الأركيلة…. رزق لأصحاب المقاهي وأمراض وشذوذ للشباب

الأركيلة…. رزق لأصحاب المقاهي وأمراض وشذوذ للشباب

بغداد/علي عباس شغيت 

الأرجيلة او (الشيشة)، يحيل التأريخ براءة اختراعها الى الهند وإلى رجل يدعى (حكيم عبدالفتح المغولي)، وكان انتشارها في اغلب الدول التي كانت خاضعة لسلطة الامبراطورية العثمانية، وتفيد المصادر ان  ظهورها وانتشارها وتطورها في العالم العربي كان في شبه الجزيرة العربية ودول شمال افريقيا مثل تونس والجزائر ومصر، لكنها انتشرت في العراق في ظل الاحتلال العثماني، وكما ذكر للمدى حفيد صائغ الملوك (زهرون عمارة) ان جده زهرون قد صنع أركيلة من الفضة للسلطان عبد الحميد الثاني بناءً على طلب الوالي العثماني في بغداد

 واليوم اتضح ان العراق هو الذي أعاد الهيبة والهيمنة لهذه المعشوقة في الوطن العربي ليصبح وبامتياز هو صاحب الاختراع والانتشار والتطور والأصل، لكونه اصبح اليوم وبالتحديد في فترة مابعد سقوط النظام السابق عام 2003 صاحب اعلى الأرقام في استهلاك الأركيلة (الشيشة)، حيث لا تكاد تخلو محافظة من محافظات العراق من مقاهي الأركيلة وبشكل غير طبيعي، ولكن بغداد تسيدت الجميع بهذه الآفة التي تفتك بضراوة بصحة اهم شريحة بالمجتمع ألا وهي شريحة الشباب .

المقاهي الشعبية القديمة

يقول (حسين السيد)، استاذ الرياضيات في بغداد وهو احد رواد المقاهي الشعبية ان المقاهي في السابق تختلف كثيرا عما هي عليها الآن، لكونها في السابق، اي في حقبة الأربعينات والخمسينات  والستينات والسبعينات من القرن الماضي، كانت ملتقى للأدباء والشعراء والمثقفين وأصحاب الراي، وكان الحديث المتداول فيها جميلا ومفيدا للجميع، واحيانا يكون المقهى ديوانا للصلح بين أبناء المحلة الواحدة في حالة حدوث أية مشاكل بينهم، وكانت هي المكان الأول والأساس لمناقشة أوضاع البلد وتجمعا للطلاب والعمال والشباب المكافح والمناضل ومكانا وملاذا للمضحين عن الشعب والذين لايرضون بالظلم والاستبداد. ويضيف السيد ان طبيعة المقاهي في السابق ان اكثر المتوافدين عليها هم من المواطنين الذين يطلق عليهم (النخبة) وبأعمار ما فوق العشرين عاما، موضحا بانها  تكاد تكون خالية من أعمار العشرين في اغلب الأحيان، مؤكدا ان الأركيلة كانت موجودة  في ذلك الوقت لكن اغلب الزبائن كانوا  يعزفون عنها ولا يوجد مثل هذا الإقبال عليها. ويبين السيد انها كانت  مهملة في اغلب المقاهي والمتسلط بدلا عنها (الشاي والحامض وبعض الالعاب) لكن ما نراه اليوم غريب وعجيب، بحسب وصفه .

النركيلة الشعبية اليوم

يتكلم لنا (عبد صاحب علي)، متقاعد، عن المقاهي الشعبية وأوجه الاختلاف الجذرية فيما بينها بالأمس وفي  الوقت الحالي ، يقول إن (الشيشة) في الكوفي شوب كما يطلق على المقهى الذي كن لاسمه نكهة خاصة، اما اليوم فيطلق عليها هذا المصطلح المستورد لو جود الأركيلة وهو المصطلح الذي اصبحت له شهرة كبيرة في جميع محافظات العراق، مضيفا ان اغلب أولادنا حين نسألهم الى اين ذاهبون  يردون علينا ومن دون وجل او خوف (راح اشرب ناركيلة في الكوفي شوب) وحين يعترض الأب يأتيه الرد(لعد وين نروح هيه بس هاي متعتنا) .

المقاهي اليوم أصبحت لشريحة الشباب بصورة كبيرة . وقد خلت هذه المقاهي من المواطنين البالغين او بالأحرى الأعمار المحصورة ما بين 40-50عاما، كما خلت  من المثقفين والأدباء باستثناء مقاهي شارع المتنبي كما يقول علي، مبينا  ان فئة الشباب ما دون العشرين عاما، اومادون  العقد الثالث من العمر، وللأسف أقولها انها أصبحت ملاذا لأرباب السوابق وتجمعا لأشخاص مشبوهين ولصوص والشباب غير الواعي والمتحمسين لأمور شاذة وغريبة، وللمدمنين على انواع كثيرة من الأمور السلبية والمضرة بالصحة والذوق العام بنفس الوقت، مضيفا ان تلك المقاهي بدأت تنتشر وبشكل كبير في اغلب الأحياء الشعبية في بغداد العاصمة وعموم المحافظات بسبب إقبال الكثير من المراهقين عليها.

