بين يد طفلة صغيرة وبين يد الفساد!

بين يد طفلة صغيرة وبين يد الفساد!

بقلم: محمد علي تقي

كان مقدراً عليّ المساهمة في توفير طقس فكري هادئ يستريح عنده ذهن القارئ الكريم عندما “يستريح القلم” في خاتمة صفحات مجلة “الهدى”، و ربما يكون في هذا التقدير مصلحة معنوية لي وللقراء لنقف لحظات نكتسب “العِبرة” ونسكب “العَبرة” معاً في ظل هذه الاستراحة العجيبة، وما أقل فترات الاستراحة في بلادنا! لاسيما العراق الجريح في كرامته وهو لا يبرح يسمع الزعيق والنعيق بمحاربة الفساد؛ هذه الظاهرة التي يصورها البعض على أنها “بعبع” يستحيل القضاء عليه، لأنه يكمن في الرؤوس الكبيرة فقط والمراكز الحكومية العليا في الدولة، تسبب له اليوم ولادة فساد جديد في نفوس شريحة من المجتمع تجعلهم مصابين بعقد العجز والضعة والهزيمة الداخلية. 

هذا البحث بعيداً عن مكامن الفساد، غيب عنّا الشعور بالحيطة والحذر من خطر هذا الفساد بين صفوف المجتمع فرداً فرداً، فاذا هو ما يشبه مرض السرطان يهدد كل فرد في المجتمع العراقي، ويحوم بين افراد الأسرة الصغيرة، لاسيما الصغار الذين يتطلعون الى المستقبل الذي يأملون أن يكون زاهراً وجميلاً لهم، وفي اللحظة التي يتحول هذا التطلّع والتخطيط الذهني الى مصدر قوة يحقق لصاحبه ما يريد في الحياة، يقفز هذا السرطان على فطرة هذا التلميذ او تلك التلميذة الصغيرة، فيقضي على الضمير والوجدان، كما يقضي السرطان على خلايا الجسم ويرديه صريعاً. 

قبل ان أخرج من هذه المقدمة الطويلة، لا بأس بخاطرة تخدم المقام؛ ذات مرة كان لي حديثاً مع أحد الايتام، فتعرّج الحديث الى المساكن العشوائية “التجاوز”، وكان هو أحد سكنتها مع عائلته، وكيف أن الشرطة تأتي وتهدد بإزالتها، فحاولت بلطف تغيير مسار الحديث الى ما هو محبب للنفس، فسألت ما يررده الكثير: ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟ فكان جوابه السريع: ضابط في الشرطة!

لو سألنا الطلبة عن سر اندفاعهم نحو دراسة الاختصاصات الطبية؛ بدءاً من التمريض والتحليلات المرضية والصيدلة وحتى طب الاسنان والباطنية وغيرها، لوجدنا البعض منهم – وليس كلهم- يفكرون في الوصول الى مصدر القوة تلك، فان كانت للضابط القوة المعنوية، فان للممرض او الطبيب القوة المادية، لاسيما اذا كان مدعوماً بتعيينات فورية، وايضاً بالحاجة الماسّة من المرضى وما أكثرهم في مجتمعنا، وقبل هذا وذاك، بـ “الدفعات القوية” خلال الامتحانات وبواسطة الأيدي غير النظيفة التي توصل البعض على رتبة طبيب في المجتمع وهو دونها بكثير.

لا نريد من وراء هذا الكلام تعميم خطأ طبي قاتل حصل مؤخراً في أحد مستشفيات بغداد، على جميع الممرضين والممرضات وشريحة الاطباء، بيد أن قلّة الخبرة والإهمال وعدم الجدّية وغيرها هو الذي يجعل حدوث هذا الخطأ وغيره في العراق حدثاً شائعاً.

طفلة صغيرة بعمر الورد، ربما لم تكمل الثلاث سنوات، فقدت ذراعها الأيمن بسبب طريقة خاطئة لزرق مصل في يدها، فبدلاً من أن يتصلّ المصل بالوريد، انحرف الى تحت الجلد وتسبب في زرقة شديدة باليد ثم مضاعفات خطيرة اخرى، وقبل تدارك الموقف وتصحيح الخطأ، تفاقمت الحالة وفاجأ الاطباء المختصون بقرارهم لذوي الطفلة بأن يدها تالفة تماماً ويجب ان تقطع فوراً، وحصل ما حصل خلال ساعات، فتحولت الطفلة على حين غفلة، الى معوقة طيلة حياتها.

هنا نسأل: 

ما الذي يدفعنا لشن حملات الهجوم على الفساد الاداري والمالي في دوائر الدولة وعند هذا الوزير او ذاك المدير وامثالهم…؟

انها مشاعر الغضب التي يولدها ضنك العيش وسوء الخدمات وكل ما من شأنه ان يمسّ مصلحة المواطن مباشرة، وهذا أمر طبيعي وحق مشروع، بيد أن البحث عما أوصل هذا الفاسد الى فساده، هو الذي يضمن لنا المكافحة الحقيقية للفساد، وإلا فان هذا السرطان، اذا كان يظهر في الطرق الترابية غير المعبدة والانقطاعات المستمرة للكهرباء وغيرها من مظاهر الفساد، فانه سيظهر اليوم وغداً بما هو أخطر بكثير وأمضّ على حياتنا وحياة اطفالنا وعوائلنا.

فنرجو الانتباه اكثر الى انفسنا ومراجعة الحسابات حتى نستريح حقاً، ولا نقطع يد طفلة صغيرة بدلاً من قطع يد الفساد.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)