الامام الحسن العسكري ومدرسة القيادة الحضارية

الامام الحسن العسكري ومدرسة القيادة الحضارية

بقلم: محمد علي جواد تقي

تميز الدور الرسالي للإمام الحسن العسكري، عليه السلام، برسم ملامح القيادة الحضارية في الامة التي تلي فترة غيبة الامام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، إذ لم تبق سوى سنوات قليلة على وجود الامام المعصوم بين صفوف الامة، هي انعطافة تاريخية ومصيرية، بيد أن الجدير توضيح مسألة مهمة ما تزال تشغل بال العلماء والباحثين، وهي؛ مجالات عمل هذه القيادة وميادينها، فالبعض يتصور أن المرجعية الدينية اليوم تمارس دوراً قيادياً في ميدان الاحكام الشرعية؛ من تدريس وتعليم ونشر وتبليغ، و ايضاً إصدار الفتوى إن اقتضت الضرورة، ولا شأن لهم بالحكم والسياسة، فيما يعتقد البعض الآخر بأولوية الحكم والسلطة للفقيه ومرجع الدين الى جانب مهمته الدينية.

نظرة خاطفة على دور الانبياء عبر التاريخ، نجد انهم كانوا يمارسون دوراً قيادياً في المجتمع المؤمن، يتخطّى الدعوة لعبادة الإله الواحد الأحد وتبليغ الاحكام، بل وتنظيم حياة الناس فيما بينهم، وايضاً فيما بينهم وبين الله، بمعنى أن تكون حياتهم استثماراً لما هو أبقى وهي الآخرة، ولذلك كانت الدعوة الى رفض الظلم والعدوان والرذيلة، سواءً صدرت من انسان عادي في مجتمع مثل المجتمع المصري – الفرعوني، أو من شخص مثل قارون صاحب الكنوز الهائلة، أو من فرعون الذي ادعى الألوهية.

وهذا يدعونا لأن نفرق بين معنيين للسياسة؛ المعنى الخاص الذي يعني إدارة القوى الاجتماعية ذات التأثير في عالم الحكم والتي يقوم بها الحكام والسياسيون، وهي السياسة المباشرة، بينما المعنى العام؛ هو صنع القوى الفاعلة في المجتمع والتي تؤثر بالتالي في عالم الحكم، وهي السياسة غير المباشرة ، والتي يقوم بها – عادة – المصلحون وأصحاب المبادئ التغييرية، وفي مقدمتهم الانبياء والأئمة، والشواهد عديدة وكثيرة في عمليات الإصلاح والتغيير التي شهدتها الأمم عبر التاريخ، والنموذج الأرقى والأبرز على الاطلاق؛ يتمثل في رسالة النبي محمد، صلى الله عليه وآله، والدور الحضاري الرائد الذي قام به، و حمله من بعده الأئمة المعصومون، عليهم السلام.

المواصفات الخاصة

اذا كانت القيادة بهذا المعنى الشامل والمؤثر في حياة الانسان، فمن الطبيعي أن تتطلب المواصفات الخاصة لمن يتولّاها، وهذا ما نهض به الامام الحسن العسكري، كونه الامام الحادي عشر، فكان له الدور الاول والاخير في إعداد الفقهاء والعلماء ليكونوا نواباً عامين وخاصين لولده الإمام الحجة المنتظر في غيبته، فالقائد الذي يتولّى أمر الأمة في غيبة المعصوم، عليه أن يجهد نفسه في توفير الصفات الاخلاقية والمؤهلات العلمية والبصيرة والرؤية الثاقبة لقراءة الواقع والمستقبل، بما يمكنه من أن يكون بحق “رجل دين” بما تعنيه الكلمة من دلالات ومعاني.

في حياة الامام العسكري، وصلت المظالم والانحرافات حداً لا يطاق، حتى كاد الظلم والتعسف بحق الناس من جهة، وشيوع الفسق والفجور من جدران القصور، فضلاً عن قصص الخيانة والتصفيات الدموية بين افراد الأسرة الواحدة على كرسي الحكم، من جهة اخرى، أن يدفع الناس للتشكيك بصحة التعاليم والاحكام الدينية التي لم يروا لها أثراً في حياتهم، إنما كانوا يعيشون الارهاب والحرمان والموت باسم الدين وما يُدعى بـ “الخلافة”! مما مكن البعض من المتأثرين بالافكار المستوردة أن يتسللوا الى عقول الناس وينشروا الفلسفة اليونانية التي ادعوا أنها البديل الصحيح لرؤية حقيقية للحياة، وكان منهم؛ الفيلسوف المعروف “إسحاق الكندي” الذي كان في طريقه الى تأليف كتاب يظن انه يرد على القرآن الكريم ويبين تناقضاته، على طريقة الفلاسفة في الرد على بعضهم عبر بيان تهافت أفكارهم، فلما بلغ ذلك الإمام العسكري طلب بعض تلامذة الكندي وقال له:

أما فيكم رجل رشيد يردع استاذكم الكندي عما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟

فلما سأله الرجل عن كيفية ذلك قال له الإمام، عليه السلام: ” أتؤدي إليه ما ألقيه إليك ” ؟

قال : نعم، فقال له : ” صر إليه ، وتلطف في مؤانسته ، ومعونته على ما هو بسبيله فإذا وقعت الأنسة فقل : قد حضرتني مسألة أسألك عنها ، فانك تستدعي ذلك منك ، فقل له: إن أتاك هذا المتكلم بهذا القرآن ، هل يجوز ان يكون مراده بما تكلم منه غير المعاني التي قد ظننتها انك ذهبت إليها ، فانه سيقول لك انه من الجائز، لانه رجل يفهم إذا سمع ؛ فإذا أوجب ذلك فقل له : فما يدريك لعله أراد غير هذا الذي ذهبت أنت إليه ، فيكون واضعاً لغير معانيه ” .