الأركيلة  ما بعد العمل مباشرة

(علاء صادق) ، شاب من احد أحياء بغداد أشار الى ان المكان الوحيد الذي يراه  متنفسا له بعد العمل هو الكوفي شوب والاستمرار على تدخين الأركيلة، مبينا انه يبدأ عمله اليومي في السوق منذ السابعة صباحا حتى الخامسة مساء ،ودائما، والكلام لصادق، اتواجد في الكوفي عند الساعة السابعة فتراني في المقهى مع اصدقائي الشباب نمارس ولعنا بالتدخين، صادق أوضح  وبمرارة ان الواقع في العراق  وما يمر به من ظروف هو الذي اجبرنا للجوء الى هذا الإدمان الذي نعرف سلبياته، لكن غياب الأماكن الترفيهية هو الذي يجبرنا على ذلك، حيث نراه المكان الذي نتبادل فيه نحن الشباب الاحاديث عن معاناتنا وكذلك مغامراتنا العاطفية او الحديث عن مباريات الريال وبرشلونه اوالدوري العراقي والنادي المفضل لك، وتكون الوجبة الرئيسية كما يبين صادق هي الأركيلة وهي انواع (تفاحتين او علج ونعناع او نعناع) مبينا انه توجد أنواع اخرى (اليحب يشرب برتقال او موز ) والى آخره.

غياب فرص العمل

الشاب (محمد عبد الله) 29 عاما يقول : ابحث عن العمل ولا اجد عملاً استمر فيه، وان وجدت المكان فلن اتخلص فيه من معاناتي وكلام العائلة الذي يحمل نبرة التأنيب المستمرة بعدم الخوض والبقاء بالعمل بصورة مستمرة، ودائما يقولون (ليش متشتغل )! ويكون ردي لهم وبحزن شديد (وين اكو شغل يمعودين اشخبصتوني)، عند البقاء بدون عمل لا اجد متنفسا غير الاركيلة جليسا معي، حيث ابدا يومي كعاطل عن العمل بعد الفطور بتدخينها فألازمها الى منتصف النهار حتى ارجع الى البيت فقط  لأعرف ماذا تحتاج العائلة وبعدها اذهب مجددا الى المقهى في الساعة الثانية ظهرا لأبقى الى التاسعة مساء، وهذا هو حالي منذ فترة طويلة، لذلك اعدها مكاني المفضل. فيما علق (حمزة قادر) البالغ من  العمر 27عاما  خريج كلية اداب قسم التاريخ ، بانه يبحث عن عمل منذ ثلاث سنوات “لم اترك بابا لم اطرقه  لطلب التعيين ولكن لم اجد اية دائرة او وظيفة تعينني على بلواي”، مبينا بانه عزف في النهاية عن المراجعات، معتكفا يقضي يومه مع الاصدقاء في المنطقة حتى لا يشعر بالملل والاكتئاب والحيرة، لانها وبحسب وصفه تسليته الوحيدة التي يقضي فيها وقت فراغه، مبينا انه يجدها حلا لمعاناته  بعد ان عجزت الحكومة بموازناتها الكبيرة ان تجد حلولا منطقية لشريحة الشباب، متمنيا ان تتمكن الحكومة الجديدة من توفير فرص العمل لهم بحسب قوله.

افضل من اقراص الهلوسة

واشار (حسن عبد علاوي) الطالب في الاعدادية والبالغ من العمر 17 عاما الى انه يقضي اغلب يومه في المدرسة وبعدها يعود الى البيت حيث لا يقضي فيه اكثر من ساعة لتناول الطعام ثم يتوجه مع أقرانه في المنطقة محاولاً ان يقضي اوقاتا جميلة معهم بحسب قوله، مبينا بانه يفاجأ بعدم وجودهم في منازلهم او في ساحات لعب كرة القدم، وفي النهاية يأتيه الجواب من احد اشقاء صديقه المقرب اليه الذي يخبره (ان جميع الولد بالكوفي يشربون النركيلة)، “لتبدأمن تلك اللحظة رحلتي مع الكوفي والاركيلة” . بدأت ارتاد المقهى والطامة الكبرى اني أدمنت عليها واحيانا اهرب من المدرسة الى الكوفي، مضيفا بانه يعلم بمضارها وسلبياتها الصحية و لا مفر من رائحة دخان الأركيلة لانها اصبحت جزءا لايتجزأ  من حياتي خاصة وان جميع الاصدقاء يشاركوني هذا الادمان بحسب قوله.

