الشعر الحسيني في مواجهة سلاح التغييب الأموي والعباسي

الشعر الحسيني في مواجهة سلاح التغييب الأموي والعباسي

كتبه: محمد طاهر محمد

لقد حمل أهل البيت، عليهم السلام، في قضيتهم، الإسلام بكل قيمه ومبادئه السماوية فكانوا روحه المتجددة في كل زمان ومكان، فأذكوا النفوس بخُلقهم السامي المستمد من الخلق العظيم لرسول الله، صلى الله عليه وآله، وهذا ما ألهم الناس روح التحدي والتغيير والثورة على الواقع الفاسد. وكان في الطليعة، الشعراء، الذين كانوا خلال فترات طويلة من تاريخنا، بمنزلة الوسيلة الإعلامية الوحيدة.

لذا قلّما تجد شاعراً لم تستوقفه قضية أهل البيت، عليهم السلام، وخاصة قضية الثورة الحسينية وتلك الراية الحمراء التي ما زالت ترفرف على أفق هذه المدينة, وهي ترمز إلى ذروة العطاء البشري وتشكّل صلة نابضة, حية تروي للعصور قصة ملحمتها الخالدة.

فبدأت رحلة الشعراء مع هذه القضية والتي لم تتوقف في أقسى الظروف وأبشعها وأشدها إرهاباً ورعباً، ولن تتوقف مادامت القلوب تنبض بالحياة, وما دامت دروس هذه القضية تزخر بالعطاء.

لقد استقطبت هذه القضية قمم الشعر العربي على مدى أدواره وقرونه فراحوا ينهلون من مبادئ أهل البيت، عليهم السلام، ومواقفهم، عظمة الإباء وعظمة الخُلق، فصارت هذه القضية عرقاً ينبض فيهم في كل زمان ومكان، فصدحوا بها حتى في زمن الحكومات التي حاربت اسم «الحسين» أشد من حربها أعداءها.

ورغم سياسة البطش والتنكيل التي استعملها الأمويون والعباسيون ضد شعراء الحقيقة، إلا أن ذكر أهل البيت، عليهم السلام، لم ينقطع عن أفواههم فنجد من يقول: «إني أحمل خشبتي هذه على كتفي عشرين عاماً لا أجد من يصلبني عليها». كما لا تجد المسلمين يدخلون مدينة حتى يتفجر على لسان شعرائهم ذكر أهل البيت، كما فعل شعراء الأندلس، وتابعهم على نهجهم الشعراء الفاطميون والحمدانيون والبويهيون. ومن روّاد هذه المسيرة الأبدية: السيد الحميري (سيد الشعراء), وديك الجن (شاعر الشام), وسبط ابن التعاويذي (شاعر العراق), وابن هانئ الأندلسي (متنبي الأندلس), والشريف الرضي (أشعر الطالبيين), وأبو تمام, ودعبل الخزاعي, والكثير من الأسماء التي تربعت على عرش الشعر.

لقد كانت حصيلة هذه المسيرة من التحدي، عبر أربعة عشر قرناً، كبيرة جداً، تتضاءل عندها حصيلة الملاحم الكبرى من الشعر، و لاتزال تلك الحصيلة مستمرة ومع وجود التفاعل الكبير من لدن شعراء أفذاذ في عهود متوالية، وإشارة المصادر التاريخية الى وجود قصائد ودواوين شعر كثيرة بحق أهل البيت، عليهم السلام، إلا أن سياسة القمع والتنكيل من الحكام لأهل البيت، عليهم السلام، ولأتباعهم، شملت الشعر والأدب، كونه الوسيلة الأسرع والأكثر تأثيراً على الشارع، الامر الذي تسبب في ضياع الكثير، الكثير من القصائد الولائية، وما وصلنا من شعر، يمثل النزر اليسير قياساً إلى ما قيل.

