 2009 حيث أعلنت وزارة العلوم والتكنولوجيا عن بدء الحكومة الإلكترونية عملها ولو في مؤسسات محدودة جداً ، إذ بدأ العمل في مديرية المرور العامة من خلال الحصول على استمارة اجازة السوق وكذلك بدأت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العمل بالحكومة الإلكترونية من خلال التقديم الى الكليات والمعاهد عن طريق الاستمارة الإلكترونية.

و… بقينا ننتظر بقية مؤسسات الدولة لتبدأ عملها بالحكومة الإلكترونية لأجل تسهيل تقديم خدماتها للمواطنين بالسرعة الممكنة ، حتى كان منتصف الشهر الماضي حينما أُعلن عن بــدء العمل في (بوابة الحكومة الإلكترونية العراقية ) .

لكن … لماذا هذا التأخير في بدء العمل بالحكومة الإلكترونية برغم أن المشروع بدأ قبل سنوات عشر ؟

للإجابة على سؤالنا هذا كان لنا لقاءات مع متخصصين ومواطنين لمعرفة آرائهم بالحكومة الإلكترونية التي اُعلن عن البدء بعملها من خلال (بوابة الحكومة الإلكترونية العراقية).

 

تأخير العمل باستخدام المشروع 

 

المدير التنفيذي لرابطة المصارف الخاصة في العراق عبد العزيز حسون أشار إلى أن دول العالم المتقدمة بدأت باستخدام التقنيات والتكنلوجيا الحديثة لغرض تنظيم الادارة وتقديم متطلباتها بيسر وسهولة ، والقطاع المصرفي بالعراق استخدم هذه التقنيات وله القدرة على تنظيم أموره قياساً لتجارب دول العالم ولكن عدم وجود منظومة متكاملة جعلنا متأخرين فى استخدام هذا المشروع ،وان المصارف الخاصة واكبت التطور الحاصل في التقنيات الحديثة في تعاملاتها المصرفية ونحن وللأسف الشديد نمتلك جميع الإمكانيات والقدرات والأموال لمواكبة هذا التطور ، لكن المشروع لا يزال أسير التعليمات والمحدّدات .

حسون أوضح أن البنك المركزي يعمل حاليا مع جهات محلية وخارجية من أجل إصدار قانون خاص بكل أنظمة الدفع الإلكتروني ليتم العمل ضمن بيئة قانونية سليمة وهو يمتلك واحداً من أكثر أنظمة الدفع الالكترونية المتطورة في العالم وهو النظام المسؤول عن تبادل أوامر الدفع بين البنوك آلياً باستخدام شبكة آمنة وفعالة كما تقع مسؤولية تشغيل وادارة حسابات التسوية بين المشاركين إنها تكون محصورة بالبنك المركزي نفسه لضمان سلامة وكفاءة أنظمة الدفع وعمليات المقاصة وهذا ما اُطلق عليه ( مشروع المقسم الوطني ) وان هذا المشروع سيقدم خدمة مصرفية كبيرة للمواطنين من خلال توحيد جميع المصارف سواء الأهلية أو الحكومية بنظام المقسم الوطني الذي يهدف الى تحسين نظام المدفوعات في العراق، وان هذا النظام يُتيح سحب وتحويل مبالغ مالية من منافذ البيع او النقاط المخصصة للنظام لجميع المصارف التي ستكون منتشرة في عموم أرجاء العراق .

