سماحة المرجع المدرسي يتواصل في دروس التفسير الرمضانية ، بتفسير سورة الدخان ،، (الدرس العاشر)

سماحة المرجع المدرسي يتواصل في دروس التفسير الرمضانية ، بتفسير سورة الدخان ،، (الدرس العاشر)

يتواصل سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي ببرنامجه السنوي في مكتبه في مدينة طهران ، وذلك بتفسيره لسورة الدخان المباركة ، وسط جمع غفير من أساتذة وطلبة الحوزات العلمية والشباب الجامعي المؤمن. وفيما يلي الدرس العاشر …

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين..

السلام عليكم ورحمة الله و بركاته.

تقبل الله اعمالكم وجعلنا واياكم من المرحومين في هذا الشهر الفضيل.

الدرس العاشر من دروس التفسير والتدبر في سورة الدخان المباركة.

لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله( التى يلقيها في شهر رمضان المبارك (1437 هجريه).

ولتعميم الفائدة نرجو من الاخوة والاخوات بعد قراءتها والتمعن فيها ارسالها الى العناوين التي يملكونها للمساهمة في نشر الفكر القرآني وبصائر كتاب الله الكريم.

وفقكم الله لما يحب ويرضى.

بسم الله الرحمن الرحيم

{ كَذَالِكَ  وَ أَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ(28) فَمَا بَكَتْ عَلَيهْمُ السَّمَاءُ وَ الْأَرْضُ وَ مَا كاَنُواْ مُنظَرِينَ(29) وَلَقَدْ نجَّيْنَا بَنىِ إِسْرَءِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) }

صدق الله العلي العظيم

تذكر آيات الذكر الحكيم في بيانها لقصص الماضين تفاصيل ودقائق، لا يستطيع أن يصل إليها أحدٌ إلا من خلال تبيان الله سبحانه، لأنه العالم بأحوال الماضين والخبير بما جرى عليهم من حوادث دقيقة، فأنّى لنا – ولأي مؤرخ في العالم – أن يعلم بما كان يجري في قلب موسى، أو ما كان يحوكه فرعون مع ملأه للتأمر على النبي موسى عليه السلام، لولا بيان الله سبحانه؟

ومن تلك اللطائف، الإشارة إلى عدم بكاء السماء والأرض على قوم فرعون، وعدم أمهال الله سبحانه لهم ساعة نزول العذاب.

 

شعور الكائنات

{فَمَا بَكَتْ عَلَيهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ}

بعد ذكر ما جرى على فرعون وجنده من إغراق وبيان مآل جنائنهم وزروعهم ومنازلهم الكريمة، يذكر القرآن هنا عدم بكاء السماء والأرض على فرعون وقومه، فماذا يعني ذلك؟ وأساساً هل تبكي السماء والأرض لينفي الذكر بكائها في تلك الحادثة؟

الفلاسفة الذين كانوا يتسمون قبلئذ بالسوفسطائيين (أي الحكماء)، ذهبوا مذاهب شتى في تبيين الحقائق، وكان أكثر تلك المذاهب نابعة من توهمات وتخرصات، والاسوء من ذلك منع هذه التوهمات البشرية من التطور طيلة ستة عشر قرناً.

وارسطو، الذي أعلن الفلاسفة المتأخرين خطأ أكثر من خمسة وتسعين بالمائة من نظرياته في مجال الطبيعيات فضلاً عن غيرها، والذي لا يزال يعد صنماً في مجالات المنطق والفلسفة لا يجوز تجاوز آراءه عند البعض، قسّم المخلوقات الى طبقات عدة:

أولها الإنسان، الذي أسماه الحيوان الناطق، لنطقه الدال على عقله، ومن بعده الحيوانات الأخرى، ومن بعد طبقة الحيوانات كانت طبقة النباتات، وفي النهاية طبقة الجمادات.

وبهذا التقسيم صوّر أرسطو، الأنسان ككائن وحيد يمتلك الشعور والإدراك .

والعرب قسمّوا الناس والحيوانات إلى قسمين، العرب والعجم، فالعربي هو الذي يعرب عن ما في صدره ويفصح عنه، أما الأعجمي فهو كل ما لا يقدر على ذلك.

وفي الحقيقة فإن تقسيمهم هذا نابع من عدم فهمهم هم للغة الآخرين، وليس بسبب عجزٍ لدى ألأعجمي، والأمر ذاته يصدق في تقسيم أرسطو، فعدم إستيعاب أرسطو لإدراك الخلائق الأخرى من جانبه كان سبباً في اعتبارها فاقدة للإدراك والشعور.

وفي القرآن الكريم، آيات كثيرة تؤكد على إمتلاك الحيوانات والحشرات ما تستطيع بها ان تتخاطب فيما بينها لإستمرار حياته، بل وتأكيدٌ على تسبيح الطيور والحيوانات وعبادتهم لله سبحانه، وذلك لا يكون الا بوجود وعي يحملها على العبادة:

–         فقد قال الله حول النملة: {حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى‏ وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}[1].

