قاع دجلة يحتضن كنزَ آثارٍ ضخم وخبيرٌ عراقي يحدد مكانه

قاع دجلة يحتضن كنزَ آثارٍ ضخم وخبيرٌ عراقي يحدد مكانه

كنز عراقي آثاري يكفي لافتتاح أربعة متاحف عالمية ابتلعه نهر دجلة قبالة نقطة التقائه بالفرات في مدينة القرنة جنوب العراق، الكنز عالق في قاع النهر، وكل محاولات التنقيب عنه أخفقت وآلت الى الفشل، فيما اختلفت روايات كيفية غرقه.

قبل نحو قرن ونص، وبينما كان صراع النفوذ في العراق المحتل عثمانياً آنذاك على أشده بين بريطانيا وفرنسا، غرق كنز لدى محاولة بعثة فرنسية تهريبه، وهو يضم قطعاً أثرية نفيسة لا تقدر بثمن، بينها ثيران آشورية وقطع من بابل، فضلا عن منحوتات من قصر آشوربانيبال، وثمة دعوات لإعادة البحث عنها مجدداً بعد تحديد موقع تقريبي لها، كون الآثار مهمة جدا وتستحق العناء، بحسب خبراء. 

 

كنز مفقود

يقول الخبير في شؤون الآثار والتراث هاشم العزام في حديث لـ السومرية نيوز، إن “كمية من القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن غرقت قبل نحو قرن ونصف في نهر دجلة في موقع يقع شمال قضاء القرنة، وذلك خلال نقلها على ظهور مراكب نهرية تسمى (أكلاك) الى البصرة لغرض تهريبها الى أوربا”، مبيناً أن “الأكلاك النهرية غرقت في ظروف تعددت الروايات بشأنها، وكانت من ضمن الآثار التي تحملها ثيران آشورية مجنحة ولقى ثمينة جداً”.

ويلفت العزام الذي عمل لسنوات مديراً لدائرة الآثار والتراث في البصرة ومن ثم مستشاراً للمحافظ لشؤون الآثار الى أن “محاولات عديدة بذلت للعثور على الآثار الغارقة من دون جدوى، منها محاولة تعود الى قبل أربعة عقود اضطلعت بها بعثة يابانية من جامعة طوكيو، وبعد أشهر من الجهود المتواصلة شعرت البعثة بالإحباط وقررت إيقاف العمل”، مبينا أنه “كلف رسمياً بالبحث مجدداً عن تلك الآثار قبل ثلاث سنوات”.

ويؤكد العزام بالقول، “توصلت الى تحديد موقع تقريبي لها، ورفعت تقريراً تفصيلياً الى وزارة السياحة والآثار، وبدورها أرسلت نسخة منه الى جهاز المخابرات الوطني”، مشددا على أن “تلك الآثار من الضروري البحث عنها مجدداً من خلال تنظيم حملة جديدة بالاستفادة من جهود حملات البحث السابقة”.

ويستبعد العزام “تماماً أن تكون الآثار قد سرقت بعد غرقها لصعوبة العثور عليها وانتشالها”.

أما الخبير في شؤون الملاحة البحرية الكابتن كاظم فنجان الحمامي يقول في حديث لـ السومرية نيوز، إن “الآثار التي استقرت في قاع نهر دجلة ضمن قضاء القرنة من المستحيل العثور عليها بعد نحو قرن ونصف على غرقها”، موضحاً أن “المشكلة تكمن في تغير مجرى النهر بمرور الزمن، فضلاً عن تراكم الطمي بفعل ظاهرة الإرساب والترسيب”.

ويوضح الحمامي الذي يعمل منذ أكثر من 25 عاماً مرشداً ملاحياً في الشركة العامة للموانئ أن “الآثار الغارقة عبارة عن قطع حجرية، وبالتالي فإنها انغمست في قاع النهر عند غرقها، وهذا يجعل العثور عليها وانتشالها أكثر صعوبة”، مبينا أن “المشكلة الثانية التي قد يواجهها الباحثون عنها هو صعوبة التفريق بينها وبين الصخور”.

 

ملابسات الاختفاء

تفيد مصادر تاريخية مختلفة بأن كمية كبيرة من القطع الأثرية التي تعود الى حضارات قديمة تم نقلها بواسطة أكلاك (أرماث) نهرية عبر دجلة في عام 1855، وعند اقترابها من ملتقى دجلة والفرات قرب القرنة في البصرة غرقت بعض الأكلاك النهرية في ظروف غامضة، وهناك من يقول إن عاصفة مفاجئة تسببت بغرقها، وهناك من حاول تفسير الحادث وفق نظرية المؤامرة من خلال القول أن الانكليز بسبب انزعاجهم من الوجود الفرنسي في العراق حرضوا بعض العشائر والقبائل على التصدي لعمليات نهب الآثار من قبل الفرنسيين، وهو ما دفع ببعض رجال العشائر الى شن هجوم مسلح على الأكلاك النهرية أدى الى إغراقها.

وذكر خبير الآثار سكيل لويد في مذكراته، أن “الآثار الغارقة في القرنة تكفي لافتتاح أربعة متاحف عالمية، ومن بينها 80 صندوقاً تحتوي على آثار من بابل، و 68 صندوقاً وخزانة تضم منحوتات تعود الى قصر آشوربانيبال”.

الكاتب والإعلامي البصري إحسان وفيق السامرائي أفرد الصفحة رقم 478 من كتابه (لوحات من البصرة) الصادر قبل ثلاثة أعوام للحديث عن قصة الآثار الغارقة في القرنة نقلاً عن المؤرخ يوسف العلي، إذ أفاد السامرائي بأن “المنقب الفرنسي المعروف باسم (يوتا) وزميله (فلا نوان) اللذان نقبا في موقع قصر الملك الآشوري سرجون الثاني أرسلا 235 قطعة أثرية على ظهور أكلاك الى البصرة عن طريق دجلة، ولم تصل منها إلا 26 قطعة، وتفيد تقارير فرنسية بأن أسطول الأكلاك استثار طمع الأهالي الذين اعتقدوا أنها تحمل بضائع متنوعة فهجموا عليها وأغرقوا معظمها، إلا أن المنقب عن الآثار والس بدج ذكر في الجزء الأول من كتابه (رحلات الى العراق) أن الأكلاك المذكورة أصابتها رياح عاتية، بحيث أدى تلاطم الأمواج العالية الى تصادمها ببعضها وغرقها، وبالتالي غاصت التماثيل الأثرية في الوحل وفقدت الى الأبد.

ويوضح السامرائي في كتابه، أن إحدى محاولات البحث عن الآثار الغارقة جرت في عام 1956 بقيادة خبير فرنسي، لكن قطع العلاقات الفرنسية العراقية من جراء حرب السويس على مصر أفشل المشروع، ثم جاءت بعثة يابانية في عام 1961برئاسة العالم نامو ايكامى، وأجرت مسوحات دقيقة انطلاقاً من ملتقى دجلة والفرات ولمسافة 7 كم، لكن البعثة لم تعثر على أي قطعة أثرية رغم الجهود المضنية التي بذلتها.

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)