المرجع المدرسي: على المؤمن أن يتجاوز المظاهر وصولاً إلى الحقائق

المرجع المدرسي: على المؤمن أن يتجاوز المظاهر وصولاً إلى الحقائق

شدد سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) على ضرورة تنمية الجسد والروح لدى الإنسان عبر الأدوات التي منحها الله له.

وفي الدرس العشرون من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت المباركة؛ قال سماحته، “على المؤمن ان ينظر الى الاشياء من حوله نظرة عبورية، مؤكداً، أن “من خلال المظاهر يصل المؤمن الى الحقائق الكبرى.”

وذكر سماحته، أن “المؤمن ان يتجاوز المظاهر وصولاً الى الحقائق عبر الايمان بالله واليوم الآخر والعبادة والسجود لله.”

و في ما يلي النص الكامل للدرس العشرون من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت ‏المباركة:‏

بسم الله الرحمن الرحيم

لا تسجدوا للشمس والقمر

[وَ مِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَ النَّهارُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ وَ اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)]

للبشر خلقتان ، بخلاف جميع المخلوقات الأخرى التي لها خلقة واحدة لا غير ، ففي البشر خلقة للروح واخرى للجسم ، وكما ان التقدير الالهي اقتضى ان يكون جسم الانسان محتاجاً الى العمل على تقويته وتنميته ، كذلك هي الروح ، حيث اوكل الله سبحانه جانب تكاملها الى الانسان نفسه مع اعطائه ادوات ذلك ، وبعبارة اخرى اعطى الله الانسان جزءاً من الخالقية باعطاءه المشيئة والارادة ، نعم ؛ تبقى مشيئته وارادته تابعة لمشيئة الله ومأخوذة منه، كما قال تعالى : [وَ ما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمين‏][1].

وعطاء الله سبحانه لهذه النعمة – المشيئة- لم يكن في زمانٍ مضى وانتهى ، بل هو عطاءٌ مستمر في كل لحظة من لحظات الحياة ، فحين يريد الانسان فانما تنبثق ارادته من ارادة الله سبحانه ، وكما في الحديث عن رسول الله ، صلى الله عليه واله ، قال : ” اللَّهُ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ بِمَشِيَّتِي كُنْتَ‏ أَنْتَ‏ الَّذِي‏ تَشَاءُ لِنَفْسِكَ مَا تَشَاءُ- وَ بِإِرَادَتِي كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي تُرِيدُ لِنَفْسِك‏ ما ترید..”[2]. وهذه الحقيقة تظهر معنى ” بسم الله الرحمن الرحيم ” وكذا ذكر ” لا حول ولا قوة الا بالله”.

الانسان ..رحلة من المظهر الى الجوهر

من ابعاد هذه الحقيقة ، هي انا كبشر نعيش الظواهر بحواسنا ، فنرى ونسمع ونتلمس المظاهر فقط ، ولابد لهذه الرؤية السطحية ان تتحول الى رؤية الوقائع كما هي ، فمن المظاهر نعبر الى الحقائق ، وبعبارة اخرى نكون من اولي الالباب الذين لا يغترون بمظاهر الحياة ، ويكون ذلك عبر مجموعة من الخطوات التي جعلها الله سبحانه لنا ، من الصلاة والصيام والحج .. كل ذلك للوصول الى الحقائق متجاوزين المظاهر.

[وَ مِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَ النَّهارُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ]

الشمس والقمر كلامهما مظهرين من مظاهر قدرة الله سبحانه ، وآيتين من آياته المبثوثة في الخليقة.

فنحن نرى الشس الكبيرة في حجمها ، بحيث تكون الكرية الارضية بالنسبة اليها كالحلقة الملقاة في الفلات الواسعة ، والشديدة في حرارتها ، والمنيرة لكوكبنا و.. ولكن ذلك كله ظاهرها..

ونحن نرى – كذلك- القمر ، الذي لا تستقي منه كرتنا الارضية الضياء فحسب ، بل وبه يكون توازن الكرة الارضية ، حيث المد والجزر المرتبطان به ، بل وحتى يتأثر الانسان بالقمر وحركته ، وما تأكيد الدين الحنيف على مجموعة من الاعمال والتروك في اوقات معينة من حركة القمر ، الا دليلٌ على حجم تأثير القمر على حياة الانسان .. اقول ، كل ذلك ايضاً هو ظاهر القمر..

