المرجع المدرسي: على الدعاة إلى الله أن ينسلخوا عن ذواتهم ،، الدرس الخامس

المرجع المدرسي: على الدعاة إلى الله أن ينسلخوا عن ذواتهم ،، الدرس الخامس

شدد سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) على ضرورة أن “ينسلخ الدعاة إلى الله من ذواتهم والدعوة اليها” مؤكداً على أهمية  أن “لا يطرح نفسه رمزاً أبداً بل يكون داعياً الى الحق دون تلبيسه بالشخصانية”.

جاء ذلك خلال الدرس الخامس من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت المباركة التي يلقياها سماحته بحضور جمع من العلماء وطلبة الحوزات العلمية والمؤمنين.

وقال سماحته، “على الداعية الى الله سبحانه ان يتخلص من ذاتياته وصفاته النفسية المذمومة، ويكون مبلغاً للرسالة دون ادخال المصالح الشخصية فيها”، مذكّراً برسالة الأنبياء عليهم السلام التي تمحورت حول ” تخليص الناس من عبادة الخلق الى عبادة الله سبحانه وتعالى”.

وفي ما يلي النص الكامل للدرس الخامس من سلسلة دروس التدبر في سورة فصلت المباركة:

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

 

[قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكمُ‏ يُوحَى إِليّ أَنَّمَا إِلَاهُكمُ‏ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ  وَ وَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ(6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُم بِالاَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ(7)]

صدق الله العلي العظيم

من الاهداف الهامة التي تسعى الكثير من الآيات القرآنية تحقيقها في النفس البشرية هي معرفة الشيطان؛ اذ لابد للانسان ان يعرف عدوه اولاً ليتمكن من مواجهته، فكيف بأعدى اعدائه المتمثل في ابليس، حيث لابد ان يعرفه الانسان ويعرف اساليبه وطرقه وحبائله وادواته.

فالذي لا يعرف عدوه او يغفل عن معرفته للعدو يهلك في اول هجمة ، ومن هنا؛ يدعونا القرآن الكريم في مناسبات شتّى للحذر من مصائد الشيطان وخطواته، ويعلنها صراحةً ان العدو الحقيقي للانسان هو الشيطان، قال الله سبحانه: [أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَني‏ آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبين‏ * وَأَنِ اعْبُدُوني‏ هذا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ *][1]

ومن حبائل ابليس في تضليل الانسان، تحويل المعنويات الى امور مادية، وبعبارة اخرى تأطير المسائل المعنوية في اطر ومعايير مادية بحتة، مثلما فعل فرعون حينما عيّر النبي موسى، عليه السلام، بالامور المادية في مقابل دعوته الالهية، حيث راح ينشر بين الناس بأنه ، عليه السلام،  فقيرٌ من الناحية المادية، فلا سلطة لديه ولا امكانيات، وبل ولا يملك الا ثياباً رثّة، وفي مقابل ذلك هو – اي فرعون- يملك القصور والانهار تجري من تحته و.. كل ذلك تبديلاً للمسألة من مسألة معنوية الى امور مادية بحتة وتفاضلات دنيوية.

وهكذا فعل كفار قريش، حينما واجهوا دعوة النبي الاكرم، صلى الله عليه واله، وادعّوا ان قلوبهم في اكنة وان في اسماعهم وقر، وبينهم وبين النبي حجاب، وبعد ذلك راحوا يقاطعون النبي الاكرم صلى الله عليه واله، باستبطان التهديد بالمواجهة البدينة مثل التعذيب والتهجير والتصفية.

كيف نواجه وساس ابليس؟

والسؤال الهام، كيف يمكن للداعية ان يواجه هذه الوساوس  الشيطانية؟

وفي الاجابة على هذا السؤال نقول : لابد للداعية ان ينسلخ من ذاته والدعوة اليها ، بأن لا يطرح نفسه أبداً، بل يكون داعياً الى الحق دون تلبيسه بالشخصانية، كما كان يفعل الانبياء والرسل، حيث لم تكن دعوتهم لذواتهم في حالٍ من الأحوال، بل يعلنوها صراحةً بأنهم رسل الله والدعاة اليه.

لنكن دعاةً الى الله

وفي الاية بصيرة هامة لابد من الالتفات اليها، وهي:

ان الانسان يدعو – بطريقة او بأخرى – الى ما يحمله هو من معتقدات وافكار، فتارة يبين ذلك بصراحة عبر لسانه وفعله، وتارةً يدعو الى سبيله بطريقة غير مباشرة عبر اتخاذ مواقف معينة في حياته.

والمسلم؛ وبالرغم من انه يدعو الى معتقده طبيعياً، فإنه مكلفٌ ايضاً بالدعوة الى الدين وتبليغه بصراحة، وذلك عبر مجموعة من التشريعات والفرائض التي سنها الدين المقدس، منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومنها التواصي ، حيث يلعب التواصي دوراً بارزاً في ابقاء المجتمع الايماني في مستوى عالي من الايمان والالتزام بالشريعة، ذلك لأن التواصي من باب ” التفاعل”، مثل التعاون، يكون فعلاً متقابلاً، فكما يوصي المؤمن اخاه يتلقى الوصية منه أيضاً.

