نص البيان الذي أصدره سماحة المرجع المدرسي بمناسبة زيارة اربعينية الامام الحسين (ع)

نص البيان الذي أصدره سماحة المرجع المدرسي بمناسبة زيارة اربعينية الامام الحسين (ع)

نص بيان سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، دم ظله، بمناسبة زيارة اربعينية الامام الحسين (ع)..

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الهداة المرضيين.

السلام على رسول الله سيد الأنبياء وخاتم المرسلين الذي بعثه الله شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً الى الله بإذنه وسراجاً منيرا.

السلام على امير المؤمنين سيد الوصيين وقائد الغر المحجلين.

السلام على الصديقة الطاهرة سيدة نساء العالمين .

السلام على ابي محمد الحسن الزكي امام المسلمين ووارث المرسلين.

السلام على سيد الشهداء وأبي الاحرار الامام الحسين وعلى اهل بيته واصحابه وشيعته وزواره الكرام.

والسلام عليكم أيها القادمون الى مرقد السبط الشهيد ، يا من ترجون شفاعته وتتمنون اللحاق بركب أصحابه البررة ، ويامن بادرتم بالاستجابة لنداء استنصاره فهتفتم بلسان واحد: ” لبيك داعي الله ، لبيك يا حسين”.

أيها الاخوة: إن زيارة السبط الشهيد في هذه السنة بالذات تحمل معالم عظيمة ، لأنها ذات رسالة مباركة ، رسالة كل واحد منا الى نفسه ورسالتنا لإصلاح بلادنا ورسالتنا الى العالمين وفي كل البلاد.

1/ مسيرتنا ثورة على الذات

أيها الزائر الكريم؛ من نصره الله سبحانه على هواه وأعانه على شهواته ووفقه لإصلاح نفسه فقد باركه وأتاه خيراً كثيراً ، الم يقل ربنا سبحانه : [وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى‏] (1).

وقال النبي ، صلى الله عليه وآله : “أَشْجَعُ النَّاسِ مَنْ‏ غَلَبَ‏ هَوَاه‏”(2) .

بلى ؛ إننا نأتي الى أرض الطهر ونغتسل في معين السبط الشهيد لكي نتوب عند مرقده الشريف الى الله الغفور الرحيم من عظيم ما اقترفناه من الذنوب ، هنا عند قبر سيد الشهداء حيث تكاد المسافة بين السماء والأرض تنعدم، هنا نقول لربنا جئنا اليك تائبين وبالحسين الوجيه اليك متوسلين ، ربنا طهرنا من الخلق السيئ ، جمّلنا بالتقوى وزينّا بالخلق العظيم.

جئنا لنقتبس من مصباح الهدى شعلة تضيء دربنا في المستقبل لكي لا نقع في مرة اخرى..

أيها الإخوة:ليس من المعيب أن يذهب الإنسان إلى الشريعة ضمآناً، ولكن من المعيب ان يرجع منها عطشاناً لم يروَ غليله ، كذلك ليس من المعيب ان نرد حوض الطهارة مع ادران الذنوب ، ولكن المعيب جداً جداً أن نعود مع الادران. كلا ؛ إن شاء الله سوف نطهر انفسنا بتوفيق الله من كل خلق سيء او عادة خاطئة.

ألسنا نشهد عند زيارة السبط عليه السلام ونقول: ” أَشْهَدُ أَنَّكَ‏ طُهْرٌ طَاهِرٌ مِنْ طُهْرٍ طَاهِرٍ قَدْ طَهُرَتْ بِكَ الْبِلَادُ وَ طَهُرَتْ أَرْضٌ أَنْتَ فِيهَا “(3) .  إذاً فنحن الآن في ارض طاهرة و مرقد يطهر زائريه، أفلا نطهر أنفسنا؟

إن علاقتنا ببعضنا هي ميزان طهارة انفسنا ، فمن طهرت نفسه من الحسد و العصبية والأنانية فإنه لا يعادي الناس ولا يسخر منهم ولا يغتابهم ويتجنب كل همز ولمز ، اولم يقل ربنا سبحانه:[يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى‏ أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَ لا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى‏ أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَ لا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإيمانِ وَ مَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُون‏] (4).

إن علينا أن نتحاب في الله وان نوالي من والى الإمام الحسين عليه السلام و أن نعادي من عاداه ونكرر هذه الكلمة الذهبية عند مرقده الشريف دائماً : ”  إِنِّي سِلْمٌ‏ لِمَنْ‏ سَالَمَكُمْ‏ وَ حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَكُمْ- وَ وَلِيُّ [مُوَالٍ‏] لِمَنْ وَالاكُمْ وَ عَدُوٌّ لِمَنْ عَادَاكُم‏”(5) .