مصدر رزق لأصحاب المقاهي

يقول(محمد موحي)، شاب في مطلع العشرينات مدمن على الاركيلة “اني ادخن منذ فترة طويلة حيث انها بدات تسري في عروقي، لكن الاركيلة احسن وافضل بالنسبة لي من غيرها من الامور مثل حبوب الهلوسة التي تفقد الوعي وكذلك المشروبات الكحولية والمخدرات والانحراف والانضمام الى جماعات مسلحة ومشبوهة فاكثرالذين يلتقون فيها من المنطقة واصدقاء نعرفهم ويعرفوننا”، اما المواطن (س ج) الذي فضل عدم ذكر اسمه ، فيقول ان اكثر اصحاب الاعمال واكثر الناس بدأوا يمارسون مهنة فتح مقهى لما تجنيه من ارباح كبيرة، وازدياد الشباب الوافدين اليها مستغلين عدم المراقبة الحكومية والصحية بوجه الخصوص لما تحمله هذه الاركيلة من مضار صحية كبيرة قد تؤدي بالمدمن الى غياهب العذاب . واضاف ايضا “ان المقاهي لا تقتصر فقط على أوقات النهار فبات اغلب المتمرسين في افتتاح مقاهي ليلية وسموها بالكوفي شوب التي يصل فيها سعر الاركيلة الى 10000 دينار او اكثر وتكون في الاحياء الراقية في العاصمة بغداد بل في جميع الاحياء الراقية في مدن العراق ،عكس ماهو عليه في المناطق الشعبية حيث يكون سعر الاركيلة من 2000 الى 4000 ويكون هذا حسب الجودة وقوة التعميرة ونظافة الشيشة.”

لا رقيب ولا حسيب

يتحدث (علاء حسين) موظف في وزارة الصحة .ان اكثر المدخنين هم من فئة الشباب الذين لا يجدون متنفسا لهم سوى الاركيلة بسبب الأوضاع الأمنية المتردية في البلد، ليغلق الشاب على نفسه في مكان يجلب له البؤس والمرض فالأهل في بعد عن اولادهم الذين فقدوا عقولهم وباتوا يبحثون عن لقمة العيش في بلد اصبح فيه الحصول على  لقمة العيش كفاحا يوميا، متجاهلين رقابة اولادهم وتربيتهم على الطريق القويم، ومن جهة اخرى كما يقول حسين ان الدور الرقابي الحكومي وملاحظة مثل هذه الاماكن ومتابعتها يكاد يكون مغيبا وهذا ما يدفع الشباب الى طريق الانحراف والشذوذ وارتكاب الجرائم الخطرة.

ضرورة الرقابة الحكومية

وشدد الدكتور وسام الطائي على ضرورة قيام المنظمات واللجان الصحية التابعة للحكومة العراقية باخذ المسالة والظاهرة بعين الاعتبار، لتلافي الاخطاء التي حصلت ووضع حد لمثل هذه الظواهر السلبية قبل ان يفوت الاوان، وطالب بسن قوانين صارمة لمحاربتها مبيناً ضرورة التعاون بين الجهات الامنية من جهة و وزارة الصحة العراقية والمؤسسات الاعلامية من جهة اخرى، للقضاء على هذه الظاهرة من خلال فرض غرامات عالية وضرائب على اصحاب المقاهي وحث الشباب عن طريق وسائل الاعلام  على ترك هذه الظاهرة السلبية ونتائجها ومحاسبة المقصر وعدم التهاون مع اصحاب المقاهي من الجهات الحكومية، وعدم جعل المحسوبية فوق مصير الشباب والاحتذاء بالدول المتطورة التي اخذت بالاعتبار النقاط التي وضعتها منظمة الصحة العالمية بخصوص ترك الاركيلة من قبل المدخنين، وتحريم وجودها في الاماكن العامة.

الرأي الطبي: الاركيلة تسبب السرطان والتدرن

الدكتور (وسام جعفر الطائي) اختصاصي باطنية في مستشفى بغداد التعليمي يقول ان الاركيلة واحدة من اكثر الأمور السلبية التي انتشرت في العراق بصورة غير طبيعية في الآونة الاخيرة حيث ان اكثرالشباب المرضى تكون للاركيلة الكلمة العليا في سبب امراضهم، فهي تحمل مضاراً كبيرة وخطيرة وتكون قاتلة بالنسبة للمدخنين الصغار والمدمنين، ومن يزعم انها مفيدة فإن فكرته خاطئة بالتأكيد إضافة لكونها غير منطقية، فالمعسل يحتوي على عدة نكهات للفواكه مثل التفاح والنعناع وغيرها تحتوي على تبغ مجفف ومواد كيمياوية وسموم كثيرة، فضلا عن  الفحم الذي يحتوي على مواد سامة ايضا، مبينا  أن مدخن الاركيلة حينما يدخنها في جلسة لفترة ساعة، فإنه يستنشق نحو 200 ضعف كمية الدخان الذي يستنشقه مدخن السيجارة الواحدة، وأنه حتى بعد مرور دخان عبر الماء، فإنه لا يزال يحمل كميات كبيرة من المواد الكيميائية السامة والمعادن الثقيلة التي تسبب السرطان والتدرن .

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)