 

الاعتماد على الالتزام الفكري والأخلاقي 

 

قاسم عبد الهادي محاضر فى جامعة الإمام الصادق يشير لـنا أن مبدأ الحكومة الالكترونية يعتمد على الالتزام الفكري والاخلاقي قبل الالتزام التقني في استخدام التكنولوجيا المتاحة ، فالحكومة الإلكترونية تعمل على مبدأ إن مواطنيها أعزاء عليها الى درجة انها تحرص عند قيامهم بانجاز معاملاتهم على تقليل الوقت والجهد والكلفة في انجاز تلك المعاملات التي تنجز بالطريقة الاعتيادية فهي ايضا بسيطة, عبد الهادي أشار الى أن إصرار الحكومات المتقدمة على توفير أقصى درجات الراحة لمواطنيها حيث تحتم عليها تطويع التقنيات الحديثة في خدمة مواطنيها , فلا ترغب ان يتكبد المواطن عناء الذهاب الى دائرة الضريبة ( مثلا ) وتحمله كلفة النقل والمسافة والجهد البدني والوقت فتوفر له امكانية تحقيق ذلك وهو جالس في داره ، وأن هذا الالتزام لا يقتصر على انجاز المعاملات فقط ، بل هو جزء من فلسفة حكومات هذه الدول بتوفير الراحة والرعاية في مجالات الحياة كافة.

 

مع الفساد لا يمكننا النجاح

 

قاسم أكــد على أهمية قيام إحدى الدوائر الخدمية على تطبيق النظام لإنجاز نوع معين من المعاملات وأُنفقت أموال طائلة في سبيل تحقيق تقنية جديدة تتيح للمواطن إنجاز معاملته بواسطة الانترنت ، وقد نجح الأمر فعلا في بدايته وبعد أيام اكتشف العاملون في هذه الدائرة أن التطبيق الالكتروني الجديد قد قطع عنهم الكسب الحرام الذي كانوا معتادين عليه، وأن معاملات المواطنين أصبحت تنجز خلال يوم واحد بدلا من أشهر ، وقد أزعجهم ذلك مما دفعهم الى تعطيل التطبيق الالكتروني والعودة بالدائرة الى حالة أسوأ مما كانت عليه من قبل ، وأن تطبيق هذا النظام لا يمكن له أن ينجح في بلد يتفشى فيه الفساد الاداري والمالي خصوصاً حينما نشاهد العديد من المواطنين حين مراجعتهم من وراء الشبابيك والأسيجة تحت أشعة الشمس الحارقة , لا يمكن لهذا النظام ان ينجح في دائرة اعتاد موظفيها على ابتزاز المواطن واستغلاله , ولا يمكن له أن ينجح ايضا مع فكر اداري ضيق منغمس في الفساد والمصلحة الشخصية!

 

المتنفذون والمعتمدون أول المستفدين 

 

المواطن سرمد عبد الكريم 34 عاماً يشير الى أن الإجراءات والروتين في دوائر الدولة مطلوبة من بعض الموظفين المستفيدين، وهذه قضية معروفة للجميع من رأس الحكومة وحتى أصغر موظف.

وأن الإجراءات باتت تقلق المواطنين الراغبين بانجاز أية معاملة لأنها تحتاج إلى وقت طويل خاصة وأن الدوائر هي التي تقوم بالتأكد من صحة صدور الوثائق الرسمية بروتينها القاتل والممل وبمزاجية الموظفين وشعور بعضهم بعدم الجدية والإخلاص بالعمل ما يعرضها الى الإهمال لأسابيع وهذه عملية لا يتحملها المواطن وعليه لابد من إيجاد بدائل من خلال البحث عن حلول لهذا الذي يجري حتى لا يقع المواطن ضحية ابتزاز ! 

سرمد أكد انه زار إحدى الدول مؤخراً للمشاركة فى دورة تطويرية اُرسل من قبل دائرته، أوضح أن قيمة الانسان نشاهدها هناك من خلال توفر الخدمات والعمل بكل جهد لتقديم الأفضل ، بل وصل الأمر الى قيام الطبيب المختص للعائلة بمتابعة المريض بنفسه ويجرى الاتصال مع مريضه لبيان نتيجة وضعه بعد أن وفرت له جميع الخدمات الادارية والتعليمية ، وتساءل سرمد عن أعداد المعتمدين في دوائر الدولة وقياس هذا بمقدار الراتب الذي يتقاضاه وحجم الإنفاق المادي اليومي له، بل وصل الأمر أن (المعتمد) يمتلك سيارة حديثة وبسعر غير معقول قياساً الى ما يتقاضاه من راتب ، لكن الذين يعرفون بطبيعة عمل (المعتمد) يعرفون انه لا يعتمد على راتبه ، بل على (المقسوم) الذي يحصل عليه من المراجعين لأجل تمشية معاملاتهم بالسرعة الممكنة . 