فما هي الحقيقة التي ينبغي ان نصل اليها من خلال نظرنا الى هذين الآيتين العظيمتين ؟

[لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ]

الله يقول للانسان ، ايها الانسان لا تنبهر بالشمس والقمر الى درجة تجعلهما الهةً تعبدهما ، بل تأملهما حتى تصل الى خالقهما ، واعبده هو دونهما.

بل ان الشمس والقمر خلقهما الله من اجل الإنسان وسخرهما له ، كي يسعى باتجاه الاهداف التي خلق من أجلها ، وكما في الحديث القدسي : ” عبدي خلقت الأشياء لأجلك و خلقتك‏ لأجلي‏”[3]

وليست الشمس ولا القمر ، الا آية من بين ملايارات الآيات الدالة على قدرة الله سبحانه ، وما في هذا الفضاء الرحيب اجسام اعظم من الشمس والقمر ، مثل النجوم العظيمة ، والحفر السوداء التي تبتلع الشموس الكبرى ، و.. كلها محتاجة الى الخالق والصانع ، الذي هو الله لا اله الا هو.

البشرية بين عبادة المخلوق والخالق

[وَ اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ]

عبد البشر – في تاريخه- اشياء مختلفة من دون الله ، فبدأ – كما يدعي البعض- بعبادة الاشجار وثنّى بالخضوع للثمار واستمر حتى وصل الى عبادة الشمس والقمر والحجر والبقر و..

ترى ؛ لو كانت الشمس والقمر الهه تستحق العبادة ، فلمَ لا نرى منهم ارادةً حقيقية ؟ فهي – ومنذ ملايين السنين- تتحرك ضمن برنامج محدد ودقيق ، لا تقدر على الحيد عنه قيد انملة ، فهل هذه الا صفة للمخلوق المقهور؟

وقد ادّعى البعض قبل أيام ، بحدوث تغيّر في حركة الشمس ، بمقدار نصف الثانية . ورغم انّا لا نصدق ذلك ، ولكن لو افترضنا صدقه ، فإن هذا ايضاً دليلٌ على المخلوقية للشمس ، فكل تلك السنين المتطاولة وكل تلك الحركات المختلفة ، بقيت منتظمة ولم يحدث فيها تغيّر الا نصف ثانية؟

على الانسان ان يمتلك النظرة العبورية في حياته ، فيتجاوز المظاهر ليصل الى معرفة الله سبحانه وتعالى، كيف؟

وكذلك السجود من وسائل الوصول الى مرحلة،  يستطيع المرء فيها العبور من المظاهر والواقع ، وبذلك يصل الى مرحلة اولي الالباب ، فتميز عن سائر الخلق بإيمانه بالله الخالق والصانع للكون وما فيه.

توافق العبادات مع الفطرة

إن العبادات التي نؤديها في حياتنا ، هي في حقيقتها مودعة في فطرتنا ، ولذلك تتناسب كل العبادات مع وجدان الانسان السوي ، فالقيام –مثلاً- هي حالة فطرية لدى المرء اذا اراد تأدية الاحترام ، فيقوم لمن يريد اجلاله ، ارأيت كيف تؤدى تحية الجندي في الجيش – مهما كان دينه- عبر القيام والقاء التحية؟

والركوع هي الاخرى طريقة للاحترام ، ووجود اناسٍ يستعملون الركوع في تحياتهم العادية دليلٌ على تناسب هذا الفعل مع الفطرة.

وكذلك السجود ، يعتبر وسيلة لاظهار الخضوع التام والخشوع.

اوليست الصلاة جامعة لكل هذه الافعال؟ بل واكثر من ذلك. فليفكر الذين ينكرون الصلاة ولا يؤدونها في افعالها ، ففيها القيام والركوع والسجود ، وفيها حديث الخالق مع المخلوق بتلاوة القرآن ، وفيها الحديث مع الخالق عبر الدعاء ، وفيها الذكر والحمد والشكر و..

وبها يصحّ جسم الانسان ، وعبرها تنتظم حياة الانسان و .. وقد كتب احد العلماء عن الفوائد الصحية الجمة للصلاة.

“فالصلاة نظام الحياة السعيدة ، وقد كتبت كتاباً قبل اربعة عقود بإسم ( الصلاة برنامجٌ كامل) ، في هذا المجال.”