فعبارة: «إن كثيراً من شعره قد ضاع»، و «ضاع أغلب شعره»، و»لم يبق من شعره إلا القليل وأغلبه قد ضاع»، تترد كثيراً في مقدمات المحققين عندما ينبرون لتحقيق ديوان لأحد شعراء كربلاء. فالسيد الحميري مثلاً وهو شاعر أهل البيت كان «ممن لا يدرك شعره لكثرته»، كما وُصِف حتى قال أحد معاصريه:

«جمعت للسيد ألفي قصيدة وظننت أنه ما بقي عليّ شيء، فكنت لا أزال أرى من ينشدني ما ليس عندي فكتبت حتى ضجرت ثم تركت».

ولكنك تتفاجأ حينما تقارن بين هذا القول وبين ديوانه المطبوع والذي لا يحتوي سوى قصائد ومقطوعات معدودة. وكذلك الحال مع دعبل الخزاعي الذي قال عنه الجاحظ: «إن دعبلاً قال الشعر مدة ستين سنة ما ذر شارق إلا قال شعرا». وقياساً على هذا القول فإنه ينبغي أن يكون ديوان دعبل أكبر من ديوانه المطبوع، ربما أكثر من مئة مرة لإنه: «قال الشعر وهو صبي»، وعاش 98 سنة و «لم ينقطع عن الشعر طيلة حياته»، ولولا أن قصيدته التائية المشهورة كان قد أنشدها عند الإمام الرضا، عليه السلام، وتناقلتها الأفواه لما سلمت من يد الاغتيال.

وتســــتمر عمــــلية الإبــــادة الشعرية، فالكميت بن زيد الأسدي يموت مخلّفاً خمسة آلاف ومائتين وتسعة وثمانين بيتاً، كما ذكر أبو الفرج الأصفهاني والطبري ولكن شعره الآن لا يساوي ربع هذا العدد. كما ضاع أو أُضيع الكثير من شعر «التوابين»، «وكان مما قيل في ذلك قول أعشى همدان»، كما ذكر الطبري وكان يسمى شعر «المكتّمات».

وتتناسل تلك اليد (الأمينة..)! على التراث الأدبي، وتمتد وتتضح بصماتها في ديوان «ديك الجن الحمصي»، فهذا الشاعر الذي قصده دعبل الخزاعي إلى بلده ونعته بــ «أشعر الجن والإنس»، ولم يخفِ أبو نؤاس انبهاره بشعره، فقصده هو أيضاً ليقول له: «فتنت أهل العراق بشعرك»، بقي شعره (1110) سنة، متناثراً في بطون الكتب حتى تصدّى عبد المعين الملوحي، ومحي الدين الدرويش الحمصيان، لجمعه عام 1960 ولكن هذين الأستاذين قطعا كل صلة للشاعر مع أهل البيت، عليهم السلام، حتى ليخيل إلى القارئ أن هذا الشاعر لم يدرك الإسلام، فلم يذكرا بيتاً واحداً للشاعر فيهم، رغم انه من شعرائهم حتى انبرى الدكتور أحمد مطلوب والأستاذ عبد الله الجبوري، لصون هذه الأمانة فجمعا ما بقي من شعر ديك الجن في حق أهل البيت، باعتمادهما على نسخة خطية بيد الشيخ محمد السماوي بلغت (39) قصيدة في (278) بيتاً بعثها إليهما الشيخ محمد علي اليعقوبي.

هكذا تلعب الأهواء والعصبية دورها في ضياع تراثنا الأدبي، وهؤلاء الشعراء الذين ذكرناهم هم نموذج للكثير من الشعراء الذين ضاع شعرهم أو بالأحرى أُضيع بسبب انتمائهم لمدرسة كربلاء، فشعر القضية الحسينية، كان يرعب السلطة الظالمة فحورب الشعراء وطوردوا ومنهم من لم يسلم حتى في قبره فـ «تتبعوه رميما»، كما جرى لمنصور النمري، عندما أمر هارون العباسي بقطع لسانه وقتله وقطع رأسه لما سمع عنه أنه رثى الحسين فأخبروه بأنه قد مات فأمر بنبش قبره!!

