أطفال في ذمة القانون .. عوائل لا تبالي.. وأعمال شاقة بدلا من مقاعد الدراسة

أطفال في ذمة القانون .. عوائل لا تبالي.. وأعمال شاقة بدلا من مقاعد الدراسة

وكالات – بشيرخزعل

اورثت الظروف الاستثنائية في العراق بما شهده من حروب وعقوبات اقتصادية خلال مرحلة تسعينيات القرن الماضي، ظاهرة اصبحت مستدامة في أوساط المجتمع العراقي،  فلم تعد عمالة الأطفال في مهن صعبة وشاقة امرا مستغربا مع غياب التشريعات والقوانين التي تمنع ابتعاد الاطفال عن المدارس والتعليم وحرمانهم من ابسط حقوقهم المشروعة التي اقرتها المنظمات الدولية. 

أسطوات

في منطقة الشيخ عمر وسط بغداد تنتشر عشرات محال تصليح السيارات التي يعمل فيها صبية تتراوح اعمارهم بين( 10- 15) عاما والبعض منهم يشرف على هذه الورش ويقوم بادارتها، منهم من يعمل بأجر اسبوعي، وآخرون يرافقون اباءهم لتعلم اصول المهنة، ابراهيم فرحان (11 عاما) ترك المدرسة منذ اربع سنوات، واصبح عاملا ماهرا في ورشة تصليح السيارات التي يعمل فيها بأجر يومي  قدره خمسة عشر الف دينار،  يقول ابراهيم : تركت المدرسة بسبب الظروف الاقتصادية التي نعاني منها كعائلة لاتستطيع أن توفر متطلبات العيش لنفسها بالاعتماد على مايحصل عليه ابي،  فهو يعمل مصلحا للمدافئ النفطية، ورزقه شحيح ولايكفي لسد احتياجات أخواني الخمسة، نحن ولدان وثلاث بنات جميعهن طالبات في مراحل مختلفة من الدراسة واكبرهن هي طالبة في الصف الخامس الاعدادي، وأضاف فرحان أنا بعد أشهر قليلة سوف أصبح ( أسطة) وترتفع الأجور التي اتقاضاها عن عملي، وفي المستقبل سأشتري محلا، وهذا افضل من المدرسة التي اقضي فيها سنوات وأحمل أبي مصاريف لايقوى على دفعها.

عوائل فقيرة

سامي عبدالرضا ( 14 عاما)  يعمل في ورشة لصناعة الفافون  قال: أنا في الصف الثاني الابتدائي واقراني اصبحوا في الصف السادس، لانني اضطررت الى ترك المدرسة لأكثر من ثلاث سنوات  بسبب ضيق الوقت، فانا يجب أن أذهب الى الورشة بحدود السابعة صباحا، وارجع عند الساعة الرابعة مساء ، ويضيف عبد الرضا لم اكن راغبا في ترك الدراسة واصدقائي في المدرسة ، لكن والدي اجبرني على العمل بسبب حاجتنا الى المال، فنحن عائلة فقيرة ونسكن في منطقة ( التجاوزات)، اتقاضى يوميا مبلغ عشرين الف دينار عن عملي، وأصبح أهلي يعتمدون على المبلغ بشكل كبير ولايمكن الاستغناء عنه من أجل المدرسة .

خديجة محمد صيوان طفلة لم يتجاوز عمرها (10 اعوام)  لم تدخل المدرسة، وتعلمت كل مايدور في الشارع منذ نعومة اظفارها، فهي تعمل بائعة للمناديل الورقية  في تقاطعات الطرق بصحبة اختها التي تكبرها بستة اعوام، وبينت خديجة انها لا تعرف القراءة والكتابة وهي تتمنى ان تذهب الى المدرسة، لكنها بحاجة للعمل والحصول على المال من اجل مساعدة والدتها وابيها المريض الذي لايقوى على العمل، مشيرة الى وجودها في هذه المهنة منذ اكثر من اربع سنوات وهي تحصل بحدود خمسة الى عشرة آلاف دينار يوميا .

