بعد إقالة زيباري.. الاكراد يضيعون بوصلتهم في بغداد!

بعد إقالة زيباري.. الاكراد يضيعون بوصلتهم في بغداد!

بقلم: عادل الجبوري 

بقدر ما تؤشر قرارات مجلس النواب العراقي بسحب الثقة عن بعض كبار المسؤولين التنفيذيين في الدولة الى ظاهرة صحية وسليمة في الجانب المتعلق بالرقابة والمحاسبة، فإنها تثير هواجس ومخاوف من نوع ما، لانها في خضم التقاطعات والاختلافات الحادة في المواقف والتوجهات، يمكن ان تكون وسيلة للابتزاز والضغط وتصفية الحسابات، واكثر من ذلك التشهير والتسقيط المتبادل.

ومثلما لا يمكن لاي كان ان يدعي ان سحب الثقة من هذا الوزير او ذاك، يخلو من أية حسابات سياسية معينة، فإنه في الوقت نفسه، من غير المنطقي ولا المعقول القول بأن “القضية” بمجملها مسيسة ومحكومة بنوايا مبيتة وغير طيبة، خاصة في مشهد سياسي معقد وشائك ومضطرب مثل المشهد السياسي العراقي. ومن الخطأ اصدار احكام وتقييمات باتجاه واحد، والركون اليها على انها مسلمات لا يجوز النقاش والجدل فيها.

ولعل الصورة التي رسمتها اجراءات وخطوات سحب الثقة عن وزير المالية هوشيار زيباري، وما رافقها من تجاذبات كثيرة، وقبل ذلك صورة سحب الثقة عن وزير الدفاع خالد العبيدي مطلع شهر اب/ اغسطس الماضي، تعكس هذه الحقيقة.

تداعيات إقالة زيباري

وبدا واضحا الى حد كبير ان التفاعلات التي رافقت استجواب زيباري ومن ثم تصويت غالبية اعضاء البرلمان على اقالته كانت – وما زالت – اكبر واوسع من التفاعلات التي رافقت استجواب واقالة العبيدي، ارتباطا بطبيعة الانتماء الحزبي لزيباري، وواقع الحساسيات القائمة بين المكون – او بتعبير ادق الحزب – الذي ينتمي اليه من جهة، وتيار سياسي واسع يضم عناوين مختلفة اظهر اصرارا كبيرا على اقالته من جهة اخرى.

ولا شك انه كان متوقعا ان تكون ردة فعل الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني حادة وغاضبة جدا على اقالة زيباري، وبالتالي تصويرها على انها استهداف سياسي، بل ان الوزير المقال اتهم في اول تصريح صحفي له بعد تصويت البرلمان على سحب الثقة منه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بتدبير إبعاده عن منصبه.

وقال زيباري “ان الطرف الذي يقف وراء الاستجواب وسحب الثقة منه هو كتلة دولة القانون وزعيمها نوري المالكي”، في الوقت الذي اتهم فيه رئيس البرلمان سليم الجبوري بالتواطؤ للإطاحة به. واكد ان ذلك “جزء من مخطط سياسي لاسقاط حكومة العبادي يقف خلفه رئيس ائتلاف دولة القانون ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي”.

بيد ان الوزير زيباري لم يتحدث لا في المؤتمر الصحفي الذي عقده في مدينة اربيل، ولا في اي مكان او منبر اخر، عن حقيقة الاتهامات الموجهة له بالفساد وسوء استغلال منصبه في تبديد المال العام، كأنه يريد القول “انها ليست السبب الحقيقي وراء اقالته، وانما هناك دوافع سياسية معينة جعلته يكون الضحية”.