 

–         وأوحى ربنا للنحل، حيث قال: {وَأَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}[2].

 

–         بعد تفقده للطير وإفتقاده للهدهد، هدده النبي سليمان عليه السلام بالتعذيب أو الذبح لم يكن غيابه بعذرٍ، فجاءه الهدهد مبيناً سبب غيابه، قال تعالى: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقينٍ}[3].

 

–         والحيوانات تسبح لله سبحانه وتصلي له، ولكن نحن لا نعي صلاتهم، بل يعلم الله صلاتهم، قال الله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبيحَهُ وَاللَّهُ عَليمٌ بِما يَفْعَلُون}[4].

 

–        والجمادات هي الأخرى تسبح لله وتعبده، قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبي‏ مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَديدَ}[5].

 

–         ولولا وجود إدراك ووعي لدى الجمادات والسماوات والأرض، لما عرض الله سبحانه الأمانة عليها، ولما أشفقت من تحملها، قال الله سبحانه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً}[6]

فهذه بعض آيات الكتاب المجيد تبين حقيقة وجود إدراك لدى كل ما خلق الله سبحانه، أما في النصوص الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، فهي أكثر من أن تحصر في هذا المجال، مثل تكلم الحصى في يد رسول الله، والضب بين يديه، وتسبيح الجدران في محضر أمير المؤمنين عليه السلام و..

ومن يتبع أرسطو وأمثاله يذهب إلى تأويل تلك الآيات والروايات بتأويلات ضعيفة لا يرتضيها هو قبل غيره، وقد توصل بعض العلماء اليوم إلى حقائق في ما يرتبط بلغة النمل وطرق تواصلها فيما بينها مثلا، وكذلك عن الحوت في بطن البحر وكيفية إرساله الأمواج للتواصل مع أقرانه و..

ومما مضى تبين، أن كل شيء في هذا الوجود يملك عقلاً وشعوراً بحسبه، ولكن الإنسان لا يمكنه إدراك ذلك، أوليست يد الإنسان ورجله تشهد عليه يوم القيامة بعد إنطاقه سبحانه لها ولكل شيء، قال تعالى: {وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[7]، فهي تملك لساناً لاندرك لغته، أو لم يصل نطقهم إلى مرتبة الفعلية الى يوم القيامة.

ومن هنا يتبين لنا أن بكاء السماوات ليس مجرد تعبيرٍ مجازي، بل هو حقيقي، ولكن بحسبها، فبكاء كل شيء بحسبه، ولكن حقيقته واحدة من ناحية الحزن والتحول من الحالة الطبيعية إلى غيرها.

 وقد بكت السماوات بالفعل أربعين صباحاً على نبي الله يحيى عليه السلام الذي استشهد وأهدي رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، وكذلك بكت على سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام وفي الأثر ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه تلا هذه الآية: (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ‏)  وَخَرَجَ عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ مِنْ بَعْضِ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَمَا إِنَّ هَذَا سَيُقْتَلُ وَتَبْكِي عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ[8].

وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: “إِنَّ الْحُسَيْنَ عليه السلام بَكَى لِقَتْلِهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَاحْمَرَّتَا وَلَمْ تَبْكِيَا عَلَى أَحَدٍ قَطُّ إِلَّا عَلَى يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍ‏عليه السلام”[9].‏

عدم بكاء السماء والأرض على الظالمين

وفي عدم بكاء السماء والأرض على فرعون وقومه، بصائر عدة:

 

الأولى: يتصور البعض  أنه قطب رحى الكون، وان وجوده محور الوجود، ويخيّل إلى ذهنه أن الدنيا تنتهي بموته، وتستفحل هذه الحالة إذا ما حصل على سلطة وحكم فيجعل نفسه إلهاً من دون الله سبحانه.

ولم يكن فرعون وحده من أدعّى الربوبية، فغيره من الطغاة شابهه في دعواه وإن لم يصرّح بمثل ما صرّح به فرعون، فمنهم من جعل نفسه قائد الضرورة ومنهم من جعل لنفسه مائة إسم ومنهم من كان يعلن بأنه سبب الأمان للبلد و …

ولكن الواقع لم يكن كما حلموا به وتخيلوه، فلم تتغير الكائنات ولم يتغير الوجود بموتهم أو بنزول العذاب عليهم، خصوصاً وأن هلاكهم كان فجأةً و لم يكن تدريجياً، بل إستمر كل شيء وكأن شيئاً لم يكن.