الخلوة مع الرب

وبالرغم من كل ما في الصلاة من فوائد ، فإن المناجاة مع الرب والاقتراب منه يكون عبر السجود ، فاذا اردت الخلوة مع الله سبحانه فعليك بالسجود ، فعن سعيد بن يسار قال : ” قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَدْعُو وَ أَنَا رَاكِعٌ، أَوْ سَاجِدٌ؟

قَالَ: فَقَالَ: نَعَمْ، ادْعُ وَ أَنْتَ سَاجِدٌ؛ فَإِنَّ أَقْرَبَ‏ مَا يَكُونُ‏ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ وَ هُوَ سَاجِدٌ، ادْعُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لِدُنْيَاكَ وَ آخِرَتِكَ“[4].

فبالسجود ينفصل العبد عن المحيط ، ويلتجأ الى الله سبحانه ، متحسساً الذل مستشعراً الخضوع ، ناظراً الى عجزه وفقره وضعفه ، مناجياً ربه بالمأثور : ”  سَجَدَ لَكَ‏ سَوَادِي‏ وَ خَيَالِي وَ آمَنَ بِكَ فُؤَادِي أَبُوءُ إِلَيْكَ بِالنِّعَمِ وَ أَعْتَرِفُ لَكَ بِالذَّنْبِ الْعَظِيم‏”[5].

وكان السجود دأب المعصومين ، عليهم السلام ، حتى لقّب الامام زين العابدين ، عليه السلام ، بالسجّاد لكثرة سجوده لله ، فكان – كما يروى- ينزل من الدابة ساجداً لله سبحانه لتذكره نعمة من نعم الله او رؤيته آية من آيات الله.

ولما لهذه العبادة خصوصاً من اهمية ، نجد تخصيص القرآن الكريم وجوب السجود في بعض آياته – ومنها هذه الاية – والندب اليه في آيات أخرى.

الايمان بالاخرة

الإيمان بالآخرة هو الطريق الاساس للاقتراب من الحقائق وتجاوز النظرة السطحية ، وبه يمتاز المؤمن عن غيره ، فالمؤمن يعيش الآخرة بروحه وان كان في الدنيا بجسمه ، فيعمل لها دوماً ، وينظر اليها من خلال كل ما في الحياة ، بعكس الكافر بها الذي عمي عنها فلم يهتم بها ابدا.

” وعلينا ان ننمي الايمان بهذه الحقيقة في وجودنا، خصوصاً في هذه الليالي المباركة ، وبعد ان خطونا خطوات كبيرة في سبيل الاقتراب الى الله سبحانه وتعالى ، فلابد ان نبقي ما عملناه ونسعى للمزيد ، وذلك بأن نقر بالموت بصورة عملية ، فلا نغتر بالدنيا ونعمل للآخرة  حتى نصل الى مرحلة نحب فيها الموت ، وكما في الحديث عن الامام الباقر ، عليه السلام : ” جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، صلى الله عليه واله ،  فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ  مَا لِي‏ لَا أُحِبُ‏ الْمَوْتَ‏ قَالَ ، صلى الله عليه واله :  أَ لَكَ مَالٌ؟

قَالَ نَعَمْ.

قَالَ صلى الله عليه واله فَقَدَّمْتُهُ ؟

قَالَ لَا .

قَالَ: فَمِنْ ثَمَّ لَا تُحِبُّ الْمَوْتَ لِأَنَّ قَلْبَ الْمَرْءِ عِنْدَ مَالِهِ”.

نسأل الله سبحانه ان يوفقنا للعمل للآخرة ، انه ولي لذلك وصلى الله على محمد واله الطاهرين.

صفوة القول

خلق الانسان وله جانبان : الجسم والروح ، وعليه ان يسعى بجَهده لتنمية وتقوية هذين الجانبين بالادوات التي اتاحها الله سبحانه له.

على المؤمن ان ينظر الى الاشياء من حوله نظرة عبورية ، فمن خلال المظاهر يصل الى الحقائق الكبرى.

عبر الايمان بالله واليوم الآخر والعبادة والسجود لله ، يستطيع المؤمن ان يتجاوز المظاهر وصولاً الى الحقائق.

السجود ، مظهر الخضوع التام لله سبحانه ، فبه ينقطع المرء عن المحيط ويتلجأ الى الله وحده.

[1] سورة التكوير : الاية 29

[2] تفسير القمي : ج1 ،ص 211

[3] الجواهر السنية في الاحاديث القدسية : ص 710

[4] الاصول الستة عشر : ص 184

[5] الکافی: ج3،ص 324

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)