 

تطبيق النظام سيقضي على الابتزاز 

 

رنــا موظفة في إحدى دوائر الدولة ذكرت أن تطبيق العمل بالحكومة الالكترونية اصبح أشبه بالحُلم الموعود إذ أن إطلاق مشروع الحكومة الالكترونية سيقضي على الأساليب المتبعة حينما يبدأ أي موظف بالضغط على المواطن من خلال الطلب في الـتأكد من صحة ما يقدمه من أوراق ثبوتية وقد يتطور الأمر للتأكد من بقية الوثائق وهي وسيلة قد يلجأ إليها بعض ضعاف النفوس وتقود إلى التعامل بالرشا والمحسوبية والبحث عن معارف ووساطات لحـل تلك الإشكالات .

 

لا بــدَّ من قوانين لتسهيل العمل 

 

الدكتور الاختصاصي فاضل علي عباس أشار لنا أن العمل فى هذا المشروع يحتاج الى العديد من التعليمات والقوانين لتسهيل عمله على أن يكون هناك وعي للجميع بأهمية هذا النظام خصوصاً عندما نتحدث عن الصحة الالكترونية فيجب النظر في الحقوق والأخلاقيات التي تحمل معها تحديات جديدة فلابد من وجود قوانين تحكم السرية والخصوصيات وسُبل الحصول على المعلومات والمساءلة القانونية , وذلك نظراً لانتقال المعلومات عبر الحدود ، فتوثيق الإجراءات الطبية والمحافظة على سرية بيانات ومعلومات المرضى من أهم أهداف هذا المشروع الالكتروني وكذلك الحصول على إحصائيات دقيقة ومفصلة عن صحة أي مريض، وإن تطبيقات الصحة الالكترونية كثيرة ومتعددة ولا يمكن حصرها ولكنها تندرج من تطبيقات العمل الإداري الصحي إلى التطبيقات الطبية على المريض والطبيب والعلاج والعمليات وغيرها ، وقد حققت نظم المعلومات الصحية إنجازاً كبيراً على مستوى تقديم خدمات الرعاية الصحية في دول العالم .

 

ثورة في استخدام المعلومات والشبكات الإلكترونية 

 

فاضل أوضح أن ثورة الطب التي نشهدها الآن هي ليست فقط في اكتشاف علاجات أو أدوية جديدة بقدر ما هي ثورة في استخدام المعلومات والشبكات الإلكترونية والحلول التقنية في توفير رعاية طبية ترتكز على احتياجات المستفيدين منها وتعتمد الجودة والثقة والدقة كأول معاييرها، حيث باتت القطاعات الصحية مهيأة لتطبيق أحدث تقنيات وحلول طب الاتصال خصوصاً مع حرص القيادات المسؤولة على توفير أفضل خدمات الرعاية الطبية للمواطنين واعتماد منظومة الحكومة الإلكترونية في توفير جميع الخدمات الاجتماعية والطبية في دولنا .

 

مشروع الرعاية الصحية مدعوم مادياً 

 

شيماء دحام موظفة فى وزارة الصحة هي الأخرى تشير إلى أننا فعلا بحاجة إلى تطبيق هذا المفهوم والعمل بمشروع الحكومة الالكترونية الذي يتمثل في توحيد الجهود والأنظمة المستخدمة لجعل هذا الهدف البنـَّاء هو توحيد كل وسائل تقنيات المعلومات في الادارات العاملة بها لما في ذلك من خدمة رائدة .