وأكثر من ذلك، فإن الميت ينساه أقرب الناس إليه بعد دفنه،  فضلاً عن السماوات والأرض قال الإمام محمد الباقر عليه السلام: “إِنَّ مَلَكاً مُوَكَّلًا بِالْمَقَابِرِ فَإِذَا انْصَرَفَ أَهْلُ الْمَيِّتِ مِنْ جَنَازَتِهِمْ عَنْ مَيِّتِهِمْ أَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ‏ فَرَمَى‏ بِهَا فِي آثَارِهِمْ ثُمَّ قَالَ انْسَوْا مَا رَأَيْتُمْ فَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا انْتَفَعَ أَحَدٌ بِعَيْشٍ”[10].

الثانية: على المؤمن أن يكون حذراً في حياته، فكل ما في الكون بمثابة كامرات مراقبة تسجل على الإنسان حركاته وسكناته وكلماته ومواقفه، ومن ثم تشهد له أو عليه يوم القيامة، فالسماء التي يستظل بها المرء والأرض التي تقلّه والثياب التي يلبسها و.. كلها شهود حقٍ لا يخطئون، ومن فوقهم الملائكة والله سبحانه هو الرقيب عليهم والشاهد لما خفي عنهم.

فحتى سرائر الإنسان ونواياه معروفة عند الله سبحانه ومسجلة، وكما اشتهرت المقولة (على نياتكم ترزقون).

الثالثة: على المؤمن أن يعيش حياة الوئام والمحبة مع كل الخليقة، وعلى الأقل أن لا تكون علاقته علاقة إفسادٍ للطبيعة ولما خلقه الله سبحانه، فالإسراف والتبذير وإحراق بيوت الهوام وقتلها بلا سبب وغيرها، أمورٌ نهت الشريعة عنها وكرهتها للمؤمن، لأن المؤمن لا يفسد في الأرض، ويحترم كل ما خلق الله سبحانه ويقدّر نعم الله ويشكرها بحسن التعامل معها.

والأمر ذاته يصدق مع الحيوانات والطيور والحيتان في البحار، إذ لا يجوز الإفساد في الأرض بعد إصلاحها.

وما نراه من إنقراض أنواعٍ من الحيوانات، ومثليها من النباتات، والثقب الحاصل في طبقة الأوزون في الغلاف الجوي وأمثالها، كلها بسبب التعامل الخاطئ للإنسان مع محيطه والطبيعة التي سخرها الله سبحانه له.

 

{وَمَا كاَنُواْ مُنظَرِينَ}

 

لم يؤخرهم الله سبحانه بعد ذلك، بل أنزل عليهم العذاب دون إنظارٍ لهم، وذلك لتماديهم في الغيّ، وعدم الإعتبار بأنواع البراهين، وألوان عذاب الإنذار النازل عليهم من قبل، فعندما تحل ساعة العذاب النهائي لا يعطون فرصة أخرى.

 

خلاص المظلوم

{وَلَقَدْ نجَّيْنَا بَنىِ إِسْرَ ءِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ}

أنقذ الله سبحانه بني اسرائيل من فرعون، ومن عذابه وتنكيله وإهانته المستمرة لهم، وقد أذاع فرعون بني اسرائيل ألوان العذاب، ولم يكونوا يقدروا على أن ينبسوا ببنت شفة إمعاناً في إذلالهم.

ومن ألوان عذابه إدخال الأوتاد في الأرض عبر أطراف الضحية، حيث قال سبحانه عنه: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتاد}[11].

ومن ذلك تجريد الضحية من ثيابه وإلصاق قصب البردي بجلده، ثم وبعد إلتصاق القصب بالجلد يتم سحبه، لينتزع الجلد مع القصب حتى يموت المعذَب.

ومن ذلك بقره لبطون بني إسرائيل، وذبحه لاولادهم أمام أعينهم دون رحمة و..

ولكن كل ذلك العذاب ولّى بإرادة الله سبحانه، وتتجلى ربانية الله سبحانه في إنقاذه لبني اسرائيل الذين كانوا يعيشون الأمرين في ظل حكم فرعون، بل وإسكانهم منازل آل فرعون بعد إغراقهم.

وأورث الله بني اسرائيل أرض مصر، ليشكروا الله أولاً، وليعلموا أن الأمر كله بيد الله سبحانه .

 وهكذا ينبغي أن يعتبر المؤمن من مصير الماضين، ويعلم أن الله هو المهيمن الذي لا يفوته ظلم ظالم، قال الله سبحانه: {وَسَكَنْتُمْ في‏ مَساكِنِ الَّذينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثال‏ }[12].

نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المعتبرين بمن مضى وبما جرى عليهم، إنه سميع  مجيب، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

 

[1]  سورة النمل : الاية 18

[2]  سورة النحل : الآية 68

[3]  سورة النمل : الآية 22

[4]  سورة النور : الآية 41

[5]  سورة سبأ : الآية 10

[6]  سورة الأحزاب : الآية 72

[7]  سورة فصلت : الآية 21

[8]  كامل الزيارات : ص 88

[9]  المصدر : ص 89

[10]  من لا يحضره الفقيه : ج1 ،ص 176

[11]  سورة الفجر : الآية 10

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)