وهذا ما يعطي صورة واضحة للممارسات الهمجية التي كانت السلطة العباسية تمارسها للحد من هذا الشعر ودفنه ونجد في بيت صفوان التجيبي الأندلسي صورة واضحة عن تلك الحرب التي شُنت على اسم كربلاء في تلك الفترة

     فيا كربلا والكرب لي متملّكُ     ليكفيكِ مني أن ذكركِ مهلكُ    

كما لم يسلم الشعر الأندلسي من هذا الضياع أو التضييع فما كان يفوت السلطة تضييعه ودفنه، يتكفل المؤرخون بإضاعته، ونكتفي من ذلك بما جاء في مقال الدكتور عبد اللطيف السعداني المغربي تحت عنوان «حركات التشيّع في المغرب ومظاهره»، في مجلة الهادي 1392هـ حيث يقول:

«..ونتلمس هذه الحركة فيما بعد عصر مبدع هذه القصيدة الحسينية فنعثر على أثر آخر للفكر الشيعي حيث نلتقي بأحد أدباء الأندلس في النصف الأول من القرن السابع الهجري هو القاضي أبو محمد بن عبد الله القضاعي البلنسي المقتول في 20 محرم سنة 658 هـ ونقف على اسم كتابين من مؤلفاته العديدة موضوعهما هو رثاء سيدنا الحسين، أولهما «اللجين في رثاء الحسين». ولا يعرف اليوم أثر لهذا الكتاب غير اسمه. وثانيهما: «درر السمط في أخبار السبط»، وكان كل ما بقي من هذا الكتاب هو ما نقله المُقري في كتابه «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». وقد اعترف المقري بأنه أغفل نقل بعض الفقرات من الكتاب مما يشم منه رائحة التشيع ثم إنه اكتفى بنقل جزء من الباقي فقط». إلى هنا انتهى كلام السعداوي ونترك التعليق للقارئ.

وهناك من الشعراء من اختفى اسمه مع شعره فقد ذكر الطبري: «ان عبد الله بن عمرو البدّي من أشجع الناس وأشعرهم وأشدهم حباً لعلي»، ولكن هل تجد لهذا الشاعر المتفرّد بين الشعراء والفارس الشجاع بيتاً واحداً؟ وكم من أمثال هذا الشاعر الفارس قد أضاعهم التاريخ؟ !

ولكن ما كان لله ينمو فبالمقابل كانت هناك أيد أمينة على هذا الشعر فنقلت إلينا هذا التراث العظيم الذي هو جزء من شعر هذه القضية. فكانت هناك قائمة طويلة من الشعراء من مختلف العصور نهلوا منها.

وينبغي الإشارة إلى أن الكثير من الأبيات التي جاء فيها ذكر أهل البيت، عليهم السلام، وخاصة الشعر الحسيني لم تذكر المصادر اسم قائلها وهي من الأبيات والمقطوعات الكثيرة التي أخفى قائلها اسمه في أوقات عصيبة كان فيها الشاعر الذي يتعرض لقضية أهل البيت، يعرض نفسه وأهله للقتل لكن كل ذلك لم يمنعه عن الإفصاح عما تغلغل في نفسه من حرقة وألم فتنطلق أبياته وتتناقلها الناس ولا يدرون لمن هي.

وقد عُرف هذا الشعر في ذلك الوقت بشعر «الهواتف»، وهو ما نسب إلى الجن وغيرهم، وكذلك شعر «الجداريات»، وهو الشعر الذي كان يكتبه الشاعر على جدران الأماكن التي أعدت للإستراحة في السفر، فيمر بها الناس ويقرؤونها وتتناقل على الألسن وقد اشتهر بذلك الشاعر «ابن مفرّغ الحميري» الذي كان يهجو الأمويين في شعره.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)