فذهب الرجل إليه. وصنع مثلما أمره الإمام فوقع الكلام في قلبه موقعه لانه – كما أشار الإمام – كان رجلاً ذكياً فهماً، وعرف ان الإحتمال – مجرد الإحتمال – يبطل الإستدلال – كما يقول الفلاسفة – وان هذا الكلام لو انتشر بين تلامذته، لم يصدقه أحد في كتابه فيكون قد حكم على نفسه بالسفه إذا هو أصر في تأليف الكتاب فارتدع عنه، ولكنه سأل من الرجل وقال له : أقسمت عليك الا ما أخبرتني من أين لك هذا ؟

قال الرجل : أنه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك! قال الكندي : كلا ما مثلك من يهتدي إلى هذا، فقال الرجل : أمرني به الامام أبو محمد، فقال الكندي : وما كان ليخرج مثل هذا إلاّ من ذلك البيت .. وعمد إلى كتابه فأتلفه.

وبكلمة؛ القيادة الرسالية الممتدة بجذورها الى الأئمة المعصومين، من شأنها الحفاظ على سلامة الدين والفكر والثقافة والسلوك والاخلاق في المجتمع، مما يمكن الناس من رؤية صحيحة لاتخاذ المواقف والقرارات المطلوبة، لاسيما ما يتعلق بالعلاقة فيما بينهم وبين هذه القيادة، وايضاً ما يتعلق بالدولة وطبيعة نظام الحكم.

سمات التفوق الحضاري

اذا كانت القيادة من منظور الدين، ذات شمولية أوسع من السياسة بالمفهوم الضيق السائد، فانها، في الواقع العملي ايضاً، اكبر من التوجهات الفكرية والمصالح الشخصية والفئوية، وهذا ما حرص على بلورته وتقديمه بصورة واضحة؛ الامام الحسن العسكري، عليه السلام، خلال فترة إمامته وإعداده القادة من علماء الدين، لذا نقرأ عن تلك الفترة أن الدين والأخلاق وحتى النوازع النفسية كانت على المحك، لذا كان هنالك مثل الحسين بن روح، الذي تم اختياره سفيراً للإمام المنتظر، كما كان هنالك مثل محمد بن علي الشلمغاني الذي أبعده الامام لخبث طويته وتفضيله مصالحه الشخصية على مصلحة الامة والرسالة.

وإذن؛ فان القيادة التي ارادها لنا الامام الحسن العسكري، عليه السلام، تتميز – فيما تتميز به- بثلاث خصائص، عن سائر أنماط القيادة التي نراها في العالم:

الاولى: ان القيادة المتمثلة اليوم بمراجع الدين، تجسد النظام الإلهي في الحياة، وليس أي نظام آخر، وهو النظام المتآلف مع فطرة الانسان ووجدانه، ونجاح هذه القيادة مرهون بمدى نجاح العلاقة بين افراد الأمة وبين أحكام الدين وقيم السماء، وهذا النجاح معياره التقوى، فهو الذي يحدد سلامة العلاقة بين افراد المجتمع من جهة، وبين هذا المجتمع والسماء من جهة اخرى.

 

وفي كتابه عن حياة الامام العسكري، عليه السلام، وخلال بحثه في أمر القيادة يقول المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي: “ان السياسة في الإسلام – كما المجتمع والشؤون الشخصية – محراب عبادة، ومعراج المؤمن إلى الله، فمن أجل الله يطيع المؤمن ولي أمره وفي سبيل الله ينبعث إلى القتال ضد أعداءه، وابتغاءً لمرضاة الله ينضوي تحت راية الحركة الدينية وتنفيذ أوامرها، واتباعاً لأمر الله تراه يخالف الطاغوت ويتمرد ضد سلطة ظالمة ، ويبني كياناً سياسياً بديلاً…”

الثانية: المساواة بين افراد الامة تحت راية القيادة المرجعية، فلا وجود للفوارق الاثنية ولا الاجتماعية، ولا حتى ثمة اعتبار للحدود الجغرافية والسياسية وغيرها مما يفصل بين افراد الامة الواحدة ويجعلهم اصحاب جنسيات متعددة.

هذا المبدأ هو وحده القادر على نشر السلام والحرية والعدل والكرامة الانسانية في كل مكان، وانقاذ الامة من الازمات والنكبات التي تعيشها منذ عقود من الزمن.

الثالثة: تحكيم مبدأ الكفاءة والأمانة في تولّي الافراد لأي موقع قيادي في المجتمع والدولة، فالقضية ليست محصورة بالموظف الحكومي، سواء المدير او الوزير او النائب وأمثالهم، إنما حتى في الخطيب والكاتب و مدير المؤسسة الثقافية والقاضي وغيرهم، وعندما يعرف الناس أن معيار موقع القيادة والتأثير على حياتهم، يتعلق بمواصفات حضارية وانسانية عالية جداً، ولن يكون هنالك أي مجال للمحسوبية أو ما يُسمى اليوم بـ “المحاصصة” فان هذا سيعزز الثقة ويرفع الهمم في النفوس لمزيد من العمل على طريق التطور والتقدم.

أخبار تهمك (بواسطة علامة)