شيماء أوضحت أن هناك العديد من الخطوات التي تقوم بها بعض الدوائر الصحية في تطبيق هذا النظام وقد نجحت بالواقع لكنها تحتاج الى الكثير من الدعم المالي وتدريب الكوادر على أفضل التقنيات كما يجرى العمل حالياً من تطوير مشروع الرعاية الصحية في العراق بالتعاون مع وكالة التنمية الامريكية ، ونتيجة الدعم المادي والإداري نشاهد نجاحات في هذه المشاريع التي ستحقق الفائدة للقطاع الصحي.

 

4مليارت و500 مليون دينار لمايكروسوفت

 

سفيان الملاح مدير عام الشركة العامة لنظم المعلومات إحدى شركات وزارة الصناعة والمعادن أعلن عن قرب تنفيذ مشروع الحكومة الالكترونية في وزارة الاتصالات بعد إحالته الى الشركة من قبل الوزارة المذكورة وبكلفة اجمالية تقدر بـ ( 4) مليارات و(500 ) مليون دينار وبفترة تنفيذ أمدها (12 ) شهراً.

الملاح أكــد أن وزارة الاتصالات وافقت على العرض المقدم من قبل الشركة بالتعاون مع شركة مايكروسوفت العالمية لتطبيق أنظمة الحكومة الالكترونية في الوزارة المذكورة مع تراخيص استخدامها مشيراً الى أن الشركة الآن في مرحلة توقيع العقد والبدء بالتنفيذ لافتاً إلى أهمية هذا المشروع بأعتباره بداية للتعاون بين مؤسسات الدولة على اقامة نواة تكون نموذجاً لتطبيقات أنظمة الحكومة الالكترونية في واحدة من اهم الجهات التي تتعامل مع الاتصالات وتقنية المعلومات وهي وزارة الاتصالات ، وبالتالي تعريف الجهات الحكومية الأخرى به لتكرار التجربة في مؤسسات اخرى ، ومن أهمها مشروع إصدار هويات مركزية لموظفي الدولة الذين يتراوح عددهم نحو ثلاثة ملايين موظف وذلك بالتعاون مع وزارة التخطيط ، وان الشركة بصدد تهيئة معمل وطني لانتاج الهويات خلال فترة لا تتجاوز سنة و بطاقة 6 ملايين هوية سنوياً تمتاز بأعلى درجات الأمان والتحصين .

 

مئات الأطنان من الورق تُصرف يومياُ

 

أبو ياسر موظف فى وزارة التربية يشير  قائلا : لا أُبالغ حين أؤكد لكم بان الوزارة تنفق مئات الأطنان من الورق والخاصة بالأوامر الادارية اليومية وكل أمر يستنسخ أكثر من مائة نسخة لتعميمها على المحافظات! ولا أفهم لماذا كل هذا التبذير؟ بل وصل الأمر الى كتاب الشكر الموجَّه الى أي موظف أو عقوبة يجب ان تعمم على جميع الأقسام ومكاتب مدراء الاقسام وغيرها وهذا الامر مشابه في جميع دوائر الدولة وموسساتها الحكومية . 

أبو ياسر يتساءل: مَن المسؤول عن هذا الخلل ولمصلحة مَن؟ لاسيما أن التطور الحاصل موجود ومتوفر لدينا وفي الأسواق وبالإمكانية تجاوز الحلقات الروتينية الفارغة وتقليل النفقات .

 

وبعد الانتهاء من إجراء هذه اللقاءات مع المتخصصين والمواطنين الذين أبدوا فرحهم وسعادتهم لبدء العمل بـ ( بوابة الحكومة الإلكترونية العراقية ) سمعنا وعرفنا وتأكدنا أن مديرية المرور العامة ألغت الاستمارة الإلكترونية للحصول على اجازات السوق مشيرة الى ان بامكان المواطنين مراجعة دوائر المرور للحصول على الاستمارة … (وعادت حليمة الى عادتها القديمة !) في تزاحم المواطنين وتوسطاتهم للحصول على استمارة اجازة السوق لاغية بذلك كل أمل قريب بتوسيع العمل بالحكومة الإلكترونية .

 

 

 

 

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)