وفي واقع الامر ان ادعاءات ومزاعم زيباري، وعدد من قيادات وكوادر الحزب الديمقراطي الكردستاني، تصطدم بجملة حقائق، تثبت ان حزب – او ائتلاف – المالكي لم يكن الوحيد الذي دعم ودفع باتجاه اقاله وزير المالية، بل ان هناك قوى من المكون الشيعي، صوتت لصالح سحب الثقة عنه، مثل التيار الصدري ومنظمة بدر، وربما اعضاء من كتل اخرى، كان موقفها الرسمي المعلن بالضد من اقالة زيباري، وهناك قوى من المكون السني، صوتت هي الاخرى على سحب الثقة، وفي مقدمتها كتلة الحزب الاسلامي العراقي، التي ينتمي اليها رئيس البرلمان سليم الجبوري، واكثر من ذلك ان قوى كردية، كحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وحركة التغيير (كوران) والاتحاد الاسلامي الكردستاني، دعموا بقوة الاطاحة بزيباري، ولم تفلح كل جهود ومحاولات الحزب الديمقراطي من اربيل وبغداد ثنيهم عن ذلك.

وثمة من يقول ان اقالة زيباري، الذي يعد من ابرز الشخصيات القيادية المخضرمة في الحزب الديمقراطي الكردستاني، ومن المقربين – حزبيا وعائليا – لزعيم الحزب مسعود البارزاني، تعد ضربة قاصمة للاخير، تضاف الى الضربات التي تلقاها خلال العامين الماضيين.

وتنقل مصادر مطلعة خاصة، ان البارزاني وقيادات اخرى من حزبه، كانوا الى وقت قريب جدا يؤكدون لمن يتحدثون معهم من بغداد، “اننا التزمنا الصمت وقبلنا على مضض، الغاء مناصب نواب رئيس الوزراء، الذي كان احدهم من حصتنا، وشغله روز نوري شاويس، وقبلنا على مضض احالة رئيس اركان الجيش بابكر زيباري على التقاعد، ولم يبق لنا في بغداد الا منصب وزير المالية، واخذ منا، يعني قطع اخر شعرة بين اربيل وبغداد”.

خلافات كردية كردية

الزيارة الاخيرة التي قام بها رئيس حكومة اقليم كردستان نيجرفان البارزاني الى بغداد، تركزت اساسا  حول الحؤول دون سحب الثقة عن زيباري، وترافق معها التلويح بانفصال الاقليم واستقلاله عن العراق، في وقت يدرك الاكراد جيدا، وفي مقدمتهم البارزاني، ان الظروف غير مواتية بالمرة لاعلان الاستقلال، بل غير مواتية حتى للحديث عنه.

واذا كان البارزاني قد جوبه قبل حوالي عام بحملات سياسية واعلامية عنيفة من خصومه في حركة التغيير وحزب الاتحاد، ادت الى اضعافه وتحجيم دوره ونفوذه في الاقليم الى حد كبير، فقد تلقى الآن ضربة مؤلمة من هؤلاء الخصوم ولكن هذه المرة من بغداد، وليس من السليمانية، وهذا ما انطوى على رسائل مهمة، فحواها الاساس ان الخلافات والتقاطعات الكردية لم تعد محصورة في حدود الاقليم، وانما توسعت لتصل الى بغداد، بحيث لم يعد ممكنا  ان يتحدث الاكراد ويتفاوضوا ويساوموا الاخرين بصوت واحد ورؤية موحدة.  

 ومن المؤكد انه اذا قرر الحزب الديمقراطي التصعيد والذهاب بعيدا في مواقفه المتشنجة مع بغداد على خلفية اقالة زيباري، سيفقد ويخسر المزيد على الصعيدين الكردي والوطني على حد سواء، واذا لم ينجح في كسب حلفاء ومؤيدين له في الاقليم، لن يفعل خارج حدود الاقليم، وفي حال نجح، فإن هؤلاء الحلفاء لن يكونوا مؤثرين في مواقفهم لصالحه.   

باختصار شديد يمكن القول ان الاكراد قد فقدوا البوصلة بعد اقالة زيباري بالصورة التي خرجت بها هذه الاقالة، حيث المزيد من التفكك والتشظي والاختلاف في كردستان، والمزيد من الانحسار والغياب في بغداد، والمزيد من الحيرة والارتباك في تحديد وتشخيص مسارات التحالفات، والمزيد من الانفعال والاحتقان في تشكيل وتوجيه العلاقات.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)