احصائيات 

بالرغم من إقرار الدستور الجديد حظر الاستغلال الاقتصادي للأطفال كما جاء في ‏المادة (29) الباب الثاني في الفقرة الثالثة ” يحظر الاستغلال الاقتصادي للأطفال ‏بصوره كافة،وتتخذ الدولة الإجراءات الكفيلة لحمايتهم ” إلا إن واقع الحال بالنسبة ‏لعمالة الأطفال ما زال مرتفعا وفي اتساع متواصل ليس بسبب عدم تطبيق قوانين ‏الضمان الاقتصادي والصحي لدى العاطلين عن العمل أو عدم مساعدة الأسر الفقيرة ‏اقتصاديا، فحسب بل بسبب عدم وجود ستراتيجيات مستقبلية، تخطط وترسم ملامح ‏وصورا ايجابية فيما يخص عوامل التنمية في قطاعات واسعة كالاقتصاد والصحة ‏والتربية والتعليم، المؤسسات المختصة كوزارة التخطيط ووزارتي العمل وحقوق الانسان لم تتوفر لديهم اية احصائيات دقيقة عن اعداد الاطفال الذين يعملون في سن مبكرة ويتركون المدارس بسبب حاجة اسرهم الى المال، وقد ادى عدم المساءلة القانونية وضعف الاجراءات التي تقوم بها الدوائر المعنية بحماية الاطفال من الاستغلال الى تفشي هذه الظاهرة وانتشارها بشكل واسع، خصوصا في المجتمعات الفلاحية في القرى والارياف التي تعتمد بشكل كبير على عمالة الاطفال في سن مبكرة .        

أرقام دولية 

تحتفل دول العالم في 12 حزيران باليوم العالمي ضد عمالة الأطفال وتجرى في هذه ‏المناسبة تسليط الضوء على آفة اجتماعية ضحيتها ملايين المحرومين من التمتع بمرحلة ‏الطفولة، ويُقدر عدد الاطفال العاملين في سن مبكرة بحدود( 215 ) مليون طفل منهم (110) ملايين طفل يؤدون اعمالا خطرة، بما فيها النزاعات المسلحة واعمال العنف التي تسود في بعض دول العالم، وبينت منظمة العفو الدولية التي تحتفي كل عام باليوم العالمي للطفل في تقرير لها ان نحو( 105) ملايين طفل في انحاء العالم، غالبيتهم قاصرون يعملون في ظروف خطيرة تقترب في بعض الاحيان من العبودية، واضاف التقرير ان (6،5) مليون طفل تتراوح اعمارهم مابين خمسة واربعة عشر عاما وان نسبة الاناث تزيد عن (71بالمئة).

وتبين ارقام منظمة العمل الدولية ان هؤلاء الأطفال يعملون في منازل طرف ثالث أو ‏لحساب رب عمل حيث يؤدون مهمات مثل التنظيف والطهي والبستنة وباقي الاعمال الشاقة، وغالبا ما يكون هؤلاء الكادحون الأطفال ‏معزولين عن عائلاتهم ومخفيين عن انظار العالم ويصبحون تابعين لرب عملهم، ‏ويتعرض كثير منهم الى الاستغلال الجنسي‎.  

طرق

الباحث الاجتماعي حسن مذكور تحدث عن ظاهرة عمالة الأطفال  قائلا: إن ظاهرة عمالة الأطفال في العراق تمرعبر طريقين احدهما مكمل للآخر ضمن منهجية الانعكاس الشرطي، الأول  متمثل بجميع النشاطات المحركة للمجتمع المدني والإعلام ‏المؤسساتي المهني  تلك التي ترفض عمالة الأطفال عبر أدوات ووسائل الاحتجاج ‏وتنظيم التظاهرات بشكل سلمي من اجل تشريع‎ ‎وتفعيل القوانين الجديدة التي تدعم ‏الأسر الفقيرة ماديا ومعنويا، وتوفر لهم الضمان الصحي والاقتصادي، فضلا عن ‏قيامها بمراقبة الأداء التنفيذي للجهاز الإداري المسؤول عن محاربة ظاهرة عمالة ‏الأطفال، متمثلا بجميع الجهات ذات العلاقة المباشرة غير الموحدة فيما بينها ضمن ‏خطط سنوية أو جداول دورية تأخذ بنظر الاعتبار عدة مقاييس تتعلق بخطورة ‏الظاهرة ومدى انتشارها وطبيعة تطورها أو تراجعها، فضلا عن العدد الإحصائي ‏للأطفال العاملين في العراق‎ .            