وقد أمر القرآن الكريم بهذه الفريضة في اكثر من موضع، وحدد موارد التواصي ايضاً، مثل الحق الذي هو اساس المجتمع الايماني، والصبر، الذي يعتمد بقاء الحق عليه، والمرحمة، التي يضمن التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم ويردم الفجوات الحاصلة.

اننا نعيش اليوم في عالمٍ نسي الرحمة بالضعفاء والمساكين، بل يتكالب على خيرات الارض على حسابهم، ففي العام الماضي اعلنت منظمات الامم المتحدة وجود اكثر من سبعمائة مليون انسان يعانون من نقص الغذاء، فضلاً عن الذين يعيشون تحت خط الفقر، ان التواصي بالمرحمة يحمل المؤمن ان يبذل ماله ويدعو الى بذل المال من اجل المساكين والمحتاجين.

وفي الحقيقة؛ فإن فرائض الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي، هي التي تجعل من الأمة الاسلامية، امةً شامخة، لا تهزها العواصف ولا تضر بها القواصف، اما اذا ترك ابناء الامة هذه الفرائض ضعفوا وهزلوا امام التحديات.

ومن هنا؛ فإن الدعوة الى الله سبحانه والى قيمه وشرائعه ليست حكراً على فئة دون فئة او جماعة دون اخرى ، بل هي وظيفة كل مؤمن ومؤمنة، على أن يحمل كل واحدٍ العلم بما يدعو والاسلوب الحسن في الدعوة.

كيف ندعو؟

كما ذكرنا؛ على الداعية ان لا يدعو الى ذاته ابداً، وبعد ذلك عليه ان يحمل الخلق الحسن والاسلوب الطيب في دعوته، لتنفذ في قلب المتلقي، فإنها تساهم بدرجة كبيرة في قبول المقابل الدعوة، وهذا ما كان يفعله اهل البيت ، عليهم السلام، في سيرتهم، فالامام زين العابدين، عليه السلام – مثلاً- يبدل العدو المهاجم الى فدائي في سبيل اهل البيت، عليهم السلام، وشهيد في سبيل الدفاع عنهم، وذلك خلال حوار قصير، لنستمع اليه:

روي أنّهم لمّا دخلوا دمشق واقيموا على درج المسجد منتظرين الإذن من يزيد حيث يقام السبي أقبل شيخ من أهل الشام حتّى دنا منهم، فقال: الحمد للّه الّذي قتلكم وأهلكم، وأراح العباد من رجالكم، وأمكن أمير المؤمنين منكم.

فقال له عليّ بن الحسين عليه السلام: يا شيخ‏، هل‏ قرأت القرآن؟

قال: نعم.

قال: قرأت هذه الآية: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏[2]؟

قال الشيخ: قرأت ذلك.

فقال عليّ بن الحسين عليه السلام: فنحن القربى، يا شيخ، هل قرأت‏ وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏[3]؟

قال: نعم.

قال: فنحن القربى، يا شيخ، هل قرأت‏ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[4]؟

قال: نعم.

قال: فنحن أهل البيت الّذي خصصنا به.

قال: فبقي الشيخ مبهوتا ساعة ساكتا نادما على ما تكلّم به، ثمّ رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللّهمّ إنّي أتوب إليك من بغض هؤلاء القوم، ثمّ التفت إلى عليّ بن الحسين، فقال: باللّه أنتم هم؟

فقال عليّ بن الحسين عليه السلام: تاللّه إنّا لنحن هم من غير شكّ، وحقّ جدّنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله.

قال: فبكى الشيخ و رمى عمامته، ثمّ رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللّهمّ‏ إنّي أبرأ إليك من عدوّ آل محمد من جنّ أو إنس، ثمّ قال: هل من توبة، يا ابن رسول اللّه؟

قال: نعم، إن تبت تاب اللّه عليك، و أنت معنا.

فقال: وأنا تائب، فبلغ يزيد مقالته، فأمر بقتله.” [5]

[قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكمُ‏ يُوحَى إِليّ]

وكذا كان النبي الاكرم، صلى الله عليه واله، حيث اعلن وبكل تواضع ان شأنه شأن سائر الانبياء في مسألة التبليغ للرسالة، فهو لا يدعوهم ليتسلط عليهم او يتأمر عليهم، بل دعوته نابعة من وحي الله اليه لخلاصهم من براثن التخلف والجهل والاستعباد.