إن راية الامام الحسين ، عليه السلام توحدنا ولا ينبغي ان نفرق كلمتنا الواحدة بالتحزبات الشيطانية والحميات الجاهلية وبالنفاق والشقاق وسوء الأخلاق ، أعاذنا الله منها ..

مسئوليتنا تجاه بعضنا

أيها الإخوة:إن مسئوليتنا تجاه بعضنا :

اولاً: التواصي بالحق وبالصبر وبكل خير ، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، انها كلها بركات عظيمة حظى الله بها عباده الصالحين .

 كن أيها الموالي، كالوردة يفوح منها أبداً عطر الصلاح والإصلاح ، كن كالنحلة تنقل رحيق الحياة من زهرة لأخرى ، ولا تكونن كالذباب الخبيث ينقل الفيروس والأذى.

ثانياً: التشاور: فإن عقولنا ليست كاملة و إنما يكتمل عقل كل واحد منا بما لدى الآخرين من عقل،و إنما بالتشاور تكتمل عقول الناس.

و هكذا الأمة الإسلامية -حين تقدمت- بالعقل والعلم وبالحكمة البالغة ، وكان امرهم بينهم شورى وكان النبي صلى الله عليه واله ، والوصي ، عليه السلام ، يستشيران الأصحاب وأمر الإسلام بالشورى واننا اليوم بأمس الحاجة الى تفعيل هذه القيمة الإلهية في بلادنا ، ابتداءً من اعلى المستويات كالمرجعيات الدينية والسياسية والى كل مسؤول بل وكل إنسان ، فإن الاستبداد آفة الرأي و الاستبداد بالرأي مظنة زلل. نسأل الله سبحانه ان يعصمنا من ان نعجب بآرائنا ونستبد في قراراتنا.

ثالثاً: التعاون : إن إمكانات كل فرد منا أنى عظمت لا ترقى لمستوى إمكانات المجموع وعلينا ان نعرف ان العزة والفلاح والنجاح تتحقق بالتعاون ، وقد قال ربنا سبحانه :[وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوان‏] (6) .

رابعاً: الاحسان : ذلك لأن الاحسان رديف العدل ، الم يقل ربنا سبحانه : [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون‏](7).

إن مجتمعنا قد بورك بسنة الاحسان الى بعضهم البعض وانه لمفخرة عظيمة لهذا الشعب الذي تعلم من الائمة المعصومين ، عليهم السلام ، خلق الاحسان ونعم الخلق ، ولكننا اليوم – أيها الإخوة- بحاجة الى المزيد من الإحسان لأن الظروف التي نمر بها وبسبب ازدياد عدد المحتاجين يجعلنا بأمس الحاجة الى هذه القيمة التي يقول عنها ربنا سبحانه :[وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْك‏] (8).

2/ شعار مسيرتنا الإصلاح ابداً

بلاد الرافدين – أيها الإخوة الكرام- واقعة في لجة من المشاكل المتراكمة والمعقدة ، سببتها ثلاث حروب متوالية ومدمرة وذلك قبل سقوط الطاغية، ثم كانت حرب الإرهابيين والتي لازالت مستمرة من بعد السقوط وحتى الأن و تزداد ضراوة كل يوم، هذا بالإضافة إلى رواسب الاحتلال، هكذا فنحن في لجة المشاكل، ثم كانت القوانين المخالفة للدين والمتخلفة عن العصر والبعيدة كل البعد عن الدستور الذي وضعه الشعب، ثم الاقتصاد ذو البعد الواحد المعتمد على النفط ثم الشروخ الإجتماعية كلها، وغيرها من المشاكل بحاجة الى مسيرة إصلاحية دائمة يقوم بها أبناء الشعب جميعاً وبلا كلل ولا ملل وبحول الله سبحانه.

بلى .. اننا شعب حسيني نتبع نهجه في الإصلاح ونتمنى أن نلحق بركبه، ألم يقل سيدنا و قائدنا الإمام الحسين عليه السلام:”وَ أَنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَ لَا بَطِراً وَ لَا مُفْسِداً وَ لَا ظَالِماً وَ إِنَّمَا خَرَجْتُ‏ لِطَلَبِ‏ الْإِصْلَاحِ‏ فِي أُمَّةِ جَدِّي صلى الله عليه واله أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَنْهَى عَنِ الْمُنْكَر”(9) .

إن تراكمات عهود التخلف والقمع والفساد بحاجة الى عمل دؤوب ومن قبل جميع شرائح المجتمع وتحت ظلال المرجعيات الدينية وعلى نهج السبط الشهيد عليه اللام وآنئذ يفرح المؤمنون بنصر الله تعالى الذي قال: [يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُم‏] (10).

 وما نصر الله الا بالانتصار لدينه الحنيف ولأوليائه الاطهار عليهم السلام ، ولمن في خطهم اللاحب.

3/ دعوتنا للعالم: اجيبوا داعي الله

اذا كان العالم اليوم يمر بأزمات حادة فالإرهاب طفق يقض مضجع الجميع ، والفقر والتخلف والاستعباد يزلزل الامن ويهدد السلام الدولي وميزانيات التسلح غير المبررة ، ولا سيما تعاظم الترسانات النووية وسائر أسلحة الدمار الشامل.انها تمتص ثروات الشعوب وتدخل العالم في نفق الرعب والركود الاقتصادي ، كما و أن الاحتباس الحراري  يهدد كوكب الأرض بالفناء التدريجي.

اذا كان كل ذلك واقع حال البشرية ، فإن الخلاص ليس الا في دين الله ، واكمل الأديان الإسلام الذي قال عنه ربنا سبحانه:[ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي‏ وَ رَضيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دينا] (11).

وليس امام العالم كله الا الاستجابة لداعي الله ، فمن هو ذلك الداعي الذي قال عنه ربنا سبحانه :[رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادي لِلْإيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَ تَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرار] (12).

بلى ؛ ان داعي الله يتمثل في رسول الله صلى الله عليه واله ، واهل بيته الكرام ولا سيما سبطه الشهيد الإمام الحسين عليه السلام ، الا تقرؤون في زيارته :” لَبَّيْكَ‏ دَاعِيَ‏ اللَّهِ‏ إِنْ‏ كَانَ‏ لَمْ يُجِبْكَ بَدَنِي فَقَدْ أَجَابَكَ قَلْبِي وَ شَعْرِي وَ بَشَرِي وَ رَأْيِي وَ هَوَاي‏”(13) .

إن السبط الشهيد قد استنصرنا يوم عاشوراء حيث قال : ” هل من ناصر ينصرنا..”.

ونحن اليوم نقول له : “لبيك داعي الله ، لبيك يا حسين.”

وقد كتب الامام الحسين عليه السلام دعوته الصادعة بأحرف من دم ورسم في وادي الطف من جسده الشريف ومن اعضاءه المقطعة وأعضاء اهل بيته واصحابه اعظم منشور الهي للبشرية ينادي يا أهل العالم ارجعوا الى ربكم ، توبوا الى بارئكم ، استغفروا ربكم حتى ينجيكم من بلاء الدنيا وسوء عذاب الاخرة.

ومسيرتنا هذا العام وكل عام هي الدعوة الى اهل العالم نحو نهج السبط الشهيد عليه السلام ، انها مسيرة سلمية ناطقة باسم دين الله ، وسيأتي يوم يستجيب العالم لهذه الدعوة ، وعلينا ان نبقى مستمرين في هذه المسيرة المتصاعدة حتى يصل نداؤها ورسالتها الى اذن اهل العالم جميعاً.

أيها الإخوة: ان اجتماعكم حول مرقد السبط ، عليه السلام ، سوف يباركه الرب من فوق عرشه ما دمنا مخلصين لوجه الله تعالى ، عاملين من اجل اعلاء كلمة الحق التي ضحى أبو عبد الله الحسين ، عليه السلام بكل ما يملك من غال ونفيس من اجلها وما توفيقنا الا بالله العلي العظيم.

کربلاء المقدسة/  محمد تقي المدرسي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة النازعات : الاية 40-41

 (2)من لا یحضره الفقیه : ج4، ص 395

 (3)کامل الزيارات : ص 218

 (4)سورة الحجرات: الاية 11

 (5)كامل الزيارات : ص 177

 (6)سورة المائدة: الاية 2

(7) سورة النحل : الاية 90

(8) سورة القصص : الاية 77

(9) بحار الانوار: ج44، ص 329

 (10)سورة محمد : الاية 7

 (11)سورة المائدة : الاية 3

(12) سورة آل عمران : الاية 193

(13) كامل الزيارات : ص 218

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)