غياب

تقول استاذة علم الاجتماع الدكتورة اقبال صاحب: عمالة الأطفال في العراق ليست ظاهرة مستعصية عن الحلول، ويمكن تجازوها  بسهولة، خصوصا مع الإمكانيات الاقتصادية والمالية الكبيرة لدى ‏العراق . ولكن المسألة لا تحل بمجرد وجود ميزانيات اقتصادية  انفجارية بشكل ‏متتالي ومتواصل في الارتفاع مع كل عام جديد، فالاقتصاد يحتاج إلى جهاز إداري ‏يمتلك مقومات الإدارة الناجحة من تخطيط وتنظيم ورقابة وقدرة على اتخاذ القرار ‏وتنبؤ بالمستقبل، فضلا عن الإنتاج والإبداع هذه المقومات تنسحب على إدارة جميع ‏العلوم والتخصصات بدءا بالاقتصاد والتربية وانتهاء بالسياسة والاجتماع، وهذه ‏المقومات مع الأسف الشديد غائبة عن الحضور والتأثير لدى الجهاز الإداري ‏لمؤسسات السياسة والاقتصاد في العراق، ولكن المسألة لا تأخذ الطبيعة المطلقة من ‏حيث ثبات الظاهرة وبقاء ” مفعولها وفاعلها ” ، فهنالك المتغيرات التي من الممكن أن ‏تحدث القطيعة مع الأجهزة الإدارية والسياسية في الأزمنة الراهنة ضمن حدود ‏المستقبل ‏تلك المرتبطة بالانقسام وشيوع ثقافة العنف والتطرف الديني الذي يسيطر على بعض المدن والمجتمعات‎ .  

القانون 

يقول المحامي عبد الامير الربيعي  المختص بقضايا الاحوال الشخصية: يعاني القانون من ضعف كبير امام ظاهرة عمالة الاطفال التي توسع انتشارها بشكل ينذر بخطر تفشي الأمية بين اوساط الشباب، خصوصا من مواليد مابعد العام 2003 ، فالتسرب من المدرسة  واستغلال الاطفال في اعمال شاقة كالبناء والحدادة وتصليح السيارات سيؤدي الى ظهور شريحة من المجتمع تعاني من الجهل والأمية وانخفاض المستوى العلمي والثقافي لدى المجتمع العراقي خلال السنوات المقبلة، وهذا بدوره سيؤدي الى استمرار وتنامي هذه الحلقة، فالآباء ممن تركوا المدرسة في صغرهم حتما ان الغالبية منهم سيكونون غير مبالين بدخول ابنائهم الى المدرسة وستكون بالنسبة لهم مجرد اجراء شكلي ربما ينتهي بعد سنتين او ثلاث

فقط.

واضاف : لابد من محاسبة اولياء الامور عن طريق تفعيل قانون يمنع عمالة الاطفال دون سن الخامسة عشرة عاما، ولا بد من ايجاد فقرات خاصة  بالمدارس واحصائياتها المتعلقة بتحديث الارقام المتعلقة باعداد الطلبة المتسربين من المدارس وتبليغ الجهات القانونية المختصة التي تتابع اسباب تسرب الاطفال من المدرسة مع اولياء الامور وتستحصل منهم على تعهدات تلزمهم بعدم استغلال ابنائهم في اعمال لاتتناسب ولياقتهم البدنية والصحية وحرمانهم من التعليم، واكد الربيعي ان القانون يجب ألا يراعي الوضع المادي لاسرة الطفل، فهو غير مسؤول عن ذلك وحقه مكفول بالتعليم، ولايجب ظلمه واستغلال طفولته وصباه في الكد ومساعد اب متقاعس او عائلة لاتهتم لموضوع التعليم بحجج العوز والحرمان، خصوصا وان التعليم مجاني ولايكلف اموالا طائلة كما في بلدان

اخرى . 

تشريعات جديدة 

لجنة العمل والشؤون الاجتماعية في البرلمان وضعت تشريع قانون يحد من ظاهرة عمالة الأطفال، اذ بين احد اعضاء اللجنة ان الظرف الاقتصادي جعل وزارة العمل غير قادرة على وضع معالجات لعمالة الاطفال في العراق، ولذلك فان اللجنة البرلمانية تعمل لتشريع قانون لتسهيل مهمة الوزارة تحت سن خمسة عشر عاما.

مبينا وجود قانون  نافذ للحد من عمالة الاطفال الا انه ضعيف في تطبيقه كونه لم يراع الظروف الاقتصادية المتقلبة التي تمر بالبلاد، فضلا عن الغاء النص القديم الذي يحوي مفردات الشمولية والاشتراكية.

 

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)