وماذا كانت رسالة الوحي؟

[أَنَّمَا إِلَاهُكمُ‏ إِلَهٌ وَاحِدٌ]

تلخصت رسالة الوحي في التوحيد، بالدعوة الى الله وحده لا شريك له، فلم تكن في رسالة  النبي، صلى الله عليه واله، دعوة الى ذاته او الى شخصٍ آخر، بل هي دعوة الهية خالصة.

وهكذا هي الرسالات السماوية، تخلص الناس من عبادة العباد وتنقلهم الى عبادة الله الواحد الأحد، فالدعوة الى الله لا تكون بتخليص الناس بعبودية قومٍ لهيمنة قومٍ آخرين عليهم، وهذا ما كتبه الامام ابو جعفر الباقر، عليه السلام : ” و أوّل ذلك الدّعاء الى‏ طاعة اللَّه تعالى من طاعة العباد، والى عبادة اللَّه من عبادة العباد، والى ولاية اللَّه من ولاية العباد .. وليس الدّعاء من طاعة عبد الى طاعة عبد مثله”[6].

وهكذا لا يجوز للدول الاسلامية ان تخلص المسلمين في دولة اخرى من ظلم الظلمة والطغاة ليتسلطوا هم على رقابهم ويتحكموا في خيراتهم، تحت اي تسمية او مبرر”.

[فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ]

ذكرنا في بداية السورة ان الهدف الاساس في هذه السورة هو الاستقامة على طريق الحق وههنا نجد الأمر بالاستقامة على الطريق الذي يكون غايته الوصول الى الله سبحانه، فحرف ” الى” غائية، تدل على ان الغاية هي الله سبحانه وتعالى، فالاستقامة على الطاعة والعبادة طريق الوصول الى الله سبحانه.

“وسنتحدث عن الاستقامة مفصلاً في قادم الأيام ان شاء الله تعالى”

[وَ اسْتَغْفِرُوهُ]

لصعوبة الاستقامة يتزلزل الانسان ويحيد عن الجادة احياناً ، فهو بحاجة الى تقويم ذاته بالاستغفار والانابة، ومن هنا نجد الأمر بالاستغفار بعد الامر بالاستقامة، ومثل ذلك ما قاله الرب سبحانه في سورة هود: [فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ مَنْ تابَ مَعَكَ وَ لا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصير][7]، حيث يأمر الله نبيه بالاستقامة هو، ومن تاب من المسلمين معه، حيث قيّد ذكر المؤمنين مع النبي بالاستغفار لحاجتهم المستمرة اليها.

[وَ وَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ]

انذار وتهديدٌ للمشركين، فمن هو المشرك ؟

ليس المشرك وحده من يجعل امامه صنماً يعبده من دون الله سبحانه، بل هو كل من يرفض الاوامر الالهية متحدياً لله سبحانه.

[الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوةَ ]

وكمثل لشرك القوم، انهم يمتنعون عن ايتاء الزكاة المفروضة، فما هي الزكاة؟

يبدو ان الزكاة في الآية أعم من الفريضة الواجبة في الغلات الاربع والانعام الثلاث والنقدين، بل هي تشمل كل قوة ونعمة تفيض عن حاجة الانسان مع وجود مستحقها.

ومن كان يملك وفرة من النعم، فلابد له ان يزكيها ببذلها للمحتاجين – بحسب النعمة -، ففي العلم زكاة وكذا في الجاه والمال والبدن و.. قال الامام الصادق، عليه السلام: ” إِنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ زَكَاةٌ وَ زَكَاةُ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمَهُ أَهْلَهُ”[8].

سبب منع الزكاة

ترى، ما هو السبب في منع المشركين للزكاة ؟

[وَهُم بِالاَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ]

لأنهم كفروا بالجزاء في يوم القيامة، وتكرار ضمير” هم” يدل على تأكيد عدم ايمانهم باليوم الآخر، فما داموا كذلك فيفضلون التمسك بالمزيد من المال والثروة و.. لأنفسهم دون بذلها في سبيل الله، ففي الاثر ان رجلاً قال لرسول الله، صلى الله عليه واله: ” يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي لَا أُحِبُّ الْمَوْتَ؟

فقال له النبي الاكرم، صلى الله عليه واله:  هَلْ مَعَكَ مَالٌ ؟

فَقَالَ: نَعَمْ .

قَالَ:  فَقَدِّمْ مَالَكَ فَإِنَّ قَلْبَ الْمَرْءِ مَعَ‏ مَالِهِ‏ فَإِنْ قَدَّمَهُ أَحَبَّ أَنْ يَلْحَقَهُ وَإِنْ خَلَّفَهُ أَحَبَّ أَنْ يَتَخَلَّفَ مَعَه”[9].

علينا أن نعي حقاً اننا سنموت وان من خلفنا يوم حساب وجزاء،  ونبني حياتنا وسلوكياتنا – بما فيها اعمالنا الحسنة- على هذا الوعي.

نسأل الله سبحانه ان يوفقنا لذلك، انه ولي التوفيق، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.”

Print Friendly

أخبار تهمك (